كيس بلاستيك شفاف
نوفيلا بقلم جمال عسكر
الفصل السادس
الرقصة الأخيرة
(أو: النعي الذي كُتب قبل الموت)
لم يقرر عصام شيئًا في تلك الليلة.
القرارات الكبيرة لا تأتي هكذا، دفعة واحدة؛ هي تتسلل مثل صداع خفيف، تتجاهله أولًا، ثم تكتشف فجأة أنه يحتل رأسك كله.
عاد إلى شقته متأخرًا. خلع حذاءه عند الباب، وتركه مقلوبًا دون أن يعدّل وضعه. لم يشعل الضوء فورًا. جلس على الكنبة، والهاتف في يده، كما لو كان جزءًا من جسده لا يعرف كيف يضعه جانبًا.
فتح التطبيقات واحدة تلو الأخرى.
أسماء، تعليقات، إشارات إعجاب، وجوه تراه ولا تعرفه.
كانوا يتحدثون عنه أكثر مما يتحدثون إليه.
يمدحون صرامته، يقتبسون جُمله، يصنعون منه شخصية أصلب مما يحتمل.
قرأ تعليقًا يقول:
الراجل ده مش طبيعي.
أغلق الشاشة.
“مش طبيعي”…
الكلمة علقت في صدره كشوكة.
نهض، ووقف أمام المرآة في الحمام. وجهه لم يتغير كثيرًا، لكن شيئًا ما انسحب منه. نظر طويلًا، كأنه ينتظر أن يتكلم انعكاسه، أو يعاتبه، أو يطلب تفسيرًا. لم يحدث شيء.
جلس إلى المكتب الصغير في الركن. فتح اللابتوب.
المؤشر يومض في صفحة بيضاء، بلا عنوان.
لم يكن ينوي كتابة اعتراف، ولا بيانًا، ولا فضيحة. كان ينوي فقط أن يُنهي شيئًا.
كتب جملة، ثم مسحها.
كتب أخرى، ثم تردد.
وأخيرًا، كتب بلا تفكير، كأن الكلمات كانت تنتظره:
“أنا مش الشخص اللي فاكرينه.”
توقف.
قرأ الجملة.
لم تكن كافية.
أكمل:
“ولا أنا الشخص اللي بحاول أبقى عليه.”
بدأت الكلمات تنساب، لا بانفعال، بل بوضوح مرهق. كتب عن الصمت الذي فُسِّر عمقًا، وعن الغموض الذي لم يكن سوى فراغ، وعن الخوف الذي صار وسيلة عمل. كتب عن الورقة الحمراء، عن السلطة التي لم يطلبها، عن عثمان، دون أن يذكر اسمه، كأنه يخشى أن يلوثه.
لم يدافع عن نفسه.
لم يعتذر.
لم يهاجم أحدًا.
كان يكتب كمن يخلع ملابس ثقيلة قطعة قطعة، لا أمام الناس، بل أمام نفسه.
حين انتهى، قرأ ما كتب مرة واحدة فقط. لم يشعر بالراحة، لكنه شعر بشيء يشبه الصدق. وهو شعور نادر، ومكلف.
ضغط “نشر”.
لم يتراجع.
لم يعدّ حتى الثلاثة.
أغلق اللابتوب، كأن الأمر لا يعنيه، لكنه ظل جالسًا مكانه، يسمع قلبه بوضوح مزعج. الهاتف على الطاولة بدأ يهتز بعد دقيقة. لم يلمسه.
اهتز مرة أخرى.
ثم ثالثة.
نهض أخيرًا، ارتدى قميصًا خفيفًا، وخرج.
الشارع في ذلك الوقت كان أقل ادعاءً. عربات متوقفة، كلب نائم قرب الرصيف، شاب يدخن وحده. لا أحد يعرفه، ولا أحد ينتظر منه شيئًا. شعر براحة غريبة، كأن صدره اتسع فجأة.
جلس على مقعد حجري قرب العمارة. بعد قليل، ظهر عثمان، كعادته، دون ضجيج. جلس بجواره، ووضع كيس طعام صغير على الأرض، وبدأ يفتت الخبز لقطة نحيفة خرجت من العتمة.
لم يتكلما.
الهاتف في جيب عصام يهتز بلا توقف. كان يعرف ما يحدث دون أن ينظر. يعرف أن هناك من يضحك، ومن يغضب، ومن يفسر، ومن يصنع منه “حالة” جديدة. لكن شيئًا ما فيه لم يعد معنيًا.
راقب يد عثمان وهي تتحرك ببطء، بلا استعجال، بلا جمهور. القطة تأكل، ثم ترفع رأسها، ثم تعود. لا تصفيق. لا تعليق. لا تسجيل.
في تلك اللحظة فقط، فهم عصام ما لم تفهمه كل الكلمات التي كتبها:
أن بعض الأفعال لا تحتاج شاهدًا كي تكون حقيقية.
نهض بعد قليل. نظر إلى عثمان، تردد، ثم قال بصوت خافت:
— أنا… آسف.
لم يسأل عثمان عن السبب. هز رأسه فقط، كأنه يقول: ماشي.
وكان ذلك كافيًا.
عاد عصام إلى شقته بعد منتصف الليل. فتح الهاتف أخيرًا. مئات الإشعارات. تجاهلها كلها. أطفأ الجهاز، ووضعه في الدرج، وأغلقه.
لأول مرة منذ زمن، نام دون أن يترك ضوء الشاشة مفتوحًا.
لم يكن يعرف ما الذي سيحدث في الصباح.
لم يكن يعرف إن كان قد دمر كل شيء، أم حرر نفسه من شيء أثقل.
لكنه كان متأكدًا من أمر واحد:
هذه كانت آخر مرة يرقص فيها على موسيقى لا يسمعها.
حسنًا.
هذا الفصل ليس حلًّا، ولا حكمة، ولا استنتاجًا.
هو الفراغ بعد الضجيج، والمكان الذي يقف فيه الإنسان حين تسقط عنه الأسماء، ولا يتبقّى سوى الوزن الحقيقي للخطوة.
✦ ✦ ✦
الفصل السابع
ليلة بلا أقنعة
(أو: ما يحدث حين لا يراك أحد)
استيقظ عصام في الصباح متأخرًا على غير عادته. لم يكن النوم عميقًا، لكنه كان بلا أحلام، وذلك في حد ذاته كان نعمة. فتح عينيه ببطء، وانتظر الإشعار الأول، ذاك الذي اعتاد أن يوقظه قبل المنبّه. لم يأتِ.
مدّ يده إلى الهاتف الموضوع في الدرج، تردد لحظة، ثم أعاده مكانه. نهض، فتح الشباك، فدخل هواء بارد نسبيًا، محمّل بروائح الشارع: قهوة، عادم سيارات، وخبز طازج من مخبز قريب. أشياء لا تحتاج جمهورًا لتكون موجودة.
في الشركة، لم يكن المشهد كما توقّع. لا فوضى، ولا ترقّب، ولا عيون مسلّطة عليه. البعض تجاهله، البعض حيّاه بحذر، والبعض الآخر تصرّف كأن شيئًا لم يحدث. شعر بخيبة صغيرة، ثم أدرك أنها خيبة الأنا، لا خيبة الحقيقة.
جلس على مكتبه. فتح الملفات التي أهملها طويلًا. قرأ سطرًا، ثم آخر. العمل بدا فجأة عاديًا على نحو مريح. لا بطولة، ولا شر، ولا خوف. مجرد وقت يُقضى.
عند الظهيرة، نزل إلى الشارع دون هدف. لم يبحث عن مقهى معروف، ولا مكان يُلتقط فيه. مشى فقط. خطواته كانت بلا إيقاع، لكن بلا توتر. مرّ بجوار واجهات محالّ لم يلاحظها من قبل. رجل يرصّ فاكهة، امرأة تساوم على السعر، طفل يضحك ثم يسقط ثم ينهض.
جلس على الرصيف لبعض الوقت، يراقب. لم يُخرج الهاتف. لم يشعر بالحاجة. كان هناك شعور جديد، غير مُسمّى، يشبه الاكتفاء المؤقت.
مع الغروب، عاد إلى العمارة. وجد عثمان جالسًا في مكانه المعتاد، يكنس الأرض ببطء، كأن الوقت لا يعنيه. رفع رأسه حين رآه، ابتسم ابتسامة عابرة.
— مساء الخير يا أستاذ عصام.
— مساء النور يا عم عثمان.
جلس عصام إلى جواره دون دعوة. صمتا. لم يكن الصمت ثقيلاً هذه المرة، بل مريحًا، كصمت شخصين لا ينتظر أحدهما من الآخر دورًا.
بعد قليل، جاءت القطة نفسها، تلتف حول قدمي عثمان. أخرج كيسًا صغيرًا، وبدأ يضع الطعام في علبة قديمة. راقبه عصام، كما لو كان يشاهد مشهدًا لا يتكرر.
قال عثمان، دون أن ينظر إليه:
— الدنيا بتبقى أهدى لما الواحد يعمل اللي عليه وخلاص.
لم تكن حكمة. كانت جملة عادية، خرجت في وقت مناسب. لم يعلّق عصام. هزّ رأسه فقط، كأنه يضعها في مكان ما داخله، دون تصنيف.
جلسا حتى أظلم الشارع. لم يمرّ أحد ليصوّر، ولم يسأل أحد عن رأي، ولم يحدث شيء يستحق النشر. ومع ذلك، شعر عصام أن الليلة ممتلئة بما يكفي.
حين صعد إلى شقته، لم يشغّل التلفاز. أعدّ لنفسه شايًا، وجلس قرب النافذة. فكر في الرسالة التي كتبها، وفي كل ما قيل عنها دون أن يسمعه. لم يشعر بالندم، ولا بالانتصار. شعر فقط بأنه عاد إلى حجمه الطبيعي، وذلك كان مريحًا أكثر مما تخيّل.
قبل أن ينام، فتح الدرج، أخرج الهاتف، نظر إليه للحظة، ثم أعاده دون تشغيله. أطفأ النور، واستلقى.
لم يكن يعرف إن كان ما يفعله شجاعة، أم هروبًا متأخرًا. لكنه كان يعرف أنه، للمرة الأولى منذ زمن، لا يؤدي دورًا.
في تلك الليلة، نام عصام كما ينام الناس الذين لا يهمّهم إن استيقظ العالم وهم نائمون.
وكان ذلك كافيًا.
✦ ✦ ✦
الفصل الثامن
الخلود الهش
(أو: كيف يختار الإنسان أن يترك أثرًا لا يلمع)
لم تأتِ الضربة كما توقّع عصام. لم يكن هناك استدعاء رسمي، ولا بيان غاضب، ولا محاولة لإسكاته. جاءت الرسالة في بريد العمل، مختصرة، مهذبة، ومحايدة إلى حد الإهانة.
“اطّلعنا على النص الذي نشرته مؤخرًا. نراه تجربة إبداعية جريئة تعبّر عن روح المرحلة. نودّ أن نناقش معك إمكانية تطوير هذا الخطاب ضمن إطار مؤسسي.”
قرأها أكثر من مرة.
“إطار مؤسسي”…
عبارة مطاطية، تعرف كيف تحتوي كل شيء، حتى التمرّد.
في الاجتماع، جلسوا حول الطاولة كما لو كانوا يناقشون حملة تسويقية. لم يذكر أحد كلمة “اعتراف”، ولا “ذنب”، ولا “كذب”. تحدّثوا عن “الصوت المختلف”، و“المصداقية”، و“التفاعل الجماهيري”. اقترحوا أن يكتب أكثر، لكن هذه المرة بتوجيه. أن يكون صريحًا، لكن بحدود. مقلقًا، لكن آمنًا. حقيقيًا، لكن قابلًا للتكرار.
استمع عصام بصمت. لم يشعر بالغضب. شعر بشيء أقرب إلى التعب. كأنه وصل متأخرًا إلى حفلة يعرف موسيقاها جيدًا.
قال أحدهم، مبتسمًا:
— الناس محتاجة حد زيك.
— حد يقول اللي في دماغهم.
أراد عصام أن يسأل: وفي دماغي أنا؟
لكنه لم يفعل.
شكرهم، طلب وقتًا للتفكير، وخرج.
في طريق عودته، مرّ من الشارع نفسه. المخبز، البقال، صوت الراديو من محل قديم. الأشياء لم تتغير. وهو أيضًا، لم يتغير تمامًا. لكنه لم يعد يصلح للنسخة التي يعرضونها.
في المساء، وجد عثمان عند المدخل، يحاول تثبيت لمبة موفّرة، يقف على كرسي غير ثابت. تردد عصام لحظة، ثم اقترب.
— استنى، أنا أطلعها.
صعد بحذر، ثبّت اللمبة، نزل.
فعل صغير، بلا شهود، بلا قيمة رمزية تُذكر.
قال عثمان وهو يضحك:
— كده أحسن.
— النور الهادي يريح العين.
ابتسم عصام.
لم يقل شيئًا.
في شقته، جلس إلى المكتب. فتح اللابتوب. لم يكتب بيان رفض، ولا منشورًا جديدًا. كتب رسالة قصيرة، واضحة، لا تحمل بطولة:
“أشكر اهتمامكم. أفضّل ألّا أستكمل هذا المسار.”
ضغط إرسال.
وأغلق الجهاز.
لم يشعر بالراحة فورًا. شعر بالخوف. الخوف القديم، نفسه، لكن بلا زينة هذه المرة. الخوف من أن يمرّ دون أثر. من أن يعود إلى الزاوية. من أن ينتهي في كيس بلاستيك.
لكن بين الخوف والفعل، كان هناك شيء تغيّر.
في اليوم التالي، اعتذر لعثمان عن الفيديو. لم يشرح كثيرًا. قال فقط:
— ما كانش ينفع.
قال عثمان، وهو يهز رأسه:
— حصل خير.
وكان ذلك كافيًا.
بدأ عصام يفعل أشياء صغيرة. أشياء لا تُنشر. يُنهي عمله دون استعراض. يساعد حين يُطلب منه، وأحيانًا قبل أن يُطلب. يكتب، أحيانًا، لنفسه فقط. لا بحثًا عن أثر، بل عن ترتيب داخلي.
لم يصبح حكيمًا.
لم يتطهّر.
ولم يتخلّص من رغبته القديمة في أن يُرى.
لكنه صار يعرف ثمنها.
في إحدى الليالي، وهو يطفئ النور، تذكّر الكيس البلاستيك. لم يعد يخيفه كما قبل. فكر أن الخلود ربما لا يكون في أن يتذكّرك الجميع، بل في أن يذكرك شخص واحد، في لحظة صامتة، لأنك كنت حاضرًا فعلًا.
نام وهو يعرف أن حياته قد تُنسى، نعم.
لكنها، على الأقل،
لم تعد قابلة للاختصار.
وكان هذا…
شكلًا هشًّا من الخلود.
✦ ✦ ✦
> ليس كل من يخلع القناع شجاعًا،
بعضهم فقط… متعب.
اكتمل الآن نشر نوفيلا
«كيس بلاستيك شفاف»
بنصها الأخير،
حيث لا توجد بطولة،
ولا خلاص كامل،
بل اختيار صغير، حقيقي،
لا يُصفّق له أحد.
هذه ليست نهاية سعيدة،
لكنها صادقة.
🔗 [رابط الجزء الأول]
https://alsarrad.gamalasker.com/2026/01/kis-plastic-shafaf-part1.html
https://alsarrad.gamalasker.com/2026/01/kis-plastic-shafaf-part2.html

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق