كيف يكتب اللاوعي رواياتنا قبل أن نمسك القلم
المقدمة:
هل تساءلت يوماً لماذا تكتب شخصيات روايتك حواراً لم تخطط له؟ أو لماذا تتدفق مشاهد كاملة على الورق وكأن يداً خفية تحرك قلمك؟ الإجابة تكمن في أعماقك، حيث يسكن السارد الخفي: اللاوعي الإبداعي الذي يخزن كل ما قرأته وعشته وشعرت به عبر السنين.
في هوامش السرد، نستكشف اليوم واحدة من أعمق أسرار الكتابة الروائية والقصصية: كيف يعمل اللاوعي كشريك خفي في العملية الإبداعية. من نجيب محفوظ الذي كان يكتب أحلامه كل صباح، إلى فرجينيا وولف التي أسست لتقنية تيار الوعي، وصولاً إلى غارسيا ماركيز الذي استدعى الواقعية السحرية من لا وعي شعبه ؛ كل هؤلاء العمالقة فهموا سراً واحداً: الكتابة العظيمة لا تأتي من التخطيط الواعي وحده، بل من الحوار العميق بين الوعي واللاوعي.
في هذا المقال الحصري على السَرَّاد الأدبي، ستتعلم:
- كيف استثمر كبار الأدباء العرب والعالميين لا وعيهم الإبداعي
- أربع تقنيات عملية لإيقاظ ساردك الخفي وتطوير كتابتك الروائية
- الفرق بين العفوية الإبداعية والكليشيهات المخبأة في اللاوعي
- تمرين تطبيقي فوري يمكنك ممارسته الآن لاستدعاء قصصك الدفينة
سواء كنت روائياً مبتدئاً تبحث عن صوتك السردي، أو قاصاً محترفاً يريد تعميق تجربته الإبداعية، أو قارئاً شغوفاً يرغب في فهم ما وراء النصوص العظيمة؛ هذا المقال سيفتح أمامك أبواباً جديدة في عالم السرد الأدبي المعاصر.
استعد لاكتشاف الكاتب الآخر داخلك... ذلك الذي كان يكتب طوال الوقت دون أن تدري.
في غرفة مظلمة بالقاهرة، جلس نجيب محفوظ أمام دفتره كعادته كل صباح، يسجل ما علق بذاكرته من أحلام الليلة الماضية. لم يكن يعلم حينها أن هذه الطقوس ستتحول إلى كتاب كامل بعنوان "أحلام فترة النقاهة". في تلك اللحظة، لم يكن محفوظ يكتب بوعيه الكامل، بل كان يترجم همسات عالم خفي يسكن أعماقه؛ عالم اللاوعي الذي يخزن كل ما عاشه وقرأه وشعر به دون أن يدري.
عندما يتحول اللاوعي إلى حبر
اللاوعي ليس مجرد مفهوم فلسفي مجرد، بل هو المخزون السري الذي يُغذي كل عمل إبداعي عظيم. قال محفوظ ذات مرة: "الكاتب يعبر عن نفسه وليست هناك خطة يمكن أن يفرق فيها بين الوعي واللاوعي... أين الوعي واللاوعي في ذلك كله؟ لا أدري". هذا الاعتراف الصادق من عميد الرواية العربية يكشف السر الأعمق للكتابة: نحن لا نكتب فقط بما نعرف، بل بما لا نعرف أننا نعرفه.
في الأدب العالمي، استطاعت فرجينيا وولف أن تجعل من اللاوعي بطلاً روائياً في حد ذاته. في روايتها "مسز دالواي"، سرّبت وولف "بلاغتها الغنائية في تيار وعي الشخصيات دون أن يكون ذلك واضحاً". كانت تكتب الألم وتعيش الصمت، لكنها رسمت روحها بدقة متناهية عبر "مجموعات هجينة من نفسيات وفلسفات وأفكار، لتداعي وعيها ولا وعيها". هذه التقنية السردية التي أسست لها وولف ومعاصروها مثل جيمس جويس ومارسيل بروست، حولت الرواية من مجرد حكاية خارجية إلى استكشاف عميق للعوالم الداخلية.
أما في أمريكا اللاتينية، فقد استثمر غابرييل غارسيا ماركيز اللاوعي الجمعي لشعوب أمريكا اللاتينية في روايته الأسطورية "مئة عام من العزلة". لم يكن ماركيز يختلق العجائب، بل كان يستدعي ما يسكن في لا وعي ثقافته الشعبية؛ حيث الموتى يعودون، والفراشات تتبع العشاق، والمطر لا يتوقف لسنوات. هذا هو اللاوعي الجمعي الذي تحدث عنه كارل يونغ: إرث مشترك للبشرية يشتمل على المخاوف الأولى والرموز المتوارثة.
كيف يعمل السارد الخفي؟
اللاوعي يعمل كأرشيف حي لا يُمحى. كل كتاب قرأته في طفولتك، كل محادثة سمعتها في الطريق، كل مشهد عابر التقطته عيناك وأنت شارد الذهن؛ كل هذا مُخزّن في طبقات عميقة من ذاكرتك. وعندما تجلس للكتابة، تتدفق هذه العناصر بشكل عفوي دون تخطيط واعٍ.
يوسف إدريس، أحد أعظم كتّاب القصة القصيرة العرب، كان يخشى من إعادة كتابة قصصه لأنه كان يعلم أن "تدخل الوعي قد يصبح العمل عملاً آخر". كان إدريس يسمي هذه الحالة "تغير التوهج العقلي"؛ ذلك المزيج السحري الغامض من الوعي واللاوعي في الكتابة. فهو كان يكتب قصصه مثل "لعبة البيت" مستخدماً تقنيات متقدمة من "الرمزية، التوازي بين العوالم الواقعية والخيالية، والتوتر النفسي" ، وكل هذا كان ينبع من حالة إبداعية لا تخضع للتخطيط المنطقي الصارم.
على الجانب الآخر من المحيط، كان إرنست همنغواي يمارس طقساً مختلفاً تماماً. كان يكتب واقفاً أمام مكتبه المرتفع، مستخدماً "أسلوب الحذف والإلغاء" أو ما يُعرف بـ"منهج رأس جبل الجليد". كان يحذف كل شيء ويترك للقارئ مهمة استنباط المعاني الخفية. هذا الأسلوب المقتضب لم يكن تقنية واعية فقط، بل كان نتاج لا وعي همنغواي الذي تشكّل عبر تجاربه في الحرب والصحافة والترحال.
عندما يخون اللاوعي الكاتب
لكن اللاوعي ليس دائماً صديقاً موثوقاً. فهو يحمل أيضاً الكليشيهات المخبأة، الصور النمطية، والأفكار المكررة التي تسربت إليه عبر السنين . الكاتب الروسي نيقولاي غوغول عاش تجربة مريرة مع لا وعيه. في مسرحيته الشهيرة "المفتش العام" سخر بشدة من فساد النظام البيروقراطي في عهد القيصر، لكن لا وعيه كان يسخر منه هو نفسه؛ إذ كان غوغول يعتقد أنه يكتب عملاً إصلاحياً، بينما كان لا وعيه يفضح تناقضاته الداخلية.
هنا تكمن المعادلة الصعبة: كيف نستفيد من عفوية اللاوعي دون أن نقع في فخاخه؟ الإجابة تكمن في التوازن. يقول النقاد: "كل عمل أدبي وفني هو ثمرة اشتباك بين عالمين، ومستويين من العقل، اشتباك قد يبادر به الوعي ثم يمضي ليتغذى على العوامل الدفينة في اللاوعي، أو يبادر به شيء ما، يثب إلى السطح من العوالم الخفية، فيعمل العقل فيه التأمل والصياغة".
غادة السمان، الروائية السورية اللبنانية، نجحت في تحقيق هذا التوازن بامتياز. في رواياتها مثل "بيروت 75" و"كوابيس بيروت"، استخدمت "لغة سردية واقعية محملة بخصوصية إبداعية، ممتزجة بواقع الحرب الأهلية، مستفيدة من أساليب وتقنيات الرواية المعاصرة". كانت تكتب من لا وعيها الذي يحمل ألم الحرب والاغتراب، لكنها كانت تصقل هذا بوعيها الفني الناضج.
تقنيات إيقاظ السارد الخفي
التدفق الحر للكتابة: هذه التقنية بسيطة لكنها عميقة الأثر. اكتب لمدة عشر دقائق دون توقف، دون تفكير، دون حذف أو تصحيح. دع القلم يتحرك تلقائياً. ستندهش مما يظهر على الورق من أفكار وصور لم تكن تعلم أنها موجودة في أعماقك.
الكتابة من الذاكرة الحسية: ابدأ برائحة قديمة، أو صوت من الطفولة، أو ملمس نسيته . الحواس هي مفاتيح اللاوعي المباشرة. نجيب محفوظ كان يستيقظ كل صباح ويسجل أحلامه، ثم "يتأملها، ثم ينتقي منها ما يجده صالحاً ويعمل قلمه فيما اختاره".
تقنية "ماذا لو": اطرح أسئلة غير منطقية على نفسك . ماذا لو استيقظ بطل قصتك وهو لا يتذكر اسمه؟ ماذا لو تحدثت الأشجار؟ هذه الأسئلة تفتح أبواباً في اللاوعي ظلت مغلقة لسنوات.
الحوار مع الشخصيات: اترك شخصياتك تتكلم بحرية دون سيطرتك الواعية . اكتب حواراً دون أن تعرف مسبقاً ماذا ستقول الشخصية. ستفاجأ بأن الشخصية قالت شيئاً لم يخطر ببالك، وهذا هو اللاوعي يتحدث.
تمرين عملي: استدعِ ساردك الخفي الآن
أغلق عينيك لثلاثين ثانية. فكّر في أول ذكرى طفولة تطفو على السطح، مهما كانت عابرة أو تافهة . ربما رائحة خبز، أو صوت مطر، أو وجه شخص نسيته. الآن افتح عينيك واكتب جملة واحدة فقط عن هذه الذكرى. ثم اكتب لخمس دقائق دون توقف عما يتبعها. لا تفكر، لا تخطط، فقط اكتب. ستكتشف أن ساردك الخفي كان ينتظر هذه اللحظة ليتكلم.
الكتابة: معركة مشتعلة بين نورين
قال أحد النقاد إن "روح المبدع تبقى ساحة معركة مشتعلة بأنوار الانفعالات والتوتر" بين الوعي واللاوعي. هذه المعركة ليست صراعاً مدمراً، بل هي رقصة معقدة بين طرفين يحتاج كل منهما للآخر . الوعي يمنح العمل الشكل والانضباط والوضوح. واللاوعي يمنحه العمق والأصالة والحياة.
حين كتبت غادة السمان روايتها "بيروت 75"، قالت على لسان عرافة من شخصياتها: "أرى الدم... أرى كثيراً من الدم". نُشرت الرواية، وبعد بضعة أشهر فقط نشبت الحرب الأهلية اللبنانية. هل كان هذا تنبؤاً واعياً؟ لا. كان لا وعياً جمعياً يلتقط إشارات الكارثة قبل أن يراها الوعي.
في النهاية، الكتابة الحقيقية ليست فعل تخطيط منطقي فقط، بل هي رحلة استكشاف في أعماق النفس البشرية . كل كاتب عظيم تعلّم أن يستمع لساردين اثنين: السارد الواعي الذي يقف على المنصة، والسارد الخفي الذي يهمس من وراء الستار. ومن حوار هذين الساردين تولد الرواية، القصة، القصيدة؛ يولد الأدب الذي يبقى حياً عبر الزمن.
***
دعوة للقراء: شاركونا في التعليقات: هل سبق أن كتبتم شيئاً فاجأكم؟ جملة أو مشهد ظهر فجأة ولم يكن في خطتكم؟ هذا هو اللاوعي يكتب معكم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق