السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الاثنين، 5 يناير 2026

على مقهى الحارة: نجيب محفوظ يروي حكاية الحبكة في رواياته

نجيب محفوظ يروي حكاية الحبكة في رواياته على مقهى الحارة

بقلم جمال عسكر


مقدّمة :


 على مقهى الحارة: نجيب محفوظ يروي حكاية الحبكة في رواياته




في هذا الحوار الأدبي الخاص على «السَرّاد الأدبي» نقترب من عالم نجيب محفوظ، رائد الرواية العربية والواقعية المصرية، لنستكشف معه سرّ الحبكة الدرامية في أعماله الخالدة مثل «الثلاثية»، «اللص والكلاب»، «زقاق المدق» و«بداية ونهاية». يجمع النص بين فن السرد وتقنيات الحوار وبناء الشخصيات والزمان والمكان عند محفوظ، ليقدّم للكتّاب والباحثين وطلاب الأدب دليلًا تطبيقيًّا لفهم البناء الروائي وصناعة الدراما في الرواية العربية الحديثة كما أبدعها نجيب محفوظ، في تجربة حوارية ينفرد بها موقع «السَرّاد الأدبي».


الحوار:

(المكان: مقهى في حي الحسين. نجيب محفوظ يجلس إلى طاولة جانبية، يدخل صديقه الكاتب ـ نسميه «سامي» ـ يحمل بعض الكتب والأوراق.)


سامي: مساء الخير يا أستاذ نجيب… كالعادة في مقهى الحسين.


محفوظ (يبتسم): مساء النور يا سامي… أهو المكان ده اللي طلع من بطنه أغلب رواياتي.


سامي: جاي لك اليوم بطلب «علمي» شوية. أحتاج بحثًا عن الحبكة الدرامية في أدبك، لكن بدل الأسلوب الأكاديمي، نفسي أسمعه منك أنت، في شكل حوار.


محفوظ: يا سلام… يعني هنعمل «مذاكرة» في القهوة. ماشي يا سيدي، اسأل.


سامي: نبدأ من الأول. إيه هي الحبكة في رأيك؟ وإزاي بتشوفها في الرواية؟


محفوظ: الحبكة في أبسط تعريف؟ هي عظم الرواية… الهيكل اللي شايل الأحداث. مش مجرد حكاية بتتحكي من غير نظام، لا. لازم كل حدث يطلع من اللي قبله، ويولّد اللي بعده، زي سلسلة أسباب ونتائج. من أيام أرسطو وهو بيقول إن العمل الدرامي لازم يقوم على سبب ونتيجة، بداية ووسط ونهاية.


سامي: يعني أنت ملتزم بفكرة الثلاث مراحل: بداية، وسط، نهاية؟


محفوظ: في الغالب، نعم. البدايات عندي فيها «العرض»؛ تعريف بالمكان والزمان والشخصيات، ثم «الحدث المحرِّض» اللي يهز السكون. بعد كده في الوسط تصاعد صراع ومواجهات، وبعدين في النهاية الذروة والختام… لكن مع العمر والتجربة، الشكل ده ابتدى يتعدل ويتكسّر أحيانًا، خصوصًا في الأعمال الرمزية والمتأخرة.


سامي: طيب… خلينا نمشي مراحل حياتك الإبداعية واحدة واحدة، ونشوف تطور الحبكة.


محفوظ: اتفضل… افتح دفتر العمر.


سامي: المرحلة الأولى: الروايات التاريخية الفرعونية؛ «عبث الأقدار»، «رادوبيس»، «كفاح طيبة». إزاي بنيت الحبكة هناك؟


محفوظ: دي كانت فترة التلمذة. كنت متأثر بالفلسفة والتاريخ، فكتبت عن مصر الفرعونية. الحبكة هناك خطية وواضحة: صراع على السلطة، حب ممنوع، قدر يتحكم في مصير الأبطال. البنية أشبه بالمسرح الكلاسيكي: مشاهد متتابعة، حوار فصيح، زمن متقدم إلى الأمام بلا تعقيد كبير في الاسترجاع أو الاستباق. كنت أتعلم كيف أمسك الخيط من أوله لآخره دون أن ينقطع.


سامي: يعني حبكة كلاسيكية تقليدية.


محفوظ: بالضبط. كانت خطوة ضرورية قبل القفز إلى الواقعية الاجتماعية.


سامي: نخش بقى على «المرحلة الذهبية»: الواقعية الاجتماعية… «القاهرة الجديدة»، «خان الخليلي»، «زقاق المدق»، «بداية ونهاية»، وبعدين الثلاثية. كيف تتعامل فيها مع الحبكة؟


محفوظ (يميل إلى الأمام): هنا بدأت اللعبة الجدية. خذ «خان الخليلي» مثلًا. أحبها لأنها مثال واضح على حبكة الثلاثة فصول.


سامي: احكيها كصانع، مش كراوٍ.


محفوظ: في البداية أفرش المسرح: الحي، المقاهي، جو الحرب العالمية الثانية، أحمد عاكف الموظف الخمسيني الذي عاش حياة باهتة. هذا هو «العرض». ثم يدخل الحدث المحرّض: ظهور الفتاة الجارة الجميلة التي توقظ في داخله شيئًا tưởng أنه مات. بعد ذلك في الوسط يظهر رشدي أخوه، شاب، وسيامة، حياة، فيحبها هو أيضًا، فيتحول الإعجاب إلى صراع داخلي وخارجي: غيرة مكتومة، إحساس بالهزيمة، صراع بين الواجب والأمنيات. تتصاعد الأحداث حتى يموت رشدي، فتأتي لحظة الذروة الحقيقية: هل يستغل البطل الفرصة ويقترب من الفتاة، أم ينسحب وفاءً لذكرى أخيه؟ في النهاية يختار الانسحاب، يغادر الحي، وتغلق الستارة على نهاية أخلاقية أكثر منها عاطفية.


سامي: يعني أنت ترى أن الحبكة ليست فقط سلسلة حوادث بل تحمل حكمًا أخلاقيًا.


محفوظ: بالضبط. النهاية عندي غالبًا هي تعليق أخلاقي أو فلسفي على مسار الحياة الذي اختارته الشخصيات.


سامي: طيب «زقاق المدق»؟


محفوظ: «زقاق المدق» رواية مكان بامتياز، لكن حبكتها تقوم على شخصية واحدة تقريبًا: حميدة. في البداية نرى الزقاق، شخوصه الصغيرة، عالم الفقر والضيق. ثم حميدة، الجميلة الطموحة التي تضيق بالزقاق وترفض مصير «الستات» فيه. الحدث المحرّض هو خطبة عباس الحلو، الفتى الطيب، ثم ظهور فرج القواد الذي يفتح أمامها بابًا للحلم والمال والبهرجة. هنا يبدأ الصراع: بين الأمان الفقير مع عباس، وبين الوهم البراق مع فرج. تتصاعد الحبكة مع كل خطوة تخطوها نحو السقوط، حتى نصل للمأساة: تحوّلها إلى سلعة، وضياع حياتها ومعها حياة من حولها. الخط الدرامي ظاهره ميلودراما، لكن تحته أسئلة عن الفقر، والجسد، والمدينة، والقدر الاجتماعي.


سامي: «بداية ونهاية»؟


محفوظ: هناك اشتغلت على حبكة عائلية مغرقة في المأساة. نمسك الخيط من موت الأب وانهيار العمود الاقتصادي للأسرة، ثم نتابع مصائر الأبناء الأربعة والبنت. كل واحد يدخل في صراع مع الفقر والطبقة والرغبة في الصعود. الحبكة تنسج من قراراتهم: نفيسة تختار طريقًا يدمّرها، حسنين يلهث وراء ترقية اجتماعية زائفة، إلى أن ينتهي الأمر بانتحار الاثنين. هنا الحبكة تعتمد على منطق «من البذرة إلى الثمرة»: تزرع الفقر والضغط الاجتماعي، فتحصد الانهيار الأخلاقي والمأساة.


سامي: الثلاثية بقى… «بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية». كيف تُبني حبكة ممتدة على ثلاث روايات دون أن تنهار؟


محفوظ: السر في محور مركزي: أسرة السيد أحمد عبد الجواد، وفي خلفية أوسع: تاريخ مصر من ثورة 1919 حتى أواخر الأربعينيات. لكل جزء حبكته الخاصة: في «بين القصرين» التركيز على الأب القاهر، والأم الخاضعة، والأبناء الذين يتشكل وعيهم. في «قصر الشوق» تنفتح الدائرة، يتقدم الأبناء في العمر، يدخلون السياسة والحب، فنرى صراع الأجيال. في «السكرية» نصل إلى مرحلة الشيخوخة والتحولات الكبرى. ومع ذلك، هناك خيط درامي واحد: كيف تتغير الأسرة والمجتمع معًا. استخدمت تقنيات مثل الاسترجاع لفتح ماضي الشخصيات، والتوازي بين خط الأسرة وخط الوطن.


سامي: قرأت دراسة تذكر أن شخصية السيد أحمد عبد الجواد مبنية دراميًا بإحكام شديد.


محفوظ: صحيح. هو شخصية محورية تصنع الأحداث بقدر ما تصنعها الأحداث. ازدواجيته بين قسوة البيت ومرح الخارج تعطي مادة درامية لا تنضب: أبناء متمردون، زوجة مقموعة، أجواء من الخوف والتمرد المكتوم، كل هذا يسكب زيتًا على نار الحبكة.


سامي: بعد الثلاثية… سكتّ سبع سنوات تقريبًا. يقال إنك كنت في حالة «تحول» داخلي.


محفوظ: نعم. شعرت أن الواقعية الاجتماعية في شكلها القديم قد استُنفدت. الثورة غيّرت وجه البلد، وكنت أبحث عن لغة جديدة، وعن حبكة تحتمل تعقيد التجربة الفكرية والسياسية. هذا قادني إلى عالم الرمزية والفلسفة.


سامي: وهنا ندخل في «أولاد حارتنا».


محفوظ (يتنهد): «أولاد حارتنا» كانت مغامرة. بنيت حبكتها على تكرار دورة كاملة للحارة مع كل جيل من «الأبناء». عندك جبلاوي في القمة، وعندك حارة تحكمها الفتوات. في كل مرة يظهر «ابن» جديد: جبل، رفاعة، قاسم، إلى أن نصل إلى عرفة. كل ابن يقود ثورة صغيرة على الظلم، الحبكة تتكرر في الشكل وتختلف في التفاصيل، مما يعطي الرواية بنية حلزونية: كل دورة تعيد طرح السؤال نفسه بطرق أخرى. هنا الحبكة ليست فقط حكاية حيّ، بل تأويل رمزي لمسيرة الإنسان مع الدين والعلم والسلطة.


سامي: البعض قرأ الرواية على أنها «سيرة رمزية للأنبياء».


محفوظ: أنا لا أحب التصنيفات الحرفية، لكن لا أنكر أن الرمز حاضر بقوة. المهم أن الحبكة تسمح بقراءات متعددة: من يقف عند الحارة والفتوات سيجد رواية اجتماعية، ومن يغوص أعمق سيجد طبقات رمزية.


سامي: «اللص والكلاب»؟ حبكة بسيطة ظاهريًا لكنها عميقة.


محفوظ: هناك اشتغلت على مطاردة. سعيد مهران يخرج من السجن، يكتشف خيانة زوجته وصديقه، وخيانة المثقف الذي كان يعلّق عليه آماله. الحبكة تقوم على سلسلة من محاولات الانتقام الفاشلة. في كل مرة يطلق النار، يخطئ الهدف ويصيب الأبرياء، حتى تحاصره الشرطة وينتهي وحيدًا مطاردًا. الشكل بسيط: حركة، مطاردة، توتر. لكن تحت السطح، هناك صراع بين الفرد والنظام، بين الحلم الثوري والخيبة بعد الثورة. استخدمت الاسترجاع الداخلي كثيرًا؛ فكل خطوة في الحاضر يرافقها ارتداد إلى ماضي سعيد، مما يربط خط الزمن الواقعي بخط الزمن النفسي.


سامي: واضح أن الصراع عندك ـ داخليًا وخارجيًا ـ هو محرك الحبكة.


محفوظ: بدون صراع لا توجد حبكة. الصراع قد يكون بين شخص وشخص، أو شخص ومجتمع، أو شخص ونفسه. في «بداية ونهاية» ترى الصراع بين الفقر والطموح. في «اللص والكلاب» بين الرغبة في العدالة والشعور بالعجز. في الثلاثية بين جيل قديم متشبث بالتقاليد وجيل جديد يريد التحرر. الصراع هو ما يدفع الأحداث إلى الأمام.


سامي: ومن هنا يأتي الطابع «الميلودرامي» الذي أغرى السينما بأعمالك؟


محفوظ: الميلودراما جزء من التكوين الشعبي العربي والمصري خصوصًا: صعود حاد، سقوط مأسوي، علاقات عائلية معقدة، حب ممنوع، فقر، شرف… السينما وجدت في رواياتي مادة جاهزة لصناعة أفلام مؤثرة. لكن لو أخذت الميلودراما وحدها وتركت البعد الفلسفي والاجتماعي، ستتحول الروايات إلى مجرد قصص عاطفية. ما حاولت فعله هو أن أجعل الميلودراما حاملًا للأسئلة الكبرى: الحرية، العدالة، المصير.


سامي: خلينا نرجع للعناصر الفنية: الشخصيات، الزمان والمكان، الحوار… كيف تخدم الحبكة عندك؟


محفوظ: الشخصيات عندي ليست ديكورًا، بل هي محركات. أؤمن أن الشخصية الحقيقية تكشف نفسها عبر أفعالها في قلب الصراع. لذلك أترك الشخصية تتحرك وتخطئ وتصيب، فتولد من حركتها الأحداث.


سامي: مثل حميدة في «زقاق المدق»؟


محفوظ: حميدة مثال جيد. طموحها، إحساسها بالضيق من الزقاق، احتقارها للفقر، كل هذا يجعلها تتخذ قرارات تدفع الحكاية إلى الأمام. لم أجبرها على السقوط، بل تتبعت منطق رغباتها في ذلك السياق الاجتماعي.


سامي: والزمان والمكان؟


محفوظ (يشير إلى الشارع): القاهرة عندي ليست خلفية فقط، هي شخصية من لحم ودم. عناوين مثل «خان الخليلي»، «زقاق المدق»، «بين القصرين»… هذه أماكن حقيقية، لكنها تتحول في الرواية إلى رموز. الزمان أيضًا مهم: ثورة 1919، الحرب العالمية الثانية، ما بعد 1952… كل مرحلة تفرض نوعًا من الحبكة. لا يمكن أن تكتب عن ثورة دون أن تكون الحبكة مشحونة بالصراع الجماعي. لذلك أحرص على أن يكون المكان والزمان متداخلين في نسيج الحبكة، لا منفصلين عنها.


سامي: واستخدامك للزمن الفني؟ الاسترجاع، الاستباق، الإيقاع؟


محفوظ: في البداية كنت أميل إلى التسلسل الزمني البسيط. بعد ذلك اكتشفت أن الزمن نفسه يمكن أن يصبح أداة درامية. في «حديث الصباح والمساء» مثلًا، بنيت الرواية على سيَر متتابعة، واستعملت الاسترجاع بكثافة لربط الماضي بالحاضر. في «اللص والكلاب» استخدمت الاستباق لإشعار القارئ بأن النهاية ستكون مأساوية، فيعيش التوتر منذ الصفحات الأولى. كذلك ألعب بالإيقاع: أختصر سنوات في سطرين حين أحتاج للتسريع، ثم أبطئ وأفصل في مشهد واحد حين يكون مفصليًا.


سامي: الحوار عندك حكاية أخرى… كثيرون انتقدوا اختيارك للفصحى بدل العامية في الحوار.


محفوظ: واجهت هذا الاتهام مبكرًا. قيل إن الواقعية تقتضي أن تتكلم الشخصيات كما في الشارع. لكني كنت أبحث عن وحدة لغوية تحافظ على جمالية النص وتمنحه طابعًا أدبيًا. فابتكرت مستوى لغوي وسطًا: فصحى بسيطة، أقرب للأذن، فيها أحيانًا تعبيرات شعبية، لكنها ليست عامية خالصة. أهم شيء عندي أن يخدم الحوار الشخصية والحبكة: أن يكشف ما لا يقوله السرد، وأن يختصر الصراع في جملة أو جملتين.


سامي: أحيانًا تتحول أعمالك كلها تقريبًا إلى حوار، مثل بعض نصوص «حكاية بلا بداية ولا نهاية» أو «أصداء السيرة الذاتية».


محفوظ: صحيح. هناك جرّبت شكل «القصة الحوارية»، حيث يغيب الوصف تقريبًا، وتُبنى الحبكة كلها على تبادل الكلام. هذا شكل يعرّي الصراع مباشرة: شخصيتان تتواجهان، وكل كلمة منهما تحرك الخيط الدرامي. في «أصداء السيرة الذاتية» اختزلت الحبكات كلها في مشاهد قصيرة، مواقف، حكمة، حوار خاطف. هذا جزء من تحولي في أواخر العمر نحو الاختزال والتكثيف.


سامي: إذن، لو قسمنا تطور الحبكة عندك إلى مراحل، كيف تراها الآن وأنت تطل من علٍ على تجربتك كلها؟


محفوظ (يفكر لحظة): أستطيع أن أرى سبع محطات كبرى، حتى لو لم أكن واعيًا بها وقت الكتابة:


- مرحلة الرواية التاريخية: حبكة خطية، تقليدية، صراع قدر وسلطة وحب في إطار فرعوني.

- مرحلة الواقعية الاجتماعية: حبكة محكمة، بداية–وسط–نهاية، صراع طبقي وعائلي، بناء تقليدي متين كما في «خان الخليلي»، «زقاق المدق»، «بداية ونهاية»، والثلاثية.

- مرحلة الواقعية النفسية القصيرة: مثل «السراب»، حيث ينتقل مركز الحبكة إلى داخل النفس، إلى الوهم والمرض والخيبة.

- مرحلة الرمزية والفلسفة: «أولاد حارتنا»، «اللص والكلاب»، «الطريق»، «الشحاذ»، «ثرثرة فوق النيل»… هنا الحبكة تحتمل التأويل، وتعمل على مستويين: سطح واقعي، وعمق رمزي.

- مرحلة التجديد الشكلي: «حكاية بلا بداية ولا نهاية»، «الحرافيش»، «ليالي ألف ليلة»، «قشتمر»… تفكيك للحبكة التقليدية، تعدد أصوات، حكايات متشابكة، شكل أقرب للملحمة أو للحكاية الشعبية.

- مرحلة الاختزال: «أصداء السيرة الذاتية»، «أحلام فترة النقاهة»… حبكات قصيرة جدًا، حلمية تقريبًا، لكن مشحونة بالدلالة.

- وبين كل هذا خيط واحد: إيمان بأن الحبكة ليست لعبة شكلية، بل وسيلة لطرح سؤال الإنسان في مواجهة الزمن والمجتمع والقدر.


سامي: جميل جدًا. إذن، لو سألنا: ما الذي يميز «الحبكة المحفوظية» عن غيرها؟


محفوظ: ربما يمكن أن أقول:


- التماسك: لا أحب الأحداث التي تهبط من السماء بلا مبرر.

- الارتباط بالمكان: الحارة، الزقاق، المقهى… كلها مشيمة تتغذى منها الحبكة.

- الصراع المركب: لا أكتفي بصراع واحد، بل أضع الشخص في عدة دوائر: مال، حب، سياسة، أسرة.

- المزج بين الواقعي والرمزي: حتى في أكثر الروايات واقعية، هناك ظل رمزي ما، والعكس صحيح.

- الحس السينمائي: إيقاع المشاهد، القطع، الذروة… ربما ساعدني عملي في السينما على دقة البناء.


سامي: فعلاً، السينما أخذت من أعمالك الكثير.


محفوظ: وأعطتني الكثير أيضًا. كتابة السيناريو علمتني الاقتصاد في المشهد، والتركيز على الفعل، وكيف تُبنى الحبكة في ساعتين على الشاشة. لكن ظلّ للرواية عالمها الخاص: مساحة أوسع للتأمل وللصوت الداخلي.


سامي: أستاذ نجيب… لو جاءك شاب روائي اليوم، وسألك: «كيف أبني حبكة على طريقة نجيب محفوظ دون أن أقلّد نجيب محفوظ؟» بماذا تجيبه؟


محفوظ (يبتسم): أقول له:


- اعرف جيدًا عالمك: شارعك، مدينتك، زمنك. لا تكتب عن فرعونية لم تعشها، بل عن واقعك أنت.

- اصنع شخصيات من لحم ودم، ثم دعها تتحرك، وستولد الحبكة من حركتها الطبيعية.

- لا تخف من الصراع؛ شدّة الصراع هي التي تعطي حرارة للحبكة.

- تعلم من البنية الكلاسيكية (بداية–وسط–نهاية)، ثم بعد أن تتقنها، لك أن تكسرها كما تشاء.

- والأهم: اجعل في عمق حبكتك سؤالًا إنسانيًا حقيقيًا؛ عندها فقط تصبح الرواية جديرة بأن تُقرأ.


سامي (ينظر في ساعته): أظن أن هذا الحوار يكفي لرسالة ماجستير كاملة عن الحبكة في أدبك!


محفوظ: المهم ألا يتحول الأمر إلى مجرد «تحنيط» للنصوص. الرواية في النهاية حياة، والحبكة شريانها. ما دام في الدنيا ظلم وحب وفقر وأحلام، ستظل هناك حبكات جديدة لم تُكتب بعد.


سامي: أشكرك يا أستاذ… على الدرس، وعلى الروايات، وعلى هذا الليل الجميل في الحسين.


محفوظ (ينهض ببطء): وأنا أشكرك… وعلى فكرة، أفضل أدوار الكاتب أن يظل تلميذًا، حتى وهو يُسأل كأستاذ. لنشرب الشاي قبل أن تبرد الحبكة.



خاتمة :

هنا تنتهي جلستنا على مقهى الحسين، لكن “درس الحبكة” عند نجيب محفوظ لا ينتهي عند آخر سطر؛ لأن الرواية — كما يقول — حياةٌ تمشي على شريان من الصراع والاختيارات. إذا أردت أن تفهم تقنيات السرد بعمق: كيف تُصنع الحبكة، وكيف يتحول المكان إلى قوة درامية، وكيف يقود الزمنُ الشخصياتِ إلى مصائرها… فاجعل وجهتك التالية قسم «هوامش السرد» في موقع «السَرّاد الأدبي». ستجد هناك مقالات متخصصة في بناء الحبكة الدرامية، تطوير الشخصيات، إدارة الإيقاع، وأدوات عملية للكتّاب والباحثين وطلاب الأدب لفهم الرواية العربية الحديثة وتحليلها وكتابتها.


ولأن أفضل قراءة هي التي تفتح بابًا لقراءة أخرى، نرشّح لك من «هوامش السرد»:

«محكمة الورق»: حينما تخرج الشخصيات عن صمتها لتُحاكم كاتبها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot