كيس بلاستيك شفاف
نوفيلا بقلم جمال عسكر
كيف يصبح الخوف سلعة قابلة للمشاركة
> أحيانًا لا نصبح أسوأ…
فقط نصبح أكثر قبولًا.
الفصل الثالث: شيطان بالتفويض
لم يكن النجاح في دور "المثقف الغامض" مشبعاً كما توقع عصام؛ بل كان مقززاً. شعر أنه يرتدي بدلة مهرج، لكن الجميع يصفقون له ظناً منهم أنها بدلة "سموكينج".
في صباح يوم الثلاثاء، استيقظ عصام وفي قلبه رغبة سوداء لزجة. لم يعد يريد إعجابهم، أراد خوفهم. أراد أن يترك ندبة، لا فكرة. "الاحترام يُستجدى، أما الخوف فيُنتزع،" تمتم عصام وهو يفرش أسنانه بعنف، مستعيداً عبارة قرأها في رواية بوليسية رخيصة. "سأجعلهم يكرهون اليوم الذي وُظفوا فيه."
دخل الشركة متأخراً عمداً. كانت العيون تتابعه بحذر. بدلته الرمادية المعتادة بدت اليوم وكأنها درع. جلس على مكتبه، وبدلاً من ترتيب الملفات، سحب ورقة بيضاء وقلماً أحمر عريض الخط. أراد كتابة رسالة تهديد صريحة. شيء مثل: "أنتم مجموعة من الحمقى وسأقوم بتخريب العمل." لكن، ولأن قناع "المثقف" لا يزال ملتصقاً بلسانه، وجد يده تكتب شيئاً أكثر تعقيداً، مستوحى من عناوين الكتب التي تكدست في شقته.
كتب بخط كبير وعدواني: "زمن الفوضى الخلاقة انتهى. مرحلة التطهير الجذري ستبدأ الآن. البقاء للأصلح فقط."
قام وعلق الورقة بمسمار غليظ في منتصف لوحة الإعلانات بجوار المطبخ، حيث يجتمع الموظفون للنميمة، وعاد لمكتبه يراقب الانفجار. توقع صراخاً، أو استدعاءً للتحقيق، أو حتى شجاراً. لكن ما حدث كان أغرب.
تجمع الموظفون حول الورقة. ساد صمت مطبق. همس "مدحت" ووجهه شاحب: "تطهير جذري؟ هل يقصد حملة تسريح؟" ردت زميلة أخرى وهي ترتعش: "انظروا إلى الخط الأحمر.. إنه تهديد مباشر. وعصام هو من علقها.. هل تذكرون كيف كان ينظر لنا أمس؟ إنه يعرف شيئاً.. إنه مرسال الإدارة العليا!"
بدلاً من الكره، دب الذعر المنتج في المكان. فجأة، اختفت أكواب الشاي. انكب الجميع على مكاتبهم يطبعون أوراقاً لا داعي لها. توقفت النكات. تحول المكتب إلى خلية نحل مرعبة من النشاط الهستيري.
استدعى المدير العام، الأستاذ "نبيل"، عصام إلى مكتبه. دخل عصام، مستعداً للطرد. فكر: "أخيراً، سأكون المنبوذ. سأكون الشرير الذي طردوه لأنه قال الحقيقة."
كان الأستاذ نبيل يمسح عرقه بمنديل قماشي، وأمامه الورقة ذات الخط الأحمر التي انتزعها من اللوحة. "أستاذ عصام.." قال المدير بصوت مهتز، "لقد قرأت.. التوجيه الذي علقته." صمت عصام. هذا هو وقت العقاب. تابع المدير وهو يخفض صوته متآمراً: "هل.. هل جاءتك تعليمات من (فوق)؟ أعني.. من أصحاب الشركة؟ هل هم غير راضين عن أدائي؟"
ذهل عصام. المدير يظن أنه جاسوس للإدارة العليا! قرر عصام أن يركب الموجة. قطب جبينه ونظر للمدير بازدراء مصطنع (كما تعلم في الصالون الثقافي): "الأداء.. نسبي يا أستاذ نبيل. لكن الترهل الإداري.. جريمة لا تغتفر."
ابتلع المدير ريقه. "فهمت.. فهمت تماماً. أنت محق. نحن بحاجة ليد من حديد. اسمع يا عصام، بصفتك.. ممثلاً للرؤية الجديدة، أريدك أن تتسلم ملف (ضبط الجودة). أي موظف تراه متكاسلاً، ارفع لي اسمه فوراً. لك الصلاحية الكاملة."
خرج عصام من المكتب وهو يحمل ملفاً جديداً وصلاحيات واسعة. لم يصبح شريراً منبوذاً. لقد أصبح "الجلاد الرسمي" للمؤسسة. كلما سار في الممر، انفتحت له الطريق كأنهم يرون وحشاً. كلما نظر لأحد، ركض ذلك الشخص للعمل. حاول أن يسرق دباسة زميله ليغيظه، فما كان من الزميل إلا أن قال بسرعة: "خذها يا باشا! تفداك! هل تريد خرامة أيضاً؟"
عاد عصام لمكتبه، وجلس يحدق في الفراغ. لقد أراد أن يكون "شيطاناً" متمرداً يكسر القواعد، فجعلته القواعد "مديراً". أراد أن يصرخ في وجوههم، فصاروا يركعون له. اكتشف حقيقة مرعبة: الشر في هذا العالم ليس رجلاً يضحك ضحكة شريرة، بل هو موظف يمسك دفتراً وقلماً أحمر.
في تلك اللحظة، رن هاتفه. إشعار من فيسبوك. أحد الموظفين صور الورقة المعلقة وكتب: "أخيراً، إدارة حازمة في الشركة. شكراً أستاذ عصام على تنظيف المستنقع." المنشور حصد 50 "لايك" في دقائق. التعليقات كلها تمجيد: "يا ريت عندنا مدير مثلك"، "شخصية قيادية فذة".
نظر عصام للهاتف. الشر لم ينجح فقط في الواقع. الشر -أو ما يبدو كقوة مسيطرة- هو "تريند" محتمل. ابتسم عصام ابتسامة لم تصل لعينيه. "إذن، هم يحبون الجلادين؟ سأعطيهم جلاداً لم يروا مثله من قبل."
✦ ✦ ✦
الفصل الرابع
سجن التريند
(أو: كيف تصبح القسوة قابلة للمشاركة)
لم يبدأ الأمر برغبة في الشهرة.
بدأ بإشعار صغير، ظهر أعلى الشاشة، ثم اختفى.
ضغط عصام عليه بلا اهتمام.
ثم عاد إليه بعد دقيقة.
ثم بعد عشر.
كان هاتفه، لأول مرة، أخف من صدره.
في الشركة، تغيّر شيء لا يُمسك باليد.
لم تعد النظرات خوفًا فقط، بل ترقّبًا.
صار الموظفون يتهامسون باسمه خارج المكتب، لا داخله.
يتداولون صوره، كأنها تعليمات غير مكتوبة.
أحدهم صوّره من بعيد، وهو واقف صامتًا عند ماكينة القهوة.
الصورة خرجت مظلمة قليلًا، ظله أطول من اللازم.
التعليق:
المدير اللي ما بيهزرش.
لم يعترض عصام.
الاعتراض موقف، وهو لم يعد صاحب مواقف…
بل صاحب صورة.
صار يدخل المكتب كما لو كان يدخل كادرًا.
يمشي ببطء محسوب.
يصمت أكثر مما يجب.
يتحدث أقل مما يطمئن.
وكلما قلّ، زاد.
في المساء، كان يجلس وحده، يتصفح.
أسماء لا يعرفها تمدحه.
وجوه لا تخصه تخافه.
اللايكات تتراكم، كأنها دليل وجود.
إذن… أنا موجود.
قالها لنفسه دون صوت.
في اليوم الذي انكسرت فيه الماسورة، لم يكن مزاجه سيئًا.
كان محايدًا، وهذا أخطر.
جاءه العم عثمان، يجر قدميه، والمياه تتسرب من تحت الدرج. — يا أستاذ عصام… الماسورة بايظة، والمية داخلة على الكهربا.
نظر عصام إلى الأرض المبتلة.
ثم إلى عثمان.
ثم إلى هاتفه، الذي كان في يده بالفعل.
قال بفتور: — ما تكلّم الإدارة؟
رد عثمان ببساطة: — قلت أجرب معاك الأول.
رفع عصام الهاتف. لم يفكر. لم يخطط. فتح الكاميرا.
— لايف.
ظهر عثمان في الإطار، مرتبكًا، لا يعرف أين ينظر.
المياه خلفه، صوته مبحوح.
قال عصام بنبرة هادئة: — شوفوا الإهمال.
— شوفوا العشوائية.
— الناس دي مش فاهمة إن النظام مش هزار.
لم يكن يكذب.
لكنه كان يختار زاوية واحدة فقط من الحقيقة.
التعليقات انهالت: راجل محترم.
هو ده الحزم.
البلد محتاجة ناس كده.
عثمان لم يفهم.
قال بصوت خافت، خرج صداه عبر البث: — هو أنا عملت حاجة غلط يا بني؟
تجمدت الجملة في الهواء.
لكن عصام لم يسمعها.
كان مشغولًا بالعداد الذي يرتفع.
أنهى البث.
قال: — روح يا عم عثمان، هنتصرف.
ابتسم عثمان ابتسامة صغيرة، ممتنة.
ومشى.
ظل عصام واقفًا، يحدق في الشاشة.
الإشعارات تتلاحق.
اسمه يُكتب، يُعاد، يُتداول.
لم يشعر بالنشوة.
شعر بشيء أشبه بالخدر.
في الليل، لم يستطع النوم.
كان الهاتف بجواره، ككائن يتنفس.
كلما أضاء، أضاء داخله شيء.
وكلما أظلم، شعر بفراغ مفاجئ.
حاول أن يتذكر الكيس البلاستيك.
لم ينجح.
في الصباح، رأى عثمان جالسًا على الدرج، ينظر إلى الأرض.
الماسورة أُصلحت.
الكهرباء عادت.
لم يتكلم أيٌّ منهما.
مرّ عصام،
وتردد لحظة…
ثم أكمل.
في المكتب، أصبح معروفًا.
في الإنترنت، أصبح “ظاهرة”.
وفي داخله…
بدأ شيء قديم يموت ببطء.
لم يعد يخاف أن يُنسى.
صار يخاف أن يُطفأ.
وفي منتصف اليوم، وهو يتصفح تعليقًا جديدًا يقول:
الراجل ده أسطورة،
شعر بوخزة سريعة، لم يفهمها.
كأن أحدًا ما، في مكان بعيد،
كان يجلس بصمت،
ويُطعم قطة.
لكنه أغلق الهاتف.
التريند لا ينتظر المترددين.
✦ ✦ ✦
الفصل الخامس
لقاء المرآة
(أو: كيف يبدو النجاح حين يفرغ من الدهشة)
لم يذهب عصام إلى اللقاء بدافع الفضول، بل بدافعٍ أقرب إلى المجاملة الثقيلة. كان الاسم الذي ظهر على شاشة هاتفه مألوفًا أكثر مما ينبغي: طارق. صديق قديم، زميل دراسة، أحد أولئك الذين كانوا يجلسون في الصفوف الخلفية ويضحكون بصوت أعلى من اللازم، ثم اختفوا فجأة… ليظهروا لاحقًا في كل مكان.
التقيا في مطعم أنيق يطل على النيل. المكان نظيف أكثر من اللازم، الإضاءة مدروسة، والضحك مضبوط على درجة مقبولة اجتماعيًا. نهض طارق ليستقبله بحرارة مصطنعة، عناق سريع، ربتات محسوبة على الظهر، ثم جلسا.
قال طارق وهو يبتسم للكاميرا قبل أن يبتسم لعصام:
— أخيرًا يا عم! بقالنا سنين ما شفناش بعض.
لم يرد عصام فورًا. كان يتأمله. الوجه نفسه، لكن أكثر صقلًا، أقل صدقًا. الصوت أعلى، لكن النبرة أخف. رجل يعرف متى يضحك، ومتى يصمت، ومتى ينظر إلى هاتفه كأنه ينظر إلى ذاته الحقيقية.
تحدث طارق كثيرًا. عن الشغل، عن البرامج، عن المتابعين، عن الضغط، عن الناس التي تراقبه في كل حركة. قال ذلك بنبرة شكوى، لكنها كانت شكوى محفوظة، تُقال كثيرًا، وتُستقبل دائمًا بتعاطف جاهز.
ثم قال فجأة، وهو يضع هاتفه على الطاولة مقلوبًا، كمن يضع سلاحًا جانبًا:
— تعرف؟ أنا بحسدك.
رفع عصام حاجبيه.
— على إيه؟
ضحك طارق ضحكة قصيرة، حقيقية هذه المرة:
— على إنك عادي.
— تقدر تمشي في الشارع، تأكل فول، تشتم، تسكت، من غير ما حد يصورك.
— أنا… لو عطست، يقولوا “النجم عطس”.
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف:
— الشهرة مش زي ما الناس فاكرة. هي قفص شيك.
ظل عصام صامتًا. لم يشعر بالشماتة، ولا بالتعاطف. شعر بشيء أشبه بالبرد. هذا الرجل الذي كان يحسبه “ناجحًا”، بدا فجأة كنسخة مكبرة من قلقه هو، لا أكثر.
قال عصام بهدوء:
— بس الناس فاكرة إنك وصلت.
هز طارق كتفيه:
— وصلت؟ آه.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة:
— بس ما فيش حد بيوصل… من غير ما يسيب نفسه في النص.
نظر عصام إلى الطاولة. إلى الكأس، إلى الملعقة، إلى انعكاس وجهه في الزجاج المصقول. لم يرَ نفسه كما هو الآن، بل كما يمكن أن يصير. رجل يتقن القناع إلى درجة ينسى ما تحته.
تحدثا قليلًا عن الذكريات. أسماء قديمة، ضحكات منسية، نكات لم تعد مضحكة. الوقت مرّ ببطء، كأنه يريد أن يترك أثرًا.
عند الوداع، قال طارق وهو يعانقه مرة أخرى:
— خليك زي ما أنت.
— الخفة دي نعمة.
خرج عصام من المطعم، ووقف لحظة عند الرصيف. السيارات تمر، النيل ثابت، والمدينة تمارس عادتها في الاستمرار. أخرج هاتفه، فتحه، ثم أغلقه دون أن ينظر.
لأول مرة منذ الجنازة، شعر بأن الطريق الذي يسير فيه له نهاية واضحة. ليست مأساوية، ولا سعيدة، بل ملساء، لامعة، ومكتظة بالتصفيق.
فهم أخيرًا أن طارق لم يكن استثناءً. كان نموذجًا مكتملًا. تافهًا باحتراف، ناجحًا بلا جوهر، محاطًا بالضوء، ومحرومًا من الظل.
قال عصام في سرّه، دون غضب هذه المرة:
إذا كانت هذه هي الذكرى التي يصنعها الضوء…
فربما الظل أصدق.
وسار، لا عائدًا تمامًا، ولا منطلقًا، بل مترددًا لأول مرة منذ بدأ كل شيء.
✦ ✦ ✦
🔗 [رابط الجزء الأول]
https://alsarrad.gamalasker.com/2026/01/kis-plastic-shafaf-part1.html


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق