السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

السبت، 13 ديسمبر 2025

محكمة الورق: حينما تخرج الشخصيات عن صمتها لتُحاكم كاتبها

 هوامش السرد | محكمة الورق: حينما تخرج الشخصيات عن صمتها لتُحاكم كاتبها



بقلم: جمال عسكر

هناك لحظة لا يعترف بها كثير من الكُتّاب، لا لأنها نادرة، بل لأنها مخجلة. هي تلك اللحظة التي تشعر فيها أن الشخصيات التي خلقتها من عدم، باتت "تعرف" ما فعلته بها. أنتَ الذي منحتها أسماءً، وحرمتها من نهاياتٍ سعيدة، وأجبرتها على اتخاذ قراراتٍ حمقاء لم تكن لتتخذها لو تُركت وحيدة، فقط لتخدم "الحبكة".

في "السَرَّاد"، اعتدنا أن نفتح أبواب الحكايات، لكن ماذا لو قررت الحكايات اليوم أن تغلق الباب علينا، وتفتح بدلاً منه... جلسة محاكمة؟


القاعة التي لا ينام فيها الضمير

تخيّل أن الليل قرّر أخيرًا أن يفتح جلسة علنية. ليست في محكمة المدينة، بل في "محكمة الورق". قاعة طويلة سقفها من صفحاتٍ مطوية، وأرضها من مسودّاتٍ ممزّقة، ومقاعدها مصنوعة من فواصل الكتب التي نسيتها بين الصفحات.

وفي صدر القاعة يجلس القاضي: "الضمير السردي"، ذلك الكائن الذي لا ينام، ولا يوقّع على أيّ براءة مجّانية. ثم يُنادى عليك، لا بصفتك مواطنًا، بل بصفتك "كاتبًا".

الشهود: ضحايا "الاستسهال"

حين يُفتح الباب، لا يدخل رجال شرطة، بل يدخل "أبطالك". لا يحملون سكاكين؛ يحملون شيئًا أخطر: التفاصيل.

الشاهد الأول: الخائن قسراً يقف بطل روايتك السابقة، ذلك الذي جعلته يخون حبيبته فجأة، ويسألك بهدوء مرعب: "لماذا جعلتني أخون؟". تحاول التبرير: "الدراما... الإيقاع... ضرورة السرد". لكن الكلمة تموت في حلقك. لأن عينيه لا تسألان عن الفنّ، بل عن العدالة. هو يعلم أنك لم تكن مضطراً، بل كنت تستمتع بالسيطرة، أو ربما استسهلت الحل الدرامي الجاهز.

الشاهد الثاني: الضحكة العابرة تدخل شخصية ثانوية، تلك التي ظهرت في سطرين فقط لتطلق نكتة وتمضي. تمسك صفحة ممزقة وتقول: "كنتُ سأكون صديقًا حقيقيًا للبطل... لماذا جعلتني مجرد نكتة؟". هنا تدرك الحقيقة القاسية: في "محكمة الورق"، لا توجد شخصية ثانوية. كل كائن حبري يمتلك حق الاعتراض على استخدامه كـ "إكسسوار" لتزيين المشهد.


الدليل الأخطر: الشخصية التي لم تكتبها

في منتصف الجلسة، وبعد أن يواجهك "الراوي" بتهمة التخفي خلف الحياد لتمرير أحكامك المسبقة، يُنادى على الشاهد الأخير. إنها الشخصية التي لم تكتبها.

تلك الشخصية التي لمعت في رأسك ليلةً ما ثم استبعدتها، لأنها "معقدة"، لأنها تتطلب بحثًا طويلاً، أو لأنها ستُجبرك على الاعتراف بأن العالم لا ينقسم إلى طيبين وأشرار بهذه السلاسة. تقف أمامك كفكرة كانت ستنقذك من التكرار وتقول: "كنتُ سأجعلك تكتب شيئًا جديدًا... لماذا خفت؟".


الحكم: الوصايا الخمس

هنا تكتشف أن محكمة الورق ليست لجلد الذات، بل لإيقاظها. وعندما يرفع القاضي السردي المطرقة، لا يُنزل عليك عقوبة، بل يعطيك "وصايا" لو التزمت بها، ستتغير كتابتك للأبد :

1. لا تجعل الحبكة تسبق الإنسان؛ دع الإنسان يُربك خطتك أحيانًا.

2. إذا كتبتَ "شريرًا"، فابحث عن جرحه؛ لا لتبرّره، بل لتفهمه.

3. لا تستخدم الهامشيين كديكور؛ كل شخصية تحمل كوناً كاملاً بداخلها.

4. اهرب من الجملة السهلة؛ فهي غالبًا تُخفي سؤالاً صعبًا خفت من مواجهته.

5. اكتب كأن شخصياتك ستقرأك يومًا وتُحاسبك.


كلمة أخيرة من "السَرَّاد"

وأنت تقرأ هذا الآن، قد تشعر ببعض شخصياتك تتحرك خلف كتفك. لا تخف، هذه ليست لعنة. هذه علامة أنك ما زلت حيًا في الكتابة، وأن الورق لم يتحول بعد إلى مقبرةٍ للأفكار السهلة.

الكتابة ليست جمعية خيرية، لكنها ليست ساحة للقتل المجاني أيضاً. الكاتب الذي لا يُحاكم نفسه، سيُحاكمه القراء... ولكن بعد فوات الأوان.


🎙️ مساحة للنقاش

في قصصنا المنشورة هنا مثل "أن تكون أنا" أو "معادلة السقوط الحر"، حاولنا أن نمنح الشخصيات حق الدفاع عن نفسها. والآن دورك أنت: هل سبق وشعرت أثناء الكتابة (أو القراءة) أن الشخصية تمردت على كاتبها؟ وهل تعاطفت مع "الشرير" يوماً ورأيته ضحية لكاتب متعجل؟


(اترك لنا تعليقاً بالأسفل، أو انضم لنقاشنا المفتوح على مجتمع Discord الخاص بالموقع).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot