السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الثلاثاء، 13 يناير 2026

كيس بلاستيك شفاف

كيس بلاستيك شفاف

نوفيلا بقلم جمال عسكر



الشرارة : حين تكتشف أن حياتك قابلة للاختصار.

> هذه ليست بداية صعود،

بل لحظة إدراك أن العادي قد يكون أخطر أشكال الفناء.

لم تكن المشكلة أن الميت قد مات، بل أن موته بدا عادياً لدرجة الفزع.

❧ ❧ ❧

الفصل الأول: ميراث الجيوب المثقوبة


وقف "عصام" وسط الحشد المتصبب عرقاً أمام باب المقبرة، يمسح جبهته بكم قميصه بعد أن تفتت المنديل الورقي في يده. الشمس كانت عمودية، قاسية، وتجبر الجميع على النظر إلى الأسفل، نحو التراب. بجانبه، كان مدير الموارد البشرية يهمس لزميل آخر وهو يهوّي على وجهه بجريدة مطوية: "هل كان اسمه عبد الرحيم أم عبد الغفور؟ جهزتُ نعي الشركة باسم عبد الرحيم." رد الزميل وهو ينظر في هاتفه خلسة: "أظنه عبد الستار.. الذي كان يجلس في الزاوية.. أليس كذلك؟"

انتهى الدفن، وأغلق "التربي" الباب الحجري بصوت ثقيل. وبينما كان المعزّون يهمهمون بكلمات المواساة التقليدية "شـد حيلك" و"البقاء لله"، اقترب رجل مسن (يبدو أنه قريبه الذي استلم الجثمان من المستشفى) من ابن الميت، ومد له كيساً بلاستيكياً صغيراً وشفافاً.

همس الرجل بصوت مسموع لعصام الواقف قريباً: "يا بني، هذه الأمانات التي وجدناها في جيوب ملابسه عندما غسّلناه.. خذها."

أخذ الابن الكيس ويده ترتجف. كان الكيس شفافاً، يكشف بوضوح وقسوة عما تبقى من "عبد الستار" في ساعته الأخيرة. وقعت عينا عصام على المحتويات، وتسمّر مكانه.

لم تكن كنوزاً، ولم تكن وصية. كانت "ميدالية مفاتيح" رخيصة على شكل كرة قدم مقشرة الطلاء. شريط دواء "راني" لعلاج الحموضة، استُهلك نصفه. ولاعة زرقاء بلاستيكية من النوع الذي يُباع بجنيهين. وورقة مطوية صغيرة، برزت منها جملة بخط يد مرتعش: كيلو خيار، لمبات موفرة، دواء ضغط.

شعر عصام ببرودة تسري في أطرافه رغم القيظ. مد يده ببطء، بحركة آلية مرعبة، إلى جيب بنطاله. أخرج مفاتيحه.. كانت معلقة في ميدالية "كرة قدم" مشابهة اشتراها من البائع المتجول في المترو. تحسس جيبه الآخر.. أخرج شريط "راني". هو أيضاً يعاني من حموضة مزمنة بسبب قهوة المكتب الرديئة. تذكر الورقة التي في جيب قميصه.. قائمة طلبات كتبتها زوجته الصباح الماضي: عيش فينو، دواء كحة للولد، وكيس مسحوق غسيل.

حدق عصام في الكيس الذي بيد الابن، ثم في يده المفتوحة. التطابق لم يكن في الأشياء فقط، بل في "تفاهة" الأشياء. خمسون عاماً من الحياة انتهت في كيس بلاستيك يحوي دواءً للحرقان وقائمة مشتريات لم تكتمل. هذا هو "عبد الستار". وهذا هو، بالضبط، "عصام". نسخة كربونية باهتة تنتظر دورها لتوضع في كيس.

"وحدوه.." صاح صوت التربي الأجش قاطعاً حبل أفكاره. "لا إله إلا الله.." تمتم الجمع.

تراجع عصام للخلف. شعر فجأة أن البدلة التي يرتديها تضيق عليه، وأن الهواء في المقابر لا يكفي لتنفسه. نظر حوله، رأى الزملاء يفكرون في الغداء، والمدير يفكر في الاسم الصحيح للنعي.

في طريق العودة، قاد عصام سيارته بصمت مطبق. لم يشغل الراديو. كان صوت الحقيقة في رأسه أعلى من أي ضجيج. أخرج شريط دواء الحموضة من جيبه، نظر إليه بازدراء، ثم قذفه من نافذة السيارة. "لن أنتهي في كيس بلاستيك.. لن أكون مجرد قائمة خضار لم تُشترى."

أخرج هاتفه وسجل بصوت يغلفه هدوء ما قبل العاصفة: "الدرس الأول: حياتنا تتسع في جيب واحد. الخطة: تفجير الجيب. يجب أن أفعل شيئاً يجعلهم لا يجرؤون على اختصار حياتي في ميدالية صينية وشريط دواء."

داس على البنزين بقوة، مبتعداً عن المقابر، ومتجهاً نحو أولى خطواته الطائشة في حرب الوجود.

✦ ✦ ✦

 

الفصل الثاني: ثقل المعرفة 


كانت المشكلة في الكتب أنها ثقيلة، ثقيلة جداً من الناحية الفيزيائية البحتة، قبل أن تكون ثقيلة معرفياً.

وقف "عصام" أمام باب العمارة، يصارع كومتين من المجلدات الضخمة التي اشتراها من سور الأزبكية "بالكيلو". العرق يتصبب في عينيه، ورائحة الورق القديم والغبار تملأ أنفه. كان قد اختار العناوين بعناية فائقة لتبدو مرعبة: نقد العقل المحض، جينالوجيا الأخلاق، تفكيك العدمية في زمن الاستهلاك. لم يكن يفهم العناوين، لكن الأغلفة كانت داكنة وجادة بما يكفي لتخويف أي شخص يجرؤ على اعتباره "عادياً".

"يا ساتر.. هل قررت أن تفتح مكتبة يا أستاذ عصام؟" جاء الصوت من الغرفة الصغيرة أسفل الدرج. خرج "العم عثمان"، البواب السبعيني، بظهره المنحني وابتسامته التي تظهر سناً ذهبية وحيدة، مرتدياً جلبابه المخطط وممسكاً بكوب شاي. سارع لالتقاط الكومة العليا قبل أن تسقط من يد عصام المرتجفة.

"لا يا عم عثمان.." رد عصام وهو يلهث، محاولاً رسم ملامح الجدية، "هذه مراجع.. لمشروع فكري ضخم أعمل عليه. الإنسان بلا فكر كالجسد بلا روح." نظر عثمان إلى كتاب الوجود والعدم في يده، مسح الغبار عنه بطرف جلبابه وقال ببراءة جارحة: "المهم أن يكون الكلام اللي جوه حلو يا بني، ويريح القلب. أصل الورق كثير، بس اللي يفهم قليل."

شعر عصام بوخزة. جملة بسيطة من رجل لا يفك الخط، جعلت مشروعه يبدو سخيفاً للحظة. استرد الكتب بسرعة وتمتم بشكر مقتضب وصعد السلم. "ماذا يفهم هو؟" حدث نفسه وهو يصعد الدرجات، يطرد صورة عثمان من رأسه. "إنه سعيد بمسح السلالم وشرب الشاي. أنا مختلف. أنا أبحث عن الخلود."

في مساء اليوم التالي، قرر عصام تنفيذ خطته. ارتدى قميصاً أسود بياقة عالية (رغم حرارة الجو)، ووضع نظارة طبية بإطار سميك (اشتراها من بائع إكسسوارات، فنظره 6/6)، وتوجه إلى "صالون التنوير"، مقهى ذو إضاءة خافتة ودخان كثيف في وسط البلد، يرتاده من يسمون أنفسهم "النخبة".

جلس في زاوية، وضع كتاب الوجود والعدم أمامه كأنه لغم، وأشعل سيجارة لم يدخنها، تركها تحترق في المنفضة ليصنع هالة من الدخان حوله.

بدأ النقاش في الصالون. تحدث شاب طويل الشعر عن "الميتافيزيقا"، وفتاة تدخن بشراهة عن "الاغتراب". كان الكلام يدور فوق رأس عصام كطائرة بدون طيار، مصطلحات معقدة عن "البنيوية" و"ما بعد الحداثة". لكنه لم يرتبك. تذكر القاعدة الذهبية التي قرأها في مقال بعنوان كيف تبدو ذكياً في 3 خطوات:

اصمت طويلاً.

انظر للناس بنظرة "الشفقة على جهلهم".

قل جملة غامضة تحتمل ألف معنى.

فجأة، توجهت الأنظار إليه. سأله مدير الجلسة: "وأنت يا أستاذ.. شكلك يوحي بأن لديك رأياً مختلفاً. ما رأيك في جدلية الحضور والغياب عند دريدا، وعلاقتها بأزمة الهوية في مجتمعنا؟"

تجمد عصام داخلياً. الحضور والغياب؟ هو خبير في الغياب، فهو يمارسه كل يوم وهو حي. لكن من هو "دريدا"؟ أخذ رشفة بطيئة من قهوته المرة، نظر إلى السقف بتأمل مصطنع، ثم أنزل بصره ببطء نحو السائلين وقال بصوت خافت وهادئ جداً: "السؤال نفسه فخ.." صمت لثانية ليترقب الأثر. رأى فضولاً في العيون، فتابع بجرأة استمدها من يأس حياته: "أنتم تتحدثون عن الحضور.. لكن الحقيقة الوحيدة هي الفراغ. نحن مجرد هوامش تحاول أن تكتب نفسها في متن الصفحة.. والحبر قد جف منذ زمن. دريدا لم يقل شيئاً لم يقله الصمت من قبل."

ساد صمت ثقيل في المكان. خاف عصام. هل كشفوه؟ هل قال حماقة؟ فجأة، تنهدت الفتاة المدخنة (سارة) بإعجاب: "يا إلهي! هذا تفكيك راديكالي مذهل! أنت نسفت المنهجية البنيوية في جملة واحدة!" همهم الحضور بإعجاب: "عميق جداً.." ، "فلسفة العدم الحقيقية..".

نجح القناع. لم يفهموا أنه لا يقصد الفلسفة، بل يقصد حياته التافهة. هم ظنوا فراغه "عمقاً"، ويأسه "عدمية". بعد الجلسة، اقتربت منه سارة. "أنا سارة. لم أسمع أحداً يتحدث بهذا التعالي الجميل على الحياة من قبل. أنت تبدو كشخص رأى الهاوية وابتسم لها."

ابتسم عصام ابتسامة غامضة. "الهاوية هي مكتبي في الشركة يا آنسة سارة." ضحكت ظانةً أنها استعارة أدبية بليغة. "يا لك من ساخر عظيم!"

عاد عصام إلى منزله منتشياً. لقد اكتشف السر: الناس تخاف مما لا تفهمه، وتحترم ما تخافه. صمته وغموضه جعلاه "مهماً".

في صباح اليوم التالي، دخل الشركة. لم يقل "صباح الخير" المعتادة بصوت منكسر. دخل بنظارته السميكة، وقميصه الأسود، ووجهه الجامد. مر بجوار "مدحت"، زميله الثرثار، ونظر إليه نظرة طويلة، صامتة، ومقلقة، ثم هز رأسه بأسف وأكمل طريقه لمكتبه دون كلمة.

همس مدحت لزميله بخوف: "هل رأيت نظرة عصام؟ إنه يبدو غريباً.. هل تظن أنه يعرف شيئاً لا نعرفه؟ هل هناك قرارات فصل قادمة وهو يعلم بها؟" "لا أدري.. لكنه تغير.. أصبح يبدو.. خطيراً."

جلس عصام على مكتبه، ولم يفتح ملفات الأرشيف. فتح كتاباً ضخماً، ووضعه أمامه، وجلس يراقبه بصمت. من بعيد، كان المدير يراقب هذا التحول بقلق. موظف الأرشيف الوديع تحول فجأة إلى كتلة صامتة مرعبة. "ماذا يخطط هذا الرجل؟" تمتم المدير لنفسه، "الهدوء لا يأتي إلا قبل العاصفة.. أو التفتيش المالي."

——— ✧ ———



يتبع...

ما قرأته ليس بداية الحكاية،  
بل لحظة إدراك.  

الجزء القادم عن الكيفية التي يتحوّل بها الخوف إلى هيبة،  
ثم إلى سلطة.  






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot