انتحال
نوفيلا قصيرة بقلم جمال عسكر
مقدمة:
في هذه القصة القصيرة التي تنتمي إلى أدب الإثارة النفسية والغموض التقني، يأخذك السرّاد إلى منطقة معتمة من الروح؛ حيث يتقاطع الظلم القديم مع غواية الانتقام، وينفتح بابٌ غير متوقع على عالمٍ تتداخل فيه الهويّة، والذاكرة، واليد الخفية التي تعبث في الخلفية.
هذه ليست مجرد حكاية عن رجل مظلوم…
بل رحلة داخل المتاهة التي يصنعها الشكّ حين يتسلل إلى قلب الإنسان،
ورصدٌ دقيق لتلك اللحظة التي ينطفئ فيها الاسم،
ويولد من رماده ظلّ آخر… أكثر خطورة، وأكثر قدرة على هدم كل شيء.
قصة “انتحال” ليست قراءة عابرة؛
بل تجربة مكثّفة تُمسك بالقارئ من الصفحة الأولى،
وتسحبه إلى العتبة بين الخير والشر،
حيث يتحوّل الدخول إلى النظام…
إلى دخولٍ في أعمق طبقات النفس.
اقرأها ببطء…
وتذكّر أن الحقيقة، مثل الشاشة التي تتوهّج في العتمة،
لا تظهر دفعة واحدة…
بل تتكشّف على مراحل،
وكل مرحلة أشدّ ظلامًا من التي قبلها.
|
| انتحال - نوفيلا قصيرة بقلم جمال عسكر |
القصة:
كانت القاهرة تلك الليلة تشبه صدرًا مكتومًا، لا يقدر على الزفير، والهواء فوق البلكونات يهبّ ببطء كأنه يمرّ على جراح المدينة واحدًا واحدًا.
وفي شقة ضيقة في الطابق السابع، جلس “سليم” أمام حاسوبه، يُشعل سيجارة وينفخ دخانًا يتكسّر في الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة.
لم يكن الليل طويلًا… بل كان هو الطويل، مُثقَلاً بذاكرته كأنها حقيبةٌ لم تُفتح منذ عام.
لم يقصد أن يعود.
هذه العودة كانت أشبه بانزلاق غير محسوب، خطوة تاهت عن طريقها، فسقطت على بابٍ ظن أنه أغلقه منذ زمن.
لكن الأبواب التي تُغلق غصبًا لا تنسى أصحابها.
رفع رأسه قليلًا، تحدّث إلى نفسه بصوتٍ خافت، كأنه يبرر خطيئة لم يرتكبها بعد:
«هو أنا كنت عامل لهم إيه؟… كنت بشيل الشغل على كتافي، وبالآخر قالوا حرامي.»
كانت ذكرى يوم الفصل تمرّ أمامه كصفحة فيديو لا يريد مشاهدتها، ومع ذلك لا يستطيع إيقافها؛
يرى نفسه واقفًا في مكتب المدير، يسمع الاتهام يهبط فوق رأسه كحجر: سرقة… تلاعب… خيانة ثقة.
ويرى نفسه يرفع صوته بارتباك:
«يا باشا أنا بشيل السيستم كله لوحدي… ازّاي أمد إيدي؟!»
لكنه لم يُسمَع.
لم يره أحد.
مجرد موظف سقط من الحسابات، وخرج كمن يُطرد من بيتٍ دخله ضيفًا ثقيلًا.
وبعد أن خرج، لم يتركوه يلتئم.
التهديدات، اللمز، المكالمات التي تُغلق في وجهه، السير الذاتية التي تُرمى جانبًا حين يعرف أصحاب العمل اسمه.
ومع كل رفض، كان شيء في داخله يبهت، كضوء يسقط عليه الغبار.
شدّ السيجارة مرة أخرى، ثم أطفأها بتوتر.
اقترب من لوحة المفاتيح، لم يفكر كثيرًا… أو لعل التفكير كان كثيرًا جدًا حتى ضاع.
كتب اسمه…
ثم كلمة السر.
اليد التي كتبت لم تكن ثابتة، كأن فيها خيانةً للمبادئ التي عاش عليها.
تردّد.
ثم ضغط.
وهنا تغيّر الهواء في الغرفة.
لم يكن مجرد تسجيل دخول… كان بابًا يُفتح على ماضٍ لم يمت.
انطلقت الواجهة كما يعرفها.
كل القوائم، كل الأذونات، كل المسارات والملفات التي كان يحفظها عن ظهر قلب.
الدهشة ضربت صدره، وأحسّ أن وقعها يسمع.
هل من المعقول؟
هل هم بهذه الغفلة؟
أم أن القدر نفسه يختبره؟
اقترب بوجهه من الشاشة، بعينين تسأل أكثر مما ترى.
ما زال مستخدمًا فعّالًا، كأنه لم يُفصل يومًا.
وبينما كان يحاول أن يلتقط أنفاسه، صعد إشعار صغير في أعلى الشاشة، كأنه شرارة سقطت على برميل:
> “معاملة مالية ضخمة قيد التنفيذ.”
ظلّ ينظر إليها.
تحرّكت في داخله طبقات من المشاعر لم يظن أنها ما زالت حيّة.
الخوف… الغضب… الإغواء… والظلم الذي تجمّد في صدره كحجر.
همس، والكلمة تخرج من حلقه كأنها ليست منه:
«هي فرصة… ولا فخ؟»
ثم جاء الصوت الآخر، داخله، الصوت الذي يشبه يدًا على كتفه:
«يا سليم… ده طريق لو مشيت فيه، مش هتعرف ترجع.»
لكن الرسالة تومض.
والأرقام تتحرك.
والضغط على زر واحد يمكنه أن يُعيد إليه شيئًا من حقه… أو هكذا يقنع نفسه.
وفي تلك اللحظة — لحظة بين نفَسَين — شعر سليم كأن هناك شيئًا خلفه يراقبه…
ليس إنسانًا… إنما قدرًا يكتب، وينتظر منه كلمة ليخطّ السطر التالي.
كان يعرف — من قلبه — أن النهاية لن تكون كما يتخيلها.
وأن الطريق الذي انفتح أمامه الآن… ليس طريقًا يعود منه الجميع.
"ظل الاتهام"
لم يكن سليم ينظر إلى الشاشة فقط، كان ينظر إلى نفسه كما تركها آخر مرة… مكسورًا، يتدلّى من روحه خيطٌ رفيع من كرامة جريحة.
ومع كل سطر يظهر أمامه في النظام، كانت ذاكرة ذلك اليوم تنفلت، كأن الظلام ذاته يدفعها إلى السطح.
لم يرد أن يتذكر، لكنه لم يملك أن ينسى.
💮💮💮
في صباح ذلك اليوم، كان يمسك كوب القهوة بيده اليمنى، ويعدّل نظارته بيده اليسرى، كعادته حين يستعد ليوم طويل من إصلاح العطب في سيرفرات الشركة.
لكن الغريب… أن أحدًا لم ينظر إليه نظرة طبيعية.
العيون كانت تتحاشاه، ثم تتصادم به سريعًا، كما لو كان دخانًا يزعجهم.
وحين وصل إلى مكتب المدير، وجد الباب مفتوحًا أكثر مما ينبغي… والوجوه باردة أكثر مما يستطيع احتمالُه.
قال المدير، بصوتٍ لم يرَ فيه يومًا سوى الغطرسة:
«اتفضل يا سليم… عندنا مشكلة كبيرة.»
جلس، ثم همس بارتباك:
«خير يا باشا؟»
فجاءت الجملة التي هدمت عامًا كاملًا من الجهد، في ثوانٍ:
«في معاملات مالية متحوّلة غلط… وعندنا دليل إنك أنت اللي لعبت فيها.»
شعر وقتها أن الأرض انكمشت تحت قدميه.
فتح فمه لينطق، لكن الكلمات لم تخرج.
كيف يوصل الحقيقة لرجل لم يمنحه يومًا نظرة ثقة؟
قال أخيرًا، بصوت خرج مبحوحًا من مكان غير مكانه:
«أنا…؟! يا باشا أنا ما بمدّش إيدي، ولا أعرف أعمل حاجة زي دي… ده شغلي وسمعتي!»
ضحك أحد الموجودين — ضحكة قصيرة جارحة — ثم قال:
«ما هو كلهم بيقولوا كده قبل ما يتكشفوا.»
تلك الجملة ظلت محفورة في جدار رأسه، كلما حاول أن ينام.
ثم حدث شيء لم يفهمه سليم إلى اليوم:
المدير لم يعرض عليه أي دليل.
لم يُظهر تقريرًا، أو لوج دخول، أو حركة نظام.
اكتفى بملف مغلق على مكتبه، لم يفتحه، فقط ظلّ يضع يده فوقه كما يضع القاضي يده فوق حكم جاهز.
خرج سليم يومها من المكتب دون أن يرى ورقة واحدة، دون أن يسمع حتى رقم المعاملة التي اتهموه بها.
كأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة فقط…
كأن الاتهام لم يكن نتيجة، بل كان نيّة.
عاد إلى الحاضر فجأة، حين اهتزت أيقونة صغيرة في زاوية الشاشة القديمة أمامه.
ومع الاهتزاز، ارتجف قلبه كأن ضربة يدٍ سقطت عليه من ذِكرى.
لماذا يتذكر كل شيء الآن؟
لماذا يظهر الألم كأنه كان مختبئًا في الهواء؟
ولماذا يشعر، وهو ينظر إلى تلك الصلاحيات المفتوحة، أن يوم الاتهام كان فيه شيء ناقص… شيء لم يفهمه بعد؟
مسح سليم عرقًا ظهر فوق جبينه، رغم برودة الليل.
كان هناك سؤال يتضخم في صدره، يعلو فوق كل غضب وكل مظلومية:
هل كان الاتهام كذبة… أم كان فخًا؟
وهل تركوا حسابه مفتوحًا… سهوًا؟
أم قصدًا؟
وبينما السؤال يتكوّر في داخله ككتلة نار، تذكّر لحظة أخيرة غريبة وقعت يوم فصله…
لحظة لم يروها أحد… ولم يفهمها هو نفسه.
ولم يدرك أن تلك اللحظة — بالذات — ستكون المفتاح الذي يقود إلى النهاية التي لم يفكر بها أحد.
"الإغواء الأخطر"
لم يتحرك سليم من مكانه.
ظلّ جالسًا أمام الشاشة كما يجلس رجل على طرف مقصلة، يعرف أن حركة بسيطة قد تُنزل النصل على عنقه… أو تُبعده عنه إلى الأبد.
المعاملة البنكية كانت تتوهّج على الشاشة ببرودة لا ترحم.
سطرٌ يتحرك… أرقام… عنوان بنك… حساب مستفيد…
كل شيء واضح، ومكشوف، وقريب من يده قربًا خطيرًا.
كانت ضغطة زر واحدة يمكن أن تغيّر مصير المال.
والأدهى… أنها لم تكن ضغطة في الظلام، بل ضغطة يراها هو وحده؛
لا شهود، لا كاميرات، لا أثر إلا في ذاكرته.
مدّ يده نحو الفأرة، ثم أعادها فورًا، كأن شرارة لسعت جلده.
«إنت بتعمل إيه…؟»
قالها بصوت منخفض، لكنه لم يكن يسأل الشاشة. كان يسأل نفسه.
💮💮💮
غاص ضوء النافذة قليلاً، والليل ازداد ثِقَلًا.
وظلّ في داخله صوت يتنمّر، يعلو كلما حاول أن يخمده:
«هما رمّوك في الشارع، ورّموك بسمعة مش بتاعتك…
سيبك من الطيبة… الطيبة هي اللي كسّرتك.»
وكان في الصوت قسوةٌ لم يسمعها منذ زمن، قسوة تخرج من مكان في داخله يشبه غرفة قديمة لا يدخلها أحد.
لكن في ركن آخر من روحه — ركن أضعف، لكنه ما زال حيًّا — كان هناك صوت يرتجف:
«يا سليم… لو عملتها، هتبقى زيّهم…
وظلمك مش هيتصلّح بظلم غيرك.»
أغمض عينيه لحظة، كأن العتمة الداخلية أوضح من عتمة الغرفة.
ثم فتحهما… على الوميض.
أيقونة صغيرة في الزاوية السفلية للشاشة بدأت تومض…
وميض متكرر، كأنه نبض قلب في سباق.
لم يكن وميض النظام العادي.
كان رمزًا غريبًا: دائرة صغيرة، داخلها خطّ أحمر قصير… خطّ لم يره حين كان يعمل في الشركة.
انقبض صدره.
ضغط عليها… بتردّد.
فانفتح ملف، يحمل اسمًا مقتضبًا:
“Session Log – Restricted”
(سجل الجلسات — مقيّد)
كيف يظهر له كمستخدم؟
هو يعلم جيدًا أن هذا النوع من السجلات لا يراه إلا أعلى مستوى إداري… أو شخص تمت ترقيته ولم يُعلن عنه.
فتح الملف…
وانكمش قلبه كما ينكمش الجلد أمام النار.
ظهر اسمه.
ظهر تاريخ دخوله…
لكن الغريب ليس ذلك.
الغريب… أن هناك جلسة دخول باسمه، قبل شهرين من فصله… في وقتٍ كان فيه في المستشفى مع أمه المريضة.
لم يدخل هو ذلك اليوم.
لم يلمس الجهاز أصلًا.
ظهر أمامه السطر كما لو كان صفعة من ماضٍ لم يفهمه:
User: S.Saleem — Login Time: 3:21 AM — Privilege Level: Full Access
مستخدم: س. سليم — وقت الدخول 3:21 صباحًا — صلاحيات كاملة.
الساعة الثالثة فجرًا…
اليوم ذاته الذي اتهموه فيه بالتلاعب بالمعاملات.
الرعب دبّ في أطرافه، لا كخوف من عقوبة… بل خوف من الحقيقة.
«ده مش أنا…
مش يومها…
مش يومها…!»
قالها بصوت مكسور، كأن الكلمات نفسها تحاول أن تهرب من حلقه.
💮💮💮
ثم عاد نظره إلى المعاملة البنكية التي تقترب من نقطة التحويل.
حينها، أدرك أن المسألة ليست مجرد فرصة انتقام.
هناك يدٌ أخرى…
يد كانت في النظام قبله…
يد أتقنت انتحال اسمه…
يد ربما تركت الحساب مفتوحًا عامدة، كأنها تدعوه ليمد يده إلى الفخ بنفسه.
والسؤال الذي نهش صدره لم يكن عن المال…
ولا عن الظلم…
بل عن شيء أخطر:
هل كانوا يريدون التخلص منه…
أم كانوا يريدون استبداله؟
أم كانوا ينتظرون منه أن يقع في الخطأ الذي لم يرتكبه؟
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط:
أن هناك من كان يلعب باسمه من قبل…
وربما… يلعب به الآن.
وبينما المعاملة البنكية تستعد للعبور الأخير…
وبينما الظلام في الغرفة يتحرك كظل له شكل…
شعر سليم أنه لم يعد مجرد رجل يبحث عن حقه.
لقد أصبح رجلًا… يبحث عن الحقيقة.
وما كان ينتظره على الجانب الآخر من تلك الحقيقة، لم يكن خيرًا… ولا شرًا…
بل شيئًا ثالثًا… أكثر غموضًا، وأكثر خطورة.
✨ المشهد الرابع — "سقوط القناع"
كان الصمت في الغرفة كثيفًا، كأنه مادة يمكن لمسها.
وسليم ما زال أحدق في سجل الدخول، في تلك السطور التي تحمل اسمه دون أن تحمل يده.
شعر لحظتها بشيء يشبه الخيانة…
ليس خيانة الشركة له، بل خيانة قريبة، لاصقة بالضمير، قادرة على كسر الرجل أكثر مما كسره الاتهام ذاته.
«مين اللي دخل باسمي؟
وليه؟»
قالها لنفسه وهو ينهض من على الكرسي بخطوة مضطربة.
مشَى نحو النافذة، فتحها قليلًا، فتسلّل هواء بارد، لكنه لم يخفف حرّ صدره.
كان الليل خارج الشرفة أكثر هدوءًا من داخله… وهذا وحده كان مخيفًا.
عاد إلى الشاشة.
فتح السجل مرة أخرى، مرّر عينه على الأسطر…
وفجأة لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه قبلًا:
هناك جلسة دخول أخرى
بالصلاحيات الكاملة…
تمّت بعد فصله بأسبوعين.
جلس.
ثم اقترب من الشاشة كأن الكلمات تهرب منه.
User: S.Saleem — Login Time: 11:09 PM — Full Access
تاريخ الجلسة كان بعد رحيله بزمن لا يسمح بأي احتمال لسوء الفهم.
ارتجفت يده.
لم يكن وحده الضحية.
كان هناك من يستخدم صورته… وكأن وجوده لم يكن وظيفة، بل كان غطاءً.
💮💮💮
فجأة…
ظهر إشعار داخل النظام—ليس من البنك، ولا من المعاملات—بل من لوحة الإدارة العليا نفسها، تلك التي لا يظهر إشعارها إلا لمن يملك السيطرة الكاملة:
“Admin Override Detected”
تمّ رصد تجاوز إداري.
تجمّد سليم.
العبارة لمعَت على الشاشة كأن أحدًا في الظلام يفتح مصباحًا صغيرًا في وجهه.
ضغط عليها.
فانفتحت صفحة سوداء، تخلو من الواجهة التقليدية…
شريط واحد في الأعلى، وسطر واحد في الأسفل انتظارًا للأوامر.
لم يفهم.
هو لم يبرمج هذه الصفحة قط.
ولم يرها خلال سنوات عمله.
وبينما يحاول استيعاب ما يرى…
بدأ السطر العلوي يكتب من تلقاء نفسه:
“Session Active: Unknown User”
جلسة نشطة: مستخدم غير معروف.
تقلّصت بشرة ذراعيه كمن لامسته ريحٌ جاءت من مكانٍ لا يُرى.
في اللحظة ذاتها، بدأ مؤشر الماوس يتحرك بدون أن يلمسه.
تحرك ببطء، ببرود…
ثم فتح ملفًا أخفى اسمه النظام لحظة واحدة… قبل أن يظهر:
“HR — Dismissal Report – S. Saleem”
(تقرير الفصل — س. سليم)
ابتلع سليم ريقه.
فتح الملف.
كانت الصفحة الأولى عبارة عن سطور تقرير جاف، موقَّع، يحمل اتهامات باهتة…
لكن الصفحة الثانية…
كانت هي الصفعة التي لم يكن مستعدًا لها.
صورة شاشة (Screenshot) من يوم الاتهام.
شاشة تظهر المعاملة البنكية موضع الاتهام…
وبجوارها نافذة صغيرة تحمل عنوانًا لا يُرى إلا لمن كان يقف خلفه ذلك اليوم:
“Remote Session — Supervisor Mode”
جلسة تحكّم عن بعد — وضع المراقب.
في الصورة ظهر سهم الفأرة…
لكن لم يكن على جهاز سليم.
كان على جهاز آخر…
جهاز كان يتحكم في شاشته من الخلف…
ويكتب التحويلات…
ويغلق النوافذ…
ويترك أثرًا باسمه.
في زاوية الصورة… لمعَ اسم المستخدم الحقيقي:
“Admin2 — A. K…”
لم يكمل الاسم.
لم يحتج أن يكمله.
فالحروف التي ظهرت كانت كافية لأن تفتح في صدره بابًا إلى الحقيقة.
اسم الموظف الذي كان يعمل معه، الشخص الذي طالما بدا مبتسمًا، بارد الأعصاب، لا يرفع عينه عن الشاشة…
الذي كان يدخل قبله ويخرج بعده…
والذي لم يكن أحد يعرف صلاحياته الحقيقية.
سقط شيء داخله.
ليس سقوطًا صاخبًا…
بل سقوط يشبه تهشم روحٍ على أرض صمّاء.
💮💮💮
والآن، لم تعد المعاملة البنكية مجرد فرصة انتقام.
لم تعد مجرد ضغطة زر.
لقد صارت شظية من لعبة أكبر منه…
وعرف أخيرًا أن الشركة لم تتهمه عبثًا…
بل كانوا يسعون لإخفاء شيء…
شيء قام به أحدهم على حسابه…
شيء أرادوا دفنه معه.
ومن بعيد…
من أعماق النظام…
ظهر إشعار جديد، بلون أحمر كالدم:
“User: Admin2 is now online.”
المستخدم: المشرف ٢ متصل الآن.
وتحتها مباشرة:
“Do not close this session.”
لا تقم بإغلاق الجلسة.
تراجع سليم في كرسيه، وشعر كأن أحدًا يمد يده من داخل الشاشة.
لم يكن يعرف ماذا ينتظره…
لكن ما يعرفه جيدًا هو أن القناع… سقط.
ولم يعد في الحكاية إلا وجه الحقيقة العارية.
وهكذا ينتهي الجزء الأول من القصة، حيث تتشابك الخيوط بين الحقيقة والزيف، ويظل السؤال معلّقًا: كيف يكون المخرج من هذه الورطة؟
إقرأ الجزء الثاني من القصة على موقعنا السراد، حيث تتكشف الأسرار وتتصاعد الأحداث في مواجهة لا مفر منها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق