السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الاثنين، 19 يناير 2026

الكاتب الأخير في القرية

 الكاتب الأخير في القرية

تحقيق أدبي سوسيولوجي عن انقراض الكتّاب في المناطق الريفية العربية



المقدمة

يقف الأديب يوسف القعيد في قلب مصر الريفية كشاهد حي على جيل تلاشى من الكتاب القرويين. يُلقب بـ"الفلاح الفصيح"، وهو لقب يعكس الندرة النادرة لمثقف أصيل أرسى جذوره في أرض القرية، لم تقتله المدينة ولم تنسهِ فطرته. لكن القعيد لم يعد استثناءً وحيداً؛ بل صار رمزاً للانقراض التدريجي للصوت الأدبي الريفي في الثقافة العربية المعاصرة.

هذا التحقيق يستكشف ظاهرة اجتماعية ثقافية خطيرة: انقراض الكتاب الأدباء في المناطق الريفية العربية. ظاهرة لم تحظَ بالاهتمام الكافي في النقد الأدبي، لكنها تنعكس بوضوح في تصريحات الدارسين والنقاد، وفي الأرقام التي تكشف مركزية القاهرة والقاهرة وحدها في الإنتاج الأدبي العربي.


الجزء الأول: الواقع الموثق

أدباء الأقاليم والتهميش المنهجي

في تقرير صادر عن منصات إعلامية عربية مؤثرة نهاية العام 2025، طُرحت قضية حادة: "من هم أدباء الأقاليم؟". يكشف التقرير أن هناك نظرة سائدة ترى أن الأدباء والكتاب الذين يسكنون خارج العاصمة في المدن أو الريف يعانون من تهميش منظم، وأن الساحة الأدبية تعتبرهم "أدباء في الهامش" لا يستحقون الضوء والاهتمام.

وبينما برز بعض النقاد والكتاب من الأقاليم مثل محمد على البطل في المنيا، ومصطفى رجب وحمزة الأعرج في قنا، وأحمد الصغير في الوادي الجديد[2]، إلا أن ظهورهم بقي محدوداً وهامشياً في الساحة الثقافية الوطنية. كأنهم يكتبون في غرفة مغلقة، والعالم الأدبي يستمع للقاهرة وحدها.

يوسف القعيد: الاستثناء الذي يثبت القاعدة

يوسف القعيد يمثل النموذج الوحيد شبه الناجح للكاتب الريفي الذي اخترق الجدران الثقافية. أطلق عليه النقاد لقب "الفلاح الفصيح"، وهو تعبير يجسد المفارقة: يجب أن يكون الفلاح "فصيحاً" ليُعترف به، يجب أن يتخلى عن لهجته الحية ليحصل على شرعية أدبية.

القعيد كتب عن الريف المصري بحميمية شديدة، لكن هذه الحميمية كانت ثمن دخوله إلى الساحة الأدبية. اضطر للكتابة عن "موضوع آخر غريب"، الموضوع الذي صار الآن تخصصه: حياة الفلاح والقرية. لم يكن خياراً فنياً، بل فرض عليه من قبل النظام الثقافي المركزي الذي قال له: اكتب عما تعرفه، عن فقرك، عن بساطتك، عن كفاحك. اكتب لنا "الريف الجميل".

الرواية العربية والحنين الكاذب للقرية

هناك مفارقة أساسية في تاريخ الرواية العربية: الرواية وُلدت لتعبّر عن المدينة، لكن حنّت دائماً للقرية.

الفن الروائي العربي، منذ نشأته الحديثة، ابتُدع ليعبّر عن تجربة التحضّر والحياة الحديثة. لكن الروائيين الذين نشأوا في المدينة، وصاروا نخبة ثقافية بها، أرسلوا كتاباتهم إلى الريف بحنين استعماري غريب. يصفون الريف بألوان رومانسية أو بؤسية، لكن دائماً من بعيد. دائماً بلا صوت ريفي فعلي يرد عليهم.

قصص التمدّن والهجرة من الريف إلى المدينة صارت الموضوع الأساسي للرواية العربية. يصفها الدارسون بأنها "رحلة ضد الفطرة والنقاء". وكأن الكاتب الريفي الذي يهاجر للقاهرة يرتكب خطيئة أولى بحقه في البقاء مثقفاً ومبدعاً.

الحياة الريفية في الأدب: صرخة لا تُسمع

كتب مصطفى علي الهلباوي كتاباً كاملاً بعنوان "في الريف المصري" يطلق فيه "صرخة في وجه تجاهل وضع الريف وأحوال الفلاح المصري". يفتتحه بسؤال محبط: "أفلا تكون الحال أفضل لو جادت المدينة ببعض محاسنها على الريف؟".

يكشف الهلباوي حقيقة مؤلمة: أبناء القرى ينزحون نحو القاهرة بحثاً عن تحسين ظروف المعيشة والعمل، لكنهم يقعون في "فخ لا يستطيعون الفكاك منه". إما أن يفقد المغترب جزءاً من نفسه في دوامة المدينة بتزاحمها وصراعاتها، وإما أن يتخلى عن طموحه وذاته بالكامل ويعود للاختباء في الريف.


الجزء الثاني: التحليل السوسيولوجي

المركزية الثقافية: نظام التحكم الرمزي

السؤال الأساسي ليس: "لماذا لا توجد كتب جيدة من الريف؟" بل: "من الذي يقرر ما هو جيد؟" 

هناك حارس ثقافي قوي في القاهرة يتحكم في المنشورات، والجوائز، والأضواء الإعلامية. هذا الحارس ليس بالضرورة متعمداً، لكنه منهجي. فندق الكتاب والمعارض الثقافية والمجلات الأدبية الموثوقة والجوائز الرسمية، كلها تتركز في العاصمة. الناشرون يقطنون القاهرة. الناقدون يتمركزون في الجامعات الكبرى بالقاهرة.

كاتب من قنا أو أسيوط أو الدقهلية يجب أن يترك بيته، وأهله، وجذوره، ويهاجر للقاهرة ليكون مرئياً ومؤثراً. لكن حين يصل، ماذا يبقى منه؟ هل تبقى القرية في روحه؟ أم يصير كاتباً مدينياً آخر؟

الجيل الضائع من الكتاب الريفيين

لم تُجر إحصاءات دقيقة لعدد الكتاب الذين وُلدوا في الريف والقرى ولم يكملوا مسيرتهم الأدبية. لكن الشهادات الشفاهية والقصصية كثيرة.

شاعر في الجيزة كتب دواوينه بدعم من أهل قريته، لكن لم تُنشر أبداً. روائي في سوهاج أنهى روايته الأولى، لكنها رفضت من أربعة ناشرين، قيل له إن "العمل يتطلب تعديلاً جوهرياً" - لكن العيب لم يكن في العمل، بل في أن الناشرين لم يفهموا لهجة الحوار الريفي.

هذا الجيل الضائع لم يترك أثراً أدبياً معترفاً به رسمياً. عملهم موجود في درجات الجامعات، في الكراريس اليدوية، في المجلات المحلية الصغيرة التي تُطبع بأعداد قليلة جداً. لكنه أدب منسي لا يصل إلى قارئ واحد خارج نطاق قريته.

تأثير الهجرة على الإبداع الأدبي

ظاهرة "هجرة الأدباء من الأقاليم" هي ظاهرة حقيقية ومعقدة. بعضهم نجح بعد الهجرة، لكن أكثرهم لا. وحين لا ينجح الكاتب الريفي في المدينة، يقف في منطقة وسيطة محبطة: لا هو مشهور بما يكفي ليعود للريف كـ "نجم"، ولا هو غير معروف بما يكفي ليعترف بفشله ويعود للعيش البسيط.

هناك دراسة من جامعة روتجرز الأمريكية تحت عنوان "الرواية والخيال الريفي في مصر" تستكشف صورة الفلاح والريف المصري في الأدب. الدراسة تكشف أن صورة الفلاح ظلت "ذاتاً ممزقة"؛ يُمثّل من قبل آخرين، لا يمثل نفسه بنفسه.


الجزء الثالث: نماذج تاريخية

الرواية المصرية والريف: من الرومانسية إلى البؤس المرسوم

"أسطورة الجبل" لـ بوريس كامل كانت من أوائل الروايات التي جسدت "شخصية الفلاح المقهور بالإقطاع". لكن من كتبها؟ بوريس كامل، شاعر وروائي من الإسكندرية، وليس من الريف.

روايات نجيب محفوظ عن القاهرة والمدينة طغت على الأدب العربي كله. أين الصوت الريفي الذي يرد على محفوظ؟ أين رواية تجسد الريف بنفس العمق والبراعة الفنية التي جسد بها محفوظ الفسطاط والحسين والدرب الأحمر؟

الإجابة مؤلمة: لا يوجد صوت ريفي بهذا الحجم.

الشعراء والريف: الحنين الكاذب

الشعراء العرب كتبوا عن الريف بكثرة. لكن كم منهم وُلد وعاش في الريف؟ الشاعر المهجري "إيليا أبو ماضي" كتب عن الريف بجمال شديد، لكنه كتبه كحنين ثقافي، لا كتجربة حية.

"الريف حياة الطبيعة والحرية"، يقول. لكنه يكتب هذا من بعيد جداً. يصفه بالسماء العارية والضياء الصافي. لكن الفلاح الريفي الحقيقي لم يقرأ أبو ماضي قط، ولا عرف أحد في قريته أن أحداً من الشعراء "الكبار" يكتب عنهم.


الجزء الرابع: أصوات محلية تُهمس

الكتاب الريفيون الذين لم نعرفهم

في دراسة حديثة عن "تحولات صورة الريف المصري في الروايات الحديثة"، تم ذكر عدد من الروائيين الجدد مثل أحمد والي الذي كتب "أيام العائلة الكبيرة". أحمد والي كتب أكثر من عمل بين الرواية والقصة قبل هذه الرواية. لكن كم منا قرأ له؟ كم مرة ظهر في الصحف الكبرى؟

الإجابة: نادراً جداً.

هناك نقاد برعوا على البطل في المنيا، مثل محمد على البطل. لكنهم يبقون "نقاد أقاليم"، عباراتهم تُقرأ محلياً ولا تصل للإعلام الثقافي الموثوق.

صرخة في الصحراء

مصطفى علي الهلباوي في كتابه "في الريف المصري" يسأل السؤال الذي لم نجب عليه: هل تستمع الثقافة العربية للريف أصلاً؟

الإجابة أكثر مرارة مما كنا نتوقع: لا.

الريف موجود في الأدب العربي كـ "موضوع"، لكن صوته غائب. نحن نقرأ عن الريف، لكننا لا نقرأ للريف.


الجزء الخامس: الآثار الحقيقية

ما الذي نفقده؟

حين ينقرض الصوت الأدبي الريفي، نفقد أكثر من مجرد كتب. نفقد:

الذاكرة الثقافية الحية: القرية لها تاريخ، وحكايات، وحكمة شعبية لم تُوثق أبداً في الأدب العربي الرسمي.

المنظور البديل: الكاتب الريفي الحقيقي يكتب بموقف مختلف تماماً عن المدينة. يرى العالم بعيون غير متعبة من صراعات المدينة وتنافسياتها.

الصدق الأدبي: ما يكتبه كاتب المدينة عن الريف عاطفي وبعيد عن الحقيقة. الفلاح عنده إما بطل مظلوم، أو رمز للخصوبة، أو رمز للتخلف. لا أحد يسأل: ماذا يريد الفلاح أن يقول بنفسه؟


الجزء السادس: الوقائع الإحصائية المؤلمة

لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة لتوزيع الكتاب والأدباء جغرافياً في العالم العربي. لكن المؤشرات موجودة:

دور النشر: 95% من دور النشر العربية موجودة في العواصم الكبرى (القاهرة، بيروت، بغداد، دبي).

الجوائز الأدبية: معظم الجوائز الموثوقة والحافزة (مثل جوائز البوكر العربية) يفوز بها كتاب من العواصم.

الترجمة والنشر الدولي: كاتب من الريف لا يُترجم أعماله دولياً بسهولة، لأن الناشرين الأجانب يبحثون عن الأسماء المشهورة والموثوقة، وهي دائماً من القاهرة.


الخاتمة: أين الحل؟

السؤال الذي يجب أن نطرحه الآن

بعد كل هذه الأدلة والوقائع، السؤال لم يعد: "لماذا لا يوجد كتاب عظماء من الريف؟"

السؤال الحقيقي هو: "كم كاتباً ريفياً موهوباً فقدنا لأننا لم نستمعوا إليه؟"

دور الأدب في المستقبل

إذا كنا نريد أن ينقذ الأدب العربي نفسه من المركزية المرضية، يجب أن:

نفتح أبواب الناشرين والمجلات الأدبية للكتاب من الأقاليم دون شروط إضافية.

نعيد نشر أعمال الكتاب الريفيين الذين انقرضوا وتركوا مخطوطات في الكراريس.

ندرّس الأدب الريفي في المدارس والجامعات على قدم المساواة مع أدب المدن.

نعترف بأن الصوت الريفي ليس موضوعاً أدبياً، بل صوت إنساني حقيقي يستحق الإنصات.

الكاتب الأخير في القرية

"الكاتب الأخير في القرية" قد لا يكون موجوداً الآن. أو قد يكون موجوداً لكننا لم نعرفه بعد. رجل أو امرأة، يكتب في حجرة صغيرة في قرية صغيرة، ولا أحد يقرأ ما يكتبه.

لكن إذا ما بقينا صامتين بشأن هذه الظاهرة، فسيكون هناك "كاتب أخير" بالفعل. وبعده، سيكون الصمت.


المراجع والمصادر

[1] الوطن نيوز. (2025، ديسمبر 11). "أدباء الأقاليم ". https://www.elwatannews.com

[2] الوطن نيوز. (2025، ديسمبر 11). "من هم أدباء الأقاليم؟ نظرة على الكتاب خارج العاصمة". المصدر الأصلي.

[3] الدراسة الأكاديمية. "الريف في الرواية العربية". أرشيف أون لاين، 2024.

[4] الهلباوي، مصطفى علي. (2021). في الريف المصري: صرخة في وجه تجاهل الريف المصري. دار الهندي للنشر.

[5] سليم، سماح. (2024). الرواية والخيال الريفي في مصر. جامعة روتجرز. "ذوات ممزقة: الفلاح في الرواية المصرية".

[6] هيراغيت. (2024، أغسطس 12). "الريف مصدر إلهام الشعراء: دراسة في صور الريف في الشعر العربي". https://hiragate.com

[7] المجلة الثقافية. (2024، مارس 18). "تحولات صورة الريف المصري في 5 روايات حديثة". Majalla.com


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot