القصة
كانت الحافلة تئنّ وهي تشق طريقها في عتمة الطريق الزراعي، كأنها تحمل فوق سقفها أثقالًا لا تُرى. في المقعد الخلفي، جلس علاء، الرجل الذي غادر قريته صباحًا مرفوع الرأس، ويعود إليها الآن منكفئًا كظلٍّ تأخر عن صاحبه.
تحسس جيب سترته البنية المهترئة.
فارغ.
لا شيكات، لا أوراق، ولا حتى ورقة صغيرة يمكن أن يتشبث بها. فقط تذكرة عودة مطوية، ودفء قديم انطفأ.
أدار وجهه عن زجاج النافذة حين لمح انعكاسه. أغمض عينيه، فانسحب به الوقت ساعاتٍ إلى الوراء.
قال الموظف دون أن يرفع رأسه عن الكوب:
— تشابه أسماء يا حاج علاء… الجائزة للمهندس علاء السيد مبارك، من الدقهلية.
قلب الورقة مرتين، رشفة شاي، ثم صمت.
أما الكلمات، فبقيت معلقة في أذن علاء كصدى ضربة لم تُرَ.
تذكّر الزغاريد عند الوداع. يد عم حسن التي أبعدت النقود عن طاولة البقالة: «ابقى حاسبنا لما ترجع». سقف المسجد الذي وعد بترميمه. اليتيمتين عند آخر الحارة.
ثم لم يتذكر شيئًا.
توقفت الحافلة على أطراف القرية.
نزل علاء ببطء. الليل مستقر، والبيوت غارقة في سكون لا يقطعه سوى نباح متقطع. لم يتجه إلى بيته. مرّ بجواره، ورأى الضوء الخافت من شباك الغرفة. خيّل إليه ظل زوجته وهي ترتّب الفراش وحدها. شدّ خطاه مبتعدًا.
سلك الطريق الخلفي، بمحاذاة المخازن القديمة. الهواء بارد، رطب، يحمل رائحة قمحٍ مخزون ورطوبة حجر.
وعند مخزن الغلال الكبير، توقّف.
ضوء مرتعش يتسرّب من الداخل.
همس. حركة.
اقترب حتى احتمى خلف كومة أجولة فارغة. مدّ رأسه بحذر.
ثلاثة رجال.
أحدهم عند الباب يلتفت كل لحظة، الثاني راكع قرب برميل، والثالث يشدّ فتيل مصباح كيروسين.
قال أحدهم بصوت خفيض:
— خلّص… الريحة هتفضحنا.
في صدر علاء شيء ثقيل، ليس خوفًا خالصًا.
مرّ أمامه باب بيته المغلق. فراش أطفاله المفروش باكرًا. صمت زوجته حين خرج صباحًا دون وعد.
مدّ يده إلى جيبه… ثم أنزلها.
لا شيء. فارغًا كما في الصباح.
صرخ.
خرج صوته أعلى مما ظن، مبحوحًا، كأنه لم يخرج من حنجرته وحدها:
— حريق! حرامية!
التفت الرجال مذعورين.
اندفع علاء نحو أقربهم، اصطدمت كتفاهما، وسقط المصباح من يد الثالث، تدحرج على الأرض، وانسكب الكيروسين كعرقٍ أسود.
أمسكه أحدهم من قميصه ودفعه. تراجع خطوتين، اصطدم بعتبة الباب المفتوح، واختل توازنه.
سقط داخل المخزن.
ارتطم ظهره بأجولة القمح، وفي اللحظة نفسها اشتعل المصباح.
لم يغلقوا الباب.
لم يفكروا.
فرّوا.
ارتفعت النار سريعًا، زحفت على الخشب، وامتلأ المكان بدخان خانق. حاول علاء النهوض، لكن قدمه انزلقت. زحف، سعل، ضرب بيده على الباب، صوته يتكسر في الطقطقة المتصاعدة.
ثم سمع اسمه.
— علاء!
أقدام تركض. صراخ. خشب يُكسر.
انفتح الباب.
امتدت يد، ثم يد أخرى. قبضوا عليه وسحبوه، وهو لا يدري أخرج من المخزن أم من شيء أثقل كان يحمله منذ الصباح.
سقط على العشب الندي، يسعل بعنف. وجهه مغطى بالرماد.
أخمدوا النار قبل أن تلتهم القمح.
جلس علاء، يحدق في كُمّ سترته. رمادٌ عالق. مدّ يده ليمسحه… ثم تركه.
اقترب شيخ الجامع. نظر إليه طويلًا، ثم وضع يده على كتفه دون كلام.
رفع علاء رأسه. قال بصوت متهدج:
— سامحوني… اللي كنت فاكره ذهب، طلع اسمه بس.
لم يُجب الشيخ.
ربت على كتفه مرة أخرى.
نظر علاء حوله. لم يرَ في العيون ما كان يتوقعه. لا شفقة، ولا خيبة. شيء أهدأ. أثقل.
شيء يشبه البقاء.
ظلّ الرماد على كُمّه.
وللمرة الأولى، لم يشعر أنه بحاجة إلى مسحه.
الخاتمة
لم يعد الرماد وصمة عارٍ يجب إخفاؤها، بل صار دليلاً على أن 'علاء' قد عبر النار وعاد. اكتشف في تلك الليلة أن الذهب ليس شيكاً بنكياً ضاع بسبب تشابه أسماء، بل هو تلك الأيدي التي امتدت لتسحبه من الهلاك. أحياناً، يجب أن تحترق الأوهام لنرى بوضوح من نحن، ومن يهتم حقاً لبقائنا.
إذا أعجبتك شجاعة المواجهة في اللحظة الأخيرة:
👈 اقرأ "
قنديل الأصابع المرتجفة": (التي تحدثنا عنها سابقاً) فكما واجه "علاء" النار رغم انكساره، واجهت "أمينة" الظلام والمخاوف لأجل حماية طفل. كلاهما وجد "النجاة" في لحظة نسيان الذات.
عن الصراع النفسي والأصوات الداخلية:
👈 اقرأ قصة "
معادلة السقوط الحر": "علاء" كان يصارع صوت خيبته في الحافلة، وفي هذه القصة ستعيش صراعاً آخر مع الصوت القابع في الرأس الذي يعد العدو الأكبر للبطل.
عن النهايات غير المتوقعة:
👈 اقرأ نوفيلا "
انتحال": إذا أثار اهتمامك موضوع "تشابه الأسماء" وسرقة الهوية أو اللقب، فهذه النوفيلا تأخذك في رحلة غموض أعمق حول الهويات الزائفة.
عاد 'علاء' من المدينة بخفي حنين بسبب تشابه أسماء حرمه من الجائزة، لكن القدر خبأ له اختباراً آخر عند مخزن الغلال. اقرأ قصة 'كُمّ الرماد' للكاتب جمال عسكر على موقع السَرَّاد، قصة واقعية عن الخيبة التي تتحول إلى نجاة.
الكلمات المفتاحية (Keywords) :
قصة كُمّ الرماد، جمال عسكر، قصص واقعية، أدب القصة القصيرة.
قصة عن تشابه الأسماء، حريق مخزن الغلال، الخيبة والنجاة، قصص إنسانية مؤثرة.
نظر علاء حوله فلم يرَ في العيون شفقة، بل شيئاً يشبه البقاء. هل مررت بلحظة خسرت فيها شيئاً مادياً لكنك كسبت نفسك أو تقدير من حولك؟ شاركنا قصتك في التعليقات، أو ناقش رمزية 'الرماد' معنا في مجتمع السَرَّاد على
Discord.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق