السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

السبت، 27 ديسمبر 2025

مِّن بَعْدِ الْغَمِّ

 مِّن بَعْدِ الْغَمِّ قصة قصيرة

بقلم جمال عسكر

مِّن بَعْدِ الْغَمِّ


لم تكن تلك الليلة استثناءً. كانت نسخة باهتة عن ليالٍ سبقتها: تعبٌ رمادي، صمتٌ يطبق على الجدران، وسريرٌ حفظ تضاريس جسدها المنهك أكثر مما تحفظها هي.


لكن، في ذلك البرزخ الهش، النعاس، حيث لا هي غارقة في النوم تماماً، ولا هي متمسكة بطرف اليقظة، تسلل الصوت. 


— أمّي...


لم تفتح عينيها. أدركت بحدس الأمومة الغائر أن فتح العينين سيهشم زجاجاً لا يُجبر. نادت الاسم كاملاً، بنبرة من تستحضر غائباً، تماماً كما كانت تفعل حين تتأخر الصغيرة عن العودة عند المغيب. فجاءت.


لم تدخل من باب موارب، ولم تنسلخ من عتمة الزاوية. بل تجسدت هناك فجأة، كأن المسافة بين العدم والوجود لا تحتاج سوى زفرة حنين واحدة.


في الليالي الأولى، خيم صمتٌ مقدس. كانت الأم تخشى أن يكون السؤال فخاً، والكلمة تبدداً للرؤيا. جلستا على حافة زمنية لا تتبع قوانين الأرض؛ فراغٌ أبيض يشبه الضباب. همست الابنة: 

— لا تنامي أكثر. 

فردت الأم بصوت مبحوح: 

— وهل هناك ما يستحق الاستيقاظ؟ 


ابتسمت الابنة، ابتسامة باردة، شاحبة، كضوء القمر في ليلة شتاء.


بعد أسبوع، بدأت المقايضة الخفية تظهر للعيان. في صباح اليوم التالي، حاولت الأم استرجاع نبرة ابنتها في الذاكرة، فوجدتها بلا حرارة. كانت تعرف الصوت، لكن "الدفء" سُرق منه. في الليلة التالية، نادت الاسم بلهفة. حضرت الابنة، لكن شيئًا في ملامحها قد تبدل؛ بدت وكأنها نضجت أعوامًا في يوم واحد، بينما شعرت الأم بأن جسدها يزداد خفة، كأنه يتبخر.


اقتربت الابنة، وتلمست وجه أمها بأصابع باردة كنسيم الفجر، وقالت بصوت يشبه الحفيف:

 — أنا أكبرُ بما تأكلينه من عمركِ هناك. 

لم تفهم الأم المعادلة، أو ربما... لم ترد أن تفهم. اكتفت بأن تغمض عينيها لتشعر بالبرودة تسرق الدفء المتبقي في عروقها، معتقدةً بسذاجة الغرقى أن هذا هو النجاة.


صار اللقاء طقساً مقدساً يحتاج قرابين. الضوء الخافت شرط. الصمت شرط. وأن تبقى معلقة في تلك المساحة الرمادية حيث تتسرب الروح. في كل صباح، كانت الأم تدفع الثمن من رصيد ذاكرتها: مرة تنسى رائحة شعر صغيرتها، ومرة تنسى شكل كفها، ومرة تنسى لون عينيها. كانت تعزي نفسها أمام المرآة: "ما دمتُ أراها ليلاً، فلا يهم ما أفقده نهاراً."


ذات ليلة، تأخرت الزائرة. نادت الأم الاسم كاملاً. مرتين. ثلاثاً. وحين حضرت أخيراً، كانت ملامحها ضبابية، كصورة قديمة تحت الماء. — كنتِ نائمة بعمق.. هذا خطر. — كنتُ متعبة.. الشوق ينهشني. صمتت الابنة طويلاً، ثم قالت بنبرة غريبة، لا تنتمي لعالم الأحياء: 

— كل دقيقة نسرقها معاً هنا.. هي جمرة تنطفئ في شمعتكِ هناك. 

— أين هناك؟

 — حيث تظنين أنكِ تتنفسين.


ضحكت الأم ضحكة قصيرة، مرتبكة ومكسورة. 

— ليكن.. أنا لا أريد سوى هذا الظل.


في الأيام التالية، هجمت الشيخوخة كوحش جائع. العيون غارت في المحاجر، الظهر انحنى كغصن يابس، والذاكرة صارت غربالاً واسع الثقوب. الأسماء بدأت تتعثر على لسانها. وفي ليلة الحسم، حين حاولت أن تنادي، توقف الزمن. الاسم خانها. حرفٌ واحد سقط من الذاكرة، فصار النداء ناقصاً، مشوهاً. لم تأتِ الابنة.


لأول مرة منذ زمن، نامت الأم نوماً ثقيلاً، كاملاً، ومطبقاً. نوماً بلا طيف. بلا همس. بلا موعد. وحين استيقظت، كانت قد نسيت وجهها تماماً، ولم تتعرف على المرأة في المرآة.


مرت أيام موحشة بلا لقاء. توقفت الأم عن المحاولة، خشية أن تنطق الاسم خطأً فتُحيل الغياب إلى أبدية. وفي ليلة أخيرة، جلست على حافة السرير، أطفأت الضوء، واستجمعت ما تبقى من فتات روحها، وهمست بالاسم كما أسعفها قلبها، لا ذاكرتها. أغمضت عينيها، ونامت.


لم تستيقظ.


في الصباح، وجدوا جسدها ساكناً، ووجهها يحمل سكينة غامضة لم يعهدوها من قبل، كأنها تصالحت مع الغياب. وعلى الوسادة، بجانب رأسها الشائب، كانت ترقد خصلة شعر صغيرة، ناعمة، وداكنة السواد.. لا أحد يعرف لمن تعود، لكنها كانت لا تزال دافئة.



📖 📖 📖



(ما بعد القراءة)


"في تلك الغرفة الساكنة، لم يكن الموت نهايةً، بل كان الجسر الوحيد المتاح للقاء. اختارت الأم أن تدفع عمرها ثمناً لظلال ابنتها، وتركت لنا خصلة شعرٍ دافئة على الوسادة، لتخبرنا بصمت أن حدود الواقع أهشّ مما نظن، وأن الحب قد يكون العملة الوحيدة القادرة على كسر قوانين الفيزياء والغياب. لقد رحلت، لا لأنها استسلمت للموت، بل لأنها عثرت أخيراً على الحياة التي تخصها."



نمط القصة: 

واقعية سحرية (Magical Realism) / دراما نفسية (Psychological Drama).


الوسوم : الفقد، الأمومة، ما وراء الطبيعة، الموت، الذاكرة.



ماذا تقرأ بعد ذلك؟


أ. إذا أثرت فيك تيمة "الموت والذاكرة" :

نرشح لك: قصة "كُمّ الرماد"

"في قصة 'مِّن بَعْدِ الْغَمِّ'، اختارت الأم الموت لتجد السلام مع طيف ابنتها. ولكن في قصة  'كُمّ الرماد' ، يواجه 'علاء' الموت حرقاً في مخزن الغلال، لكنه يختار الحياة والتشبث بها رغم انكساره. اكتشف الوجه الآخر للمواجهة بين الاستسلام والنجاة."


ب. إذا جذبك البعد النفسي والصراع الداخلي:

نرشح لك: قصة "معادلة السقوط الحر".

"الأم هنا كانت تستمع لصوت ابنتها الذي يأكل من عمرها. ماذا لو كان الصوت الذي تسمعه هو صوت عدوك الداخلي الذي يدفعك للحافة؟ عش تجربة صراع نفسي مختلف في 'معادلة السقوط الحر'."


ج. إذا كنت تفكر في مصير الشخصيات (ما وراء الكواليس):

نرشح لك: مقال "محكمة الورق".

"هل تعاطفت مع الأم التي قُتلت بحبر القلم؟ هل تظن أن الكاتب كان قاسياً عليها؟ في **'محكمة الورق'**، تنقلب الآية، وتخرج الشخصيات لتحاكم كاتبها على النهايات المأساوية التي فرضها عليها. اقرأ المرافعة الآن."



4. دعوة للتفاعل


"خصلة الشعر الدافئة في نهاية القصة تترك الباب مفتوحاً: هل كان ما عاشته الأم حقيقة خارقة للطبيعة، أم هلوسة أخيرة قبل الرحيل؟ شاركنا تفسيرك للنهاية في التعليقات."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot