السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

انتحال "الجزء الثانى"

 انتحال "الجزء الثانى"

نوفيلا قصيرة بقلم جمال عسكر

الجزء الاول هنا

قصة انتحال الجزء الثانى


✨ الفصل الخامس — “العين الثالثة” 


لم يحرّك سليم إصبعه بعد ظهور الإشعار الأخير:

“Do not close this session.”

بقي ضوء العبارة يلمع في الظلام، كأنه عين مفتوحة لا ترمش.

ومع كل خفقة منها، كان يشعر أن شيئًا مجهولًا يتربص به من وراء الشاشة،

شيئًا لا يخص الشركة… ولا يخصه هو… ولا حتى Admin2.


ظلّ جالسًا، لا يجرؤ على لمس الفأرة، ولا على إغلاق الغطاء.

كان الخوف قد فقد صوته، لكن أثره بقي يسري في جسده كتيار بارد،

حتى تقلّصت بشرة ذراعيه كمن لامسته ريح جاءت من مكان لا يُرى.


لم يعرف كم مضى من الوقت.

ثوانٍ؟ دقائق؟

كل ما يعرفه أن الضوء الأزرق بدأ ينسحب ببطء من شاشة اللابتوب،

كأنها تفقد نبضها… ثم انطفأت فجأة.


لم يلمسها.

انطفأت وحدها.


جلس في الظلام، يسمع أنفاسه تتلاطم، وتتحرك داخله موجة أسئلة لا تجد شاطئًا.


وفي الخامسة فجرًا — حين بدأ خيط رمادي يتسلل عبر الستارة —

اهتزّ هاتفه، اهتزازًا خافتًا لكنه عنيدًا، كأنه أراد أن يكون الامتداد الطبيعي لذلك الإشعار الأخير على الشاشة.


فتح الهاتف بتردد.

لم يكن الإشعار من تطبيق حديث، بل من خدمة بريد قديم لم يستخدمها منذ سنته الأولى في الشركة.

عنوان الرسالة:


“لستَ وحدك في النظام.”


لم يكن هذا عنوانًا عاديًا.

كان كأنه يُكمّل الجملة التي لم تُنطق في الليلة السابقة.


فتح الرسالة.


ظهر أمامه ملف واحد، صورة شاشة قديمة، رمادية الحواف، مأخوذة من داخل النظام، لكنها ليست من حسابه… ولا من حساب Admin2.


زاوية الشاشة كان فيها اسم غريب:

RootGhost

صلاحياته:

Access: Above Admin2


لم يشعر سليم بألم أو خوف…

بل بشيء يشبه سقوط الحقيقة دفعة واحدة فوق صدره.

هو لم يكن يواجه شخصًا واحدًا يسرق اسمه،

ولا مديرًا يريد التخلص منه،

ولا “مشرفًا” يتلاعب من خلف الستار.


بل كان هناك عين ثالثة…

أقدم من الجميع.

وأعلى من الجميع.

تراقبهم… كأنها الشبح الذي يتجوّل بين الملفات دون أن يراه أحد.


تحت الصورة، وُجد سطر واحد فقط، مكتوب بخطّ مختصر:


“ما تراه ليس البداية…

احتفظ بهذه.”


لا اسم.

لا تاريخ إرسال.

لا توقيع.


وكأن الرسالة خرجت من زمن آخر، أو من مكان لا يخضع لسجلات الشركة.


جلس سليم على السرير، يحدّق في الهاتف،

وتنفتح في داخله فجوة أكبر من الخوف… فجوة وعي.


كان يظن أنه ضحية… ثم صار يظن أنه جزء من لعبة.

لكن الآن…

بات يدرك أن هناك من كان يرى كل شيء،

ويراقب الكل،

ويكتب السيناريو من مكان أعلى.


فهم فجأة أن ما حدث في الليلة الماضية…

لم يكن مواجهة ثنائية.

ولا حتى صراعًا بين طرفين.


بل كان مثلثًا معتمًا:

هو…

وAdmin2…

وRootGhost.


ثلاث طبقات فوق بعضها،

كل طبقة تظن أنها تعرف أكثر من التي تحتها…

إلا هو.

كان أعمى الوسط.


ارتفع الصباح، ووقفت الشمس عند حافة النافذة،

لكن النور كان أبرد من الليل.


وبينما كان يحدّق في الشاشة السوداء للهاتف،

طرق الباب بقوة.


لم ينتظر.

لم يتوقع.

لكنّه كان يعلم — قبل أن يفتحه —

أن ما سيبدأ الآن

ليس استجوابًا…

ولا محاسبة…

بل فصلًا جديدًا من المتاهة.


متاهة لها عين ثالثة.

عين لا تغفو.

ولا تُعرّف نفسها.

ولا تظهر إلا حين يشتد الظلام.


✨ المشهد السادس — “تحت الضوء… ظلّ آخر”


لم ينسَ سليم ذلك الوميض الأخير قبل أن تنطفئ شاشة اللابتوب.

وميضٌ لم يكن إشعارًا… بل كأن عينًا قد أُغلقت عمدًا أمامه،

لتعود وتفتَح نفسها من مكان آخر.


حين طرق الباب في الصباح،

لم يشعر سليم بأنه يُستَدعى للتحقيق،

بل كأن الباب يُعاد فتحه ليُكمِل الليل ما بدأه عند الفجر.


دخل الرجلان بوجوه متعبة،

وجلسا بصمتٍ يشبه وقار الشاهد لا غضب المحقق.

لم يسألاه شيئًا.

وضع أحدهما حاسوبًا نحيلًا على الطاولة،

وضغط زرًا،

فانسكب الضوء الأزرق على الغرفة… الضوء ذاته الذي خاف منه الليل السابق.


ظهر سجل دخول طويل، يهبط كخيطٍ لا نهاية له.

أسماء… تواريخ… أماكن…

لكن السطر الذي توقّف عنده الضابط كان واحدًا:

RootGhost — Active.


قال الضابط بصوتٍ لا يريد أن يكون واثقًا:

«الليلة دي… كان موجود.

وكان بيتحرّك.»


لم يجب سليم.

كان في داخله صوت آخر،

أعمق من الخوف،

وأرَقّ من الذنب،

وأقرب إلى نبضٍ يُحاول أن يتذكّر شيئًا منسيًّا.


مرّر الضابط إصبعه على الشاشة.

فانفتح ملف غامض،

بلا تاريخ،

بلا مالك،

يحمل اسمًا بسيطًا:


“Observation – Zero.”


فتح الملف.

فانفجرت وسط الصفحة صورة قديمة…

قديمة جدًا.

صورة مأخوذة من داخل النظام قبل أن يُوظَّف سليم.

لكن الغريب…

ليس تاريخها،

ولا محتويها،

بل السطر الذي ظهر تحتها:


Selected: S. Saleem

مختار: س. سليـم.


أحسّ سليم بثقلٍ يجذبه من صدره إلى الخلف،

كأن الحقيقة ليست شيئًا يراه…

بل حفرة يهبط فيها ببطء.


هو لم يُتهم ظلمًا فقط.

بل وُضع في الطريق من البداية دون أن يعرف.

كُتِب اسمه قبل أن يدخل المكتب الأول…

قبل أوّل يوم…

وقبل أوّل كلمة سر.


قال الضابط، بصوتٍ أقرب للهمس منه للسؤال:

«حدّ اختارك.

قبل ما حدّ يشوفك.»


تلاشت الجملة في صدر سليم،

وانفتحت داخله مساحة صامتة،

مساحة تشبه دهشة من يكتشف أن حياته كانت مجرّد ملحوظة في ملفّ لا يعرفه.


انفتح الهاتف فجأة.

رسالة جديدة، بلا عنوان، بلا مرسل، بلا توقيع.

مجرد جملة تتكرّر، كأنها تتنفّس:


“ما زلتُ هنا.”


لم يعرف إن كان يشعر بالخطر…

أم باليقين…

أم بأن هناك شيئًا ما ينتظر الجملة التالية.


رفع الضابط رأسه وسأله:

«لسه معانا، يا سليم؟»


نظر سليم إليه،

ثم إلى الحاسوب،

ثم إلى الرسالة التي تتوهج.

وكان في عينيه شيء لم يكن فيهما من قبل…

شيء لا هو انهيار…

ولا هو شجاعة…

بل شيء ثالث…

يشبه التسليم بأن الحقيقة أوسع من أن تُحكى… وأعمق من أن تُحَلّ.


قال بهدوء يمشي على حافة الذعر:

«أنا… جوا اللعبة من زمان.

هكمل.»


لم يبتسم الرجلان.

لم يعلّقا.

كان الصمت وحده يفهم.


وحين خرج سليم من الغرفة،

لم يشعر بأنه خرج إلى ممرّ عادي…

بل كأنه خرج إلى شبكة أخرى،

ممدودة بين الظلال،

مكانها لا يُرى…

لكن أثرها كان يعبر جلده،

يمرّ فوقه كما تمرّ ريح لا يعرف من أين جاءت.


توقّف عند النافذة الصغيرة آخر الممر،

نظر إلى الضوء الساقط…

وشعر — بوضوح مُخيف —

أن خلف الضوء ظلًّا آخر…

ظلًّا لا يُشبهه…

ولا يُشبه RootGhost…

بل يُشبه شيئًا كان ينظر إليه منذ البداية.


رنّ الهاتف مرة أخرى.

نغمة قصيرة…

مقطوعة…

إشارة لا تكمل نفسها.


فتح الرسالة.


سطر واحد.

هذه المرة بلا حروف كثيرة…

لكن بحرف واحد

يكفي ليفتح بابًا لا يُغلق:


“0”


الصفر.


البداية.

النقطة التي تبدأ منها كل خوارزمية…

وتنتهي إليها كل الدوائر.


أغلق سليم الهاتف ببطء…

ومشى.


لم يعرف إلى أين.

لكن الخطوة الأولى كانت واضحة:


هو الآن… ليس عنصرًا في ملف.

ولا ضحية في قضية.

ولا رقمًا في نظام.


لقد صار جزءًا من “الصفر”…

من أصل اللعبة.


ومن يعرف الأصل…

لا يعود كما كان.

 “حين يعود الصفر إلى مكانه”


في الأسابيع التالية، لم يحدّث سليم أحدًا عمّا رآه،

ولا عن تلك الرسائل التي كانت تظهر وتختفي كأن بين وصولها ورحيلها نفسًا واحدًا.

لم يحاول ملاحقة “RootGhost”…

ولا أراد أن يعرف اسمه الحقيقي،

ولا من أين بدأ…

ولا لماذا اختاره هو دون سواه.


اكتفى بأن أغلق كل الأبواب التي تُفتح بغير إذنه،

وتعلّم أن الحقيقة — مثل الأنظمة المعقّدة — لا تُفهم دفعة واحدة،

بل تُفكّ عقدها ببطء… عقدة بعد عقدة،

حتى لا يبقى إلا خيط واحد…

خيط لا ينقطع.


وفي مساءٍ هادئ، جلس أمام نافذته،

ينظر إلى أضواء المدينة التي تلمع تحت المطر.

لم يفكر في النظام، ولا في الشركة، ولا في الظلم الأول.

فهو يعرف الآن أن ما حدث له

لم يكن حادثة…

ولا مؤامرة…

بل مرحلة من شيء أكبر، لا يُسمّى، ولا يُمسَك،

يمرّ بين الناس كما تمرّ الريح في شقوق البيوت.


ابتسم ابتسامة صغيرة،

ثم أغلق هاتفه،

ووضعه على الطاولة،

وقال في سرّه:


«لكل نظام قلبٌ خفيّ…

ولكل قلبٍ خفيّ عينٌ ترى ما لا نراه.

وما دمتُ قد رأيتها مرة…

فلن أخاف منها ثانية.»


ثم نهض،

وأطفأ الضوء،

وترك الغرفة تستعيد صمتها.


وهكذا…

عادت الدائرة إلى الصفر،

وعاد الصفر إلى مكانه،

وبقي سليم يمشي في العالم

وقد عرف شيئًا لا يحتاج أن يقوله لأحد.


شيئًا يكفي وحده…

لتنتهي الحكاية.


                                                                    ⏠⏡⏠⏡

السراد الأدبى. الكاتب جمال عسكر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot