الضوء الذي بدّد الأمس قصة قصيرة بقلم جمال عسكر
في «الضوء الذي بدّد الأمس» يأخذ السرّاد القارئ إلى تلك المساحة التي ينكسر فيها الإنسان أمام ما لم يقلْه، وما لم يستطع تجاوزه. ليست هذه قصة عن الندم وحده، بل عن ذلك الثقل الخفيّ الذي يتركه الماضي في الصدر، حين يصبح الأمس أكثر حضورًا من اليوم نفسه.
تنسج الحكاية رحلة قصيرة وعميقة، تراقب لحظة يواجه فيها البطل سؤالًا لا يطرحه أحد بصوتٍ مسموع:
هل يمكن لوميضٍ بسيط، لحدث عابر، لطرقة خفيفة في آخر الليل… أن يعيد ترتيب الداخل، ولو بدرجة واحدة؟
هذه القصة ليست عن الخلاص بمعناه الكبير، بل عن الالتفاتة الصغيرة التي تخلخل جدار الصمت، عن اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن العالم ما زال يلمسه، ولو بخيط ضوء لا يقصده أحد.
وبلغة شعرية رصينة، تقدّم «الضوء الذي بدّد الأمس» تجربة سردية نفسية تُلامس القارئ من الداخل دون أن تكشف أوراقها، وتدعوه إلى قراءة ما بين السطور… حيث تبدأ الحكاية الحقيقية.
القصة
الغرفة: قفصٌ من ضوء بارد
لم تكن الرابعة فجرًا وقتًا يُقاس بالساعة، بل كانت ما تبقّى من أمسٍ يأبى أن يرحل.
غرفة يوسف لم تكن مظلمة تمامًا، ومع ذلك كان فيها نوعٌ من العتمة لا علاقة له بانطفاء المصابيح، بل بانطفاء شيءٍ في داخله.
ضوء الحاسوب الأزرق ينساب فوق وجهه كصفحةٍ باردة، لكنّه لم يكن يكفي ليُبدّد ما تراكم عليه من ظلال.
جلس يوسف مُنكمشًا أمام الشاشة، كأنّه يحاول أن يحتمي بنفسه من نفسه.
كان الليل ساكنًا، لكن السكون لم يكن نعمة؛ كان أشبه بوَقفةٍ طويلة يقف فيها الأمس أمامه، يُمسك بتلابيبه، ولا يريد أن يُفسح له مكانًا في يومٍ جديد.
حاول أن يكتب… أن ينجز… أن يجرّ نفسه خطوةً خارج تلك الدائرة التي حاصرته طويلًا.
لكن داخله كان يعيد عرض المشهد ذاته، كأن الذاكرة تصرّ على أن تبقى قيد التشغيل حتى حين تتعب الروح من الفرجة.
في تلك اللحظة، لم يكن يوسف ينتظر ضوءًا جديدًا…
كان فقط ينتظر لحظة واحدة لا يتردّد فيها الأمس كلما حاول أن يتنفس.
الذاكرة: ندبة لا تُسمّى
لم يعرف أحد ما فعله. لم تكن جريمة، ولا خيانة كبرى… كانت بسقوط صغير، لكنه ترك داخله صدى أكبر من حجمه.
لا يهم اسم ذلك الخطأ؛ المهم أنه التصق به مثل وشمٍ لا يجفّ، يذكّره بأن نواته ليست شفافة كما كان يظن.
كان يوسف يشعر أن جلده فقد ملكيته؛ كأنه يرتدي طبقة من العار، تلتف حوله وتضيّق خطواته. النظرات—حتى تلك التي لم تُلقَ عليه—كانت تتحول في خياله إلى محاكمات صامتة.
الخزي ليس شعورًا بالذنب على ما فعلت، بل اقتناعًا بأنك أنت الفعل الخطأ.
همس في العتمة، وصوته يُشبه حصاة تُلقى في بئر:
"لو للروح زرّ حذف… يمكن كنت أجربه مرة."
الانهيار: حين يثقل الهواء
مدّ يده إلى كوب الماء، فارتجفت أصابعه.
قطرة صغيرة سقطت على بنطاله… وكانت هي الشرارة.
لم يكن البكاء صاخبًا، بل تكوّر صامت، انكسار داخلي كالزجاج حين يتشقق من الداخل دون صوت.
بدأت الأفكار السوداء تتجمّع حوله مثل هواء فاسد:
أنت لا تستحق الهواء. أنت هامش زائد في صفحة العالم.
اختفِ… لعلّ الصفحة ترتّب نفسها من دونك.
كان يوسف يغرق بلا حركة، كأن الغرفة ضاقت إلى حجم صدره وحده.
الطرقة: مسمار صغير في جدارٍ سميك
ثم… صوت.
ثلاث طرقات خفيفة، لكنها قادرة على شقّ سكون الليل.
رفع رأسه كمن يعود من قاع ماء. مسح وجهه بسرعة.
من يطرق بابه في هذا العار الداخلي؟
هل يفضحه أحد؟ هل انكشفت رائحته النفسية؟
تحامل على قدميه، وفتح الباب مواربة.
فإذا بالعم "منصور" واقفاً ببيجامة باهتة، وعينين مُثقلتين بالنعاس والسنين، وفي يده علبة دواء فارغة.
بدا العجوز أصغر مما يتذكّره… هشّاً، صادقًا، لا يحمل أي مرآة تعكس عيوب يوسف.
قال يوسف بصوت مبحوح:
"خير يا عم منصور؟ في حاجة حصلت؟"
ابتسم الرجل ابتسامة اعتذار دافئة، وقال بحديثٍ ودودٍ رقيق النبرة، لا يقسو ولا يعلو:
"آسف والله يا ابني… النور قطع عندي، وعايز أقرأ تاريخ الصلاحية. نظري ما بقاش يسلّم. وأنت الوحيد اللي لسه صاحي."
تردّد يوسف لحظة.
هو الذي يرى نفسه كتلة من عتمة… يُطلَب منه نور؟
قال بتردّد:
"بس أنا… أنا معنديش نور كفاية."
ضحك العجوز ضحكة قصيرة أزاحت ثقلًا من الجوّ:
"يا سيدي نور موبايلك يكفّي. هو أنا طالب شمس؟"
أضاء يوسف هاتفه، فسقطت دائرة بيضاء فوق يدَيْ العجوز.
قرأ التاريخ بصوت ثابت:
"لسه صالحة… لسّه قدّامها سنة بحالها."
تنفّس الرجل بارتياح، وربت على كتفه برفق:
"ربنا ينور طريقك يا ابني… تصبح على خير."
الخاتمة: نافذة صغيرة للهواء
عاد يوسف إلى الغرفة.
الصمت ما زال موجودًا… لكنه لم يعد بنفس القسوة.
نظر إلى ضوء هاتفه، ذلك الضوء الضعيف الذي كان، رغم هشاشته، نافذة لطمأنة شخصٍ آخر.
لم تختفِ أوجاعه. لم يغفر لنفسه.
لكنّه أدرك للحظة أنّ الظلام الذي يعيش فيه ليس صخرة واحدة… بل غرفة يمكن فتح نافذة فيها.
اقترب من النافذة وفتحها.
دخل نسيم الفجر البارد، ومعه خيط ضوء ضعيف يشبه بداية جملة جديدة.
تنفّس يوسف بعمق، وقال لنفسه بصوت خافت أقرب لوعدٍ متردّد:
"يمكن… يمكن مش كلّي ظلام. يمكن بس نسيت أسيب النور يعدّي."
أطفأ شاشة الحاسوب.
وترك ضوء الهاتف يعمل، كأنّه حارس صغير على باب الليل.
نام… ولم يحلم بأنه يهرب.
——— ✧ ———
خاتمة وبداية انطلاق
وهكذا تنتهي هذه الحكاية عند خيط ضوء صغير، لا يطمس الأمس، لكنه يعلّم القلب كيف يُعيد النظر إليه.
وإن كانت رحلة يوسف قد لامستك، فستجد في تبويب القصص القصيرة في السرّاد حكايات أخرى تمشي بالروح خطوات أبعد، وتفتح نوافذ جديدة لكل من يبحث عن كلمة تُسانده أو معنى يرافقه.
اقرأ ما شئت، وتجوّل كما يتجوّل العابر في بستانٍ يعرف أنّ بين كل شجرة وأخرى ظلّ حكاية تنتظره.
فالقصص هنا لا تُروى فقط… بل تُصاحب من يقترب منها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق