السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الاثنين، 15 ديسمبر 2025

يومي الذي لا أعرفه

 يومي الذي لا أعرفه

قصص قصيرة | أدب نفسي | سرد معاصر

بقلم جمال عسكر

مقدمة:

يومي الذي لا أعرفه
0:00


في «يومي الذي لا أعرفه» نقرأ قصة قصيرة تنبض بقلق الإنسان المعاصر، حيث يتحوّل الزمن من خلفية صامتة إلى شريك خفي في الصراع الداخلي. قصة أدبية نفسية ترصد لحظة وعي دقيقة، حين يكتشف الإنسان فجأة أن العمر الذي يعيشه لا يشبه العمر الذي يشعر به، وأن الأيام تمضي أسرع من قدرتنا على الإمساك بها.

تغوص القصة في أعماق امرأة تقف عند تخوم السابعة والعشرين، محاصَرة بأسئلة الإنجاز، والانتظار، والخوف من الغد، في سردٍ شاعري رقيق يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تصنع القلق الكبير. نص إنساني هادئ عن صراع الإنسان مع الزمن، وعن الشعور بالاغتراب عن الذات، وعن الرغبة المؤجَّلة في البدء.

تنتمي هذه القصة إلى الأدب النفسي المعاصر والقصص القصيرة ذات البعد الإنساني، حيث اللغة مرآة للداخل، والسرد مساحة للتأمل، لا للإجابات الجاهزة.
قصة تُقرأ ببطء، لأنها تشبه أيامنا… حين لا نعرفها تمامًا، لكننا نعيشها.

 يومي الذي لا أعرفه




القصة: 


لم يكن الخوف هو ما أيقظها ذلك الصباح،

بل إحساسٌ خافت بأن الوقت سبقها بخطوة، وأنها ما زالت عند العتبة، تربط حذاءها ببطء.

فتحت عينيها على ضوء رماديّ يتسلّل من نافذة نصف مغلقة، والساعة تشير إلى السابعة. لم تشعر أن يومًا جديدًا قد بدأ، بل إن يومًا قد تكرّر، بنفس الوجوه، بنفس التعب الهادئ.


كانت، في داخلها، ما تزال في الرابعة والعشرين.

هناك حيث الوقت واسع، والقرارات قابلة للتأجيل دون هلع، وحيث المستقبل وعدٌ أكثر منه سؤالًا. لم تكن تعدّ السنين، أو لعلها كانت تتغافل عنها، كمن يؤجل النظر في مرآة يعرف أنها ستقول الحقيقة كاملة.


في حديثٍ عابر مع إحدى الصديقات، قالت لها ضاحكة، دون قصدٍ للأذى:

— «تخيلت إنك لسه متخرجة، طلعتي قد أخويا الكبير، 27 سنة!»


ابتسمت، لكن شيئًا انتفض في داخلها.

سبعة وعشرون.

رددت الرقم في ذهنها ببطء، كأنها تسمعه لأول مرة. لم يكن الرقم هو ما آلمها، بل المسافة بينه وبين شعورها الداخلي. تساءلت، دون أن تجد جوابًا: أكان ذلك تناسيًا للواقع؟ أم محاولة خفية لعدم تصديقه؟

أدركت أن الإنسان لا يكذب حين يتجاهل الأرقام، بل يحاول فقط أن يخفف ثقل الأسئلة التي تأتي بعدها.


منذ تلك الجملة العابرة، لم يعد العمر تفصيلًا هامشيًا. صار ظلًا يرافقها، لا يهددها، لكنه يذكّرها بأن الزمن يمضي، سواء التفتنا إليه أم لا.


في الطريق إلى العمل، كانت ترى وجوهًا في عمرها، لكنها تشعر أنها تقف خارج دوائرهم. كل واحد يبدو مشغولًا بحياته، كأن لكلٍّ منهم مسارًا واضحًا، أو على الأقل قدرة أفضل على الادّعاء. كانت ترغب في الكلام، في الاعتراف بأنها تائهة بعض الشيء، لكنها لا تجد مساحة آمنة لذلك. متى صار القلق شيئًا نخجل من البوح به؟ ومتى صار الصمت علامة نضج؟


حين تُسأل:

— «عاملة إيه؟»

تجيب بنبرة مدرّبة:

— «الحمد لله… تمام.»

ثم تمضي، ويبقى السؤال معلقًا في صدرها بلا إجابة.


في المساء، تجلس وحدها، تفتح دفترًا اشترته ذات يوم بنية التغيير. تكتب بعناية:

هذا الأسبوع.

هذا الشهر.

هذه السنة.

قبل الثلاثين.


بدت القائمة أمامها مرتّبة ومنضبطة، تشبه تماماً واجهة حياتها الخارجية، لكن كلماتها كانت ساكنة بلا روح. الحبر قد جفّ، والبياض المحيط به يلمع باستفزاز، وكأنه يتحدى قلمها أن يجرؤ على خدش صمته. حينها أدركت أن معضلتها ليست في كثرة الأحلام، بل في ثقل وطأتها؛ فكل حلمٍ يحدق فيها، ويطالبها بأن تكون جاهزة له دفعة واحدة.

تسند رأسها إلى ظهر الكرسي، وتسرح.

هل نحن من نحسب الزمن، أم أن الزمن هو من يحسبنا؟

هل تمرّ الأيام لأننا نعيشها، أم لأنها تجدنا ننتظر؟


لم تكن تخاف من مرور الوقت بقدر ما تخاف من أن تمرّ هي خارجه. أن تستيقظ يومًا وقد صارت ثلاثينية، لا لأن العمر عيب، بل لأن السؤال سيكون أصدق وأقسى: لماذا لم أبدأ حين كان الخوف أخف؟


كانت تنتظر.

لا تعرف ماذا تحديدًا. دافعًا؟ إشارة؟ طمأنينة؟

لكن الزمن لا يمنح الطمأنينة قبل الحركة، ولا يطرق الأبواب المغلقة طويلًا. هو فقط يمضي، بهدوءٍ حاسم، ويتركنا نفاوض أنفسنا على ما فقدناه ونحن واقفون.


تدرك فجأة أن حزنها ليس كسلًا، وأن تشتتها ليس ضعفًا. هناك شيء أعمق، يشبه الحداد على نسخةٍ منها لم تولد بعد. نسخة كانت ستجرؤ أكثر، وتؤجل أقل، وتؤمن أن البداية لا تحتاج إذنًا.


تغلق الدفتر. لا تمزّق الصفحات، ولا تضيف بندًا جديدًا. تكتب فقط، في آخر الصفحة، سطرًا واحدًا بخط أقل انضباطًا من سابقيه:


سأبدأ… حتى لو لم أكن مستعدة.


لا تشعر بانتصار، ولا براحة كاملة. تشعر فقط بشيء يشبه التنفّس بعد طول كتم. ربما لا يكفي هذا السطر ليغيّر الحياة، لكنه يكفي ليغيّر طريقة الوقوف أمامها.


وقبل أن تطفئ النور، يمرّ في خاطرها خاطرٌ أخير:

الزمن لا يأخذنا إلى مكان بعيد،

نحن من نبتعد عن أنفسنا خطوةً خطوة.

وما دام في القلب سؤال،

فما زال في الطريق متسع لخطوة أولى.


عن الكاتب


يكتب لأنه لا يجد وسيلة أخرى لفهم ما يمرّ به الإنسان في صمته الطويل. يميل إلى الأدب النفسي والسرد الإنساني الهادئ، حيث التفاصيل الصغيرة أكثر صدقًا من الأحداث الصاخبة، وحيث اللغة مرآة لما لا يُقال. نصوصه تنحاز إلى الداخل، إلى الأسئلة المؤجَّلة، وإلى لحظات الوعي التي تغيّرنا دون ضجيج. يؤمن أن الكتابة ليست إجابة، بل محاولة صادقة للاقتراب من الذات، ومصالحتها مع الزمن.

خاتمة

ربما انتهت سطور "اليوم الذي لا أعرفه"، لكن التساؤلات التي زرعتها فينا لا تزال تبحث عن إجابة.

في عالم السَرَّاد، نحن نؤمن أن أصعب الغربة هي غربة الروح داخل جسدها، أو غربة الإنسان داخل ذاكرته. إذا تركتك هذه القصة في حالة من التأمل، فلا تقف هنا.. فالمتاهة النفسية لها أبواب أخرى لم تفتحها بعد.

🎙️ مساحة للنقاش:

بين نعمة الذاكرة ولعنة النسيان.. لو استيقظت يوماً لتجد أن "يومك" لا يشبهك، وأن ملامح حياتك غريبة عنك، هل ستحاول استعادة القديم المألوف؟ أم ستعتبرها فرصة لبداية جديدة تماماً؟ (شاركنا في التعليقات: هل تخاف من المجهول، أم من المعلوم الذي لم يعد يعنيك؟)


🚀 لقرّاء هذا النوع من الأدب، نرشح لكم: إذا استهوتك لعبة الذاكرة والهوية، فإن رحلتك في الموقع يجب أن تمر عبر هذه المحطات:

1. للبحث عن الذات: اقرأ قصة "أن تكون أنا"؛ حيث يواجه البطل سؤال الهوية بأقسى صوره: هل نحن من نختار من نكون؟

2. للغموض النفسي والتقني: لا تفوت نوفيلا "انتحال"؛ قصة تأخذك إلى أقصى درجات الشك في الواقع وما نراه عبر الشاشات.

3. للصراع الداخلي: جرب قراءة "معادلة السقوط الحر"؛ حين يتحول العقل نفسه إلى عدو يجب مواجهته.

🔔 لا تكن قارئاً عابراً: الأحاديث العميقة لا تكتمل إلا بوجودك. انضم الآن إلى مجتمع السَرَّاد على Discord  لمناقشة النظريات والرموز الخفية وراء القصص مع الكاتب وقراء نخبة مثلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot