المشهد الثامن: ذاكرة من رماد
لم ينتظر عدي الموافقة.
بمجرد أن نطق الصوت المزدوج بكلمة "صاحبي"، انهار العالم.
لم تسقط جدران الغرفة، بل ذابت.
اختفت الشاشة الزرقاء، واختفى ظلام الغرفة الهادئ.
فجأة… ودون مقدمات، ضربته الحرارة.
حرارة ليست طبيعية. حرارة لها وزن، تضغط على الصدر وتلسع الجلد.
وشم رائحة شيء واحد فقط: الكيروسين .
الآن.
هو ليس في غرفته.
هو يركض.
قدماه العاريتان تضربان أرضية خشبية ساخنة.
قلبه يدق بسرعة لا يمكن لقلب عدي أن يتحملها. هذا قلب ثور هائج.
الرؤية:
الدخان الأسود الكثيف يعمى البصر.
الرؤية ضبابية، مهتزة، مشوشة بالدموع والسخام.
"هدى!… يارا!… محمد!"
الصرخات تخرج من حنجرته، لكنها ليست صرخات استغاثة. إنها زئير رعب.
الفعل:
يداه (يدان ضخمتان، مشعرتان) تمسكان بمقبض باب غرفة النوم.
المقبض يغلي. المعدن يحرق باطن كفه، لكنه لا يتركه.
"افتحي! افتحي يا هدى!"
الباب مغلق.
ليس مغلقاً بالمفتاح.
إنه "مُسمَّر".
الخشب لا يتحرك. هناك شيء ثقيل يسد الباب من الداخل؟ لا… من الخارج؟
الذاكرة مشوشة، لكن الشعور بالقهر واضح.
دفع الباب بكتفه.
مرة. (صوت تكسر الخشب).
مرتان. (صوت صراخ مكتوم يأتي من الداخل… صراخ أطفال يختنقون).
الثالثة.
انفتح الباب.
لكنه لم يرَ غرفة النوم.
رأى جداراً من النار.
النار لم تكن عشوائية. كانت مرسومة. خطوط من النار تزحف على الستائر، وتلتهم السرير.
وسط اللهب، رأى "السرير".
كانوا هناك.
الزوجة. والأطفال.
لكنهم لم يكونوا يصرخون.
كانوا… ساكنين .
قبل أن تصلهم النار، كانوا ساكنين.
الدماء على الوسائد كانت تلمع تحت ضوء اللهب البرتقالي. دماء قديمة، جافة.
تجمد "منصور/عدي" في مكانه.
النار لم تقتلهم.
لقد ماتوا قبل النار.
وفي تلك اللحظة، وسط طرقعة الخشب وهدير اللهب، التقطت أذناه صوتاً دخيلاً.
صوت حركة خلفه.
في الصالة.
التفت بسرعة.
وسط الدخان، رأى ظلاً .
ليس شبحاً. رجل.
رجل يرتدي جاكيت جلد أسود، يغطي رأسه بقبعة، ويقف عند باب الشقة المفتوح.
الرجل لم يكن يهرب.
كان يقف… ويشاهد.
وفي يده "جركن" أصفر.
صرخ منصور: "مين؟!
استدار الرجل.
لم يرَ وجهه. رأى فقط انعكاس النار على "خاتم فضي" كبير في إصبعه الأوسط.
ثم ألقى الرجل عود ثقاب مشتعل على الأرضية المبتلة بالكيروسين عند المدخل.
وانفجر العالم.
طارت النيران كالأفاعي لتعزل منصور عن المخرج.
سقط منصور على ركبتيه.
السقف بدأ يتداعى.
نظر إلى السرير (حيث جثث عائلته).
ونظر إلى النار التي تحاصره.
شعر بالاختناق. ليس من الدخان… بل من العجز.
رفع يديه إلى رأسه وصرخ صرخة لم يسمعها أحد…
العودة:
"هاااااااااااااااااااااااااااااه!"
شهق عدي شهقة طويلة، جارحة، وسقط عن كرسيه في غرفته.
ارتطم بالأرض بقوة.
كان يلهث بجنون. يده تتحسس وجهه وشعره بخوف.
"حريقة… حريقة!"
صرخ بصوت مبحوح وهو يزحف للخلف، بعيداً عن الحاسوب.
تحسس جلده.
كان بارداً. العرق يغطيه، لكن لا توجد حروق.
لا توجد نار.
الغرفة مظلمة وباردة.
لكن الرائحة…
رائحة "الكيروسين" كانت لا تزال عالقة في أنفه، قوية، نفاذة، وحقيقية لدرجة الغثيان.
استند عدي بظهره إلى السرير.
وضع يده على قلبه الذي كاد يكسر ضلوعه.
وفي رأسه، جاء صوت منصور.
هذه المرة، لم يكن الصوت غاضباً، ولا مبتسماً.
كان صوتاً مكسوراً، باكياً، ومهزوماً:
"شوفت؟… قتلهم ومشي… وسابني أنا أولع."
نظر عدي إلى يده المرتعشة.
ثم نظر إلى شاشة الحاسوب التي لا تزال مضيئة.
لم يعد هناك مجال للشك.
منصور قاتل؟ ربما لا.
منصور ضحية؟ بالتأكيد نعم.
لكن السؤال الأخطر الآن:
من هو صاحب الخاتم الفضي؟
المشهد التاسع: ما رسمته اليد
الوقت فقد معناه.
الساعة على الحائط كانت تشير إلى رقم ما، لكن عدي لم ينظر.
لم يكن في الغرفة ليل ولا نهار.
فقط ضوء المصباح، أبيض، مباشر، بلا رحمة.
جلس على حافة السرير.
ظهره منحني قليلًا، كأن حملًا وُضع عليه دون استئذان.
أنفاسه عادت إلى وتيرتها الطبيعية، لكن شيئًا في الداخل لم يعد كما كان.
فتح درج المكتب.
لم يكن يبحث عن شيء.
الدرج انفتح وحده تقريبًا.
أخرج ورقة بيضاء.
ثم أخرى.
ثم توقف.
القلم…
قلم رصاص عادي، قصير، مكسور السن قليلًا.
لم يتذكر آخر مرة أمسك فيه قلمًا.
جلس إلى المكتب.
وضع الورقة أمامه.
عدّلها بزاوية دقيقة.
ضبط المسافة بينها وبين حافة المكتب.
كل هذا تمّ دون قرار.
ظل ينظر إلى الورقة لحظة.
بياضها كان مزعجًا.
كأنه يتحداه.
ثم…
تحركت يده.
ليس بسرعة.
ولا بتردد.
خط واحد.
ثم توقف.
خط آخر، منحني قليلًا.
ضغط القلم زاد.
خفّ.
عاد.
عدي كان يراقب يده كما يُراقَب كائن غريب في وعاء زجاجي.
لم يشعر بالأصابع.
لم يشعر بالمعصم.
فقط يرى.
الرسم لا يشبه رسم الهواة.
ولا يشبه رسم المحترفين.
يشبه التذكّر.
الدائرة اكتملت.
سطح أملس.
لمعة معدنية.
ثم…
تفصيلة صغيرة.
نقشة خفيفة على الحافة.
غير منتظمة.
كأن المعدن ضُرب مرة… ولم يُصلَح.
توقفت اليد فجأة.
ثقل سكن أطراف أصابعه.
في رأسه، جاء صوت منصور.
لا أمر فيه، ولا استعجال:
“كفاية.”
ترك القلم.
سقط على المكتب بصوت خفيف، لكنه بدا عاليًا في الغرفة الصامتة.
نظر عدي إلى الورقة.
لم يكن وجهًا.
لم يكن شخصًا.
كان خاتمًا.
لكن ليس أي خاتم.
خاتم يمكن التعرف عليه وسط ألف يد.
خاتم له وزن… حتى على الورق.
مدّ يده ليلمس الرسم.
أصابعه توقفت قبل أن تلامسه.
خاف.
ليس من الرسم…
بل من إحساس غريب، يقيني، لا يقبل الشك:
لو مرّ هذا الخاتم أمامه في الشارع،
سيتوقف قلبه نصف ثانية…
وسيتعرّف عليه.
ابتلع ريقه.
قال بصوت واطئ، كأنه يساوم: “وبعدين؟”
لم يأتِ الرد فورًا.
ثانيتان.
ثلاث.
ثم جاء الصوت، أهدأ من قبل، وأكثر حسمًا:
“دلوقتي… نستنّى.”
“نستنّى إيه؟”
صمت.
لكن الإحساس لم يصمت.
إحساس بأن شيئًا بدأ يتحرك في الخارج.
ليس الآن.
لكن قريبًا.
طوى عدي الورقة ببطء.
وضعها داخل كتاب قديم على المكتب.
كتاب لم يفتحه منذ سنوات.
أغلقه.
وقف.
في المرآة الصغيرة المعلّقة خلف الباب،
رأى نفسه.
الوجه هو وجهه. أما العينان… ففيهما شك.
اقترب خطوة.
نظر أعمق.
ولأول مرة منذ بدأت الحكاية،
لم يرَ خوفًا.
رأى استعدادًا.
وفي الداخل،
في الركن الذي صار مأهولًا،
جلس منصور في صمت.
لم يبتسم.
كان ينتظر.
❧ ❧ ❧
المشهد العاشر: ذاكرة الورق
المكان لا يتغير.
الأرشيف.
ممرات طويلة من الرفوف المعدنية تنوء بحمل الأوراق الصفراء المتآكلة، وتعبق برائحة غبار قديم.. هي ذاتها رائحة الزمن.
هنا، يشعر عدي عادةً بالأمان. بين الأموات الذين صاروا أرقاماً في ملفات، لا أحد يؤذي أحدًا.
لكن اليوم، الأمان ليس ما يبحث عنه.
جلس إلى مكتبه الخشبي المتهالك في زاوية القاعة الكبرى.
أخرج الورقة المطوية من جيبه.
بسطها أمامه.
الرسم ما زال يحمل نفس الثقل. الخاتم المرسوم بالرصاص يكاد يلمع تحت ضوء النيون الباهت.
زملاؤه يمرون، يلقون تحيات صباحية فاترة، لا ينتبهون لشيء.
لا يلاحظون أن "عدي" يجلس مستقيماً أكثر من اللازم، وأن عينيه تمسحان المكان بتركيز صياد، لا شرود موظف.
فتح عدي "فهرس الأختام والعائلات". مجلد ضخم، مجلد لا يفتحه أحد إلا نادراً لتوثيق عقود بيع أراضي قديمة أو نزاعات ميراث.
بدأ يقلب الصفحات.
الصفحة الأولى.. العاشرة.. الخمسون.
أشكال هندسية، نباتية، حروف متداخلة.
في رأسه، كان الصمت مطبقاً.
منصور لا يتدخل.
احترم "أهل الاختصاص". ترك عدي يقود الدفة.
توقفت يد عدي.
الصفحة 112.
في الزاوية السفلى.
نفس النقشة.
دائرة بداخلها "حرفان" متشابكان بخط ديواني معقد، وفوقهما شكل يشبه "الميزان" المقلوب.
قرأ الاسم المكتوب تحت الشعار.
الاسم لم يكن غريباً.
إنه اسم يتردد في الصحف، وفي افتتاحات المشاريع الخيرية، وفي أخبار الاقتصاد.
"سليم العزيزي"
(رجل أعمال، صاحب شركات استيراد، وواجهة محترمة جداً).
وضع عدي إصبعه على الاسم.
همس: "لقيناه."
في تلك اللحظة، تحرك الساكن في رأسه.
لم يتكلم منصور.
لكن عدي شعر بـ "موجة" من الحرارة تعبر جسده.
حرارة تشبه تلك التي شعر بها في الحريق.
ذاكرة سريعة ومباغتة ومضت في عقله:
صوت هذا الاسم "العزيزي" يتردد في مخزن مهجور... وصوت ضحكات... وصوت عد نقود.
أغلق عدي المجلد ببطء.
الآن عرف الاسم.
وعرف العدو.
رفع سماعة الهاتف الأرضي على مكتبه.
لم يتصل بالشرطة.
لم يتصل بأحد.
فقط رفع السماعة ليسمع الحرارة.
طنين مستمر.. طويل.. وممل.
قال مخاطباً نفسه، أو مخاطباً الآخر:
"ده راجل كبير... مش هنقدر نوصل له."
جاء الرد من الداخل، ساخراً، بارداً، وواثقاً:
"مش احنا اللي هنوصل له... هو اللي هيجي."
وضع عدي السماعة.
نظر إلى الرسمة مرة أخيرة.
ثم مزق الورقة إلى قطع صغيرة جداً، وألقاها في سلة المهملات.
لم يعد بحاجة للرسم.
الصورة حفرت في الذاكرة.
نهض من مكتبه.
أخذ سترته.
ولأول مرة في تاريخ وظيفته، قرر عدي أن يغادر العمل قبل الموعد بساعتين.
لأن هناك عملاً آخر... أكثر أهمية.
❧ ❧ ❧
المشهد الحادي عشر: توقيع من الرماد
كان مبنى "مجموعة العزيزي" يرتفع وسط الحي التجاري كإصبع من زجاج وفولاذ يشير بوقاحة إلى السماء.
كل شيء هنا يلمع. الأرضيات الرخامية، الأبواب الدوارة، وحتى وجوه الموظفين بدت مصقولة بعناية لتخفي أي أثر للتعب البشري.
دخل عدي من الباب الدوار.
لم يكن يرتدي ملابس فاخرة، لكنه لم يكن يرتدي ملابس رثة. كان يرتدي "اللامبالاة".
مشى بثقة رجل يعرف أن لا أحد ينظر إلى الفقراء في أماكن الأغنياء؛ إنهم بالنسبة لهم جزء من الديكور، مثل النباتات البلاستيكية.
في منتصف البهو الفخم، كانت هناك لوحة زيتية ضخمة معلقة على الحائط الرئيسي.
لوحة لـ "سليم العزيزي".
يبتسم بوقار، يضع يداً على صدره، ونظرة الأبوة تفيض من عينيه المرسومتين ببراعة.
توقف عدي أمام اللوحة.
للحظة، غلبت عدي طبيعته القديمة. فكر: *"لماذا كل هذا التعب؟ أنا هنا، وهو هناك في الصورة. لو ركزت قليلاً... لو أغمضت عيني وقفزت..."*
أغمض عينيه نصف إغماضة. وجه تركيزه نحو ملامح سليم. حاول أن يجد "الذبذبة" الخاصة به.
لكن قبل أن يبدأ، ضربه ألم حاد وسريع في مؤخرة رأسه، كأنما ضُرب بمطرقة من الداخل.
وجاء صوت منصور، ساخراً، حاداً، وقاطعاً:
"متحاولش... الكرسي هنا محجوز. مفيش مكان لتالت."
فتح عدي عينيه وهو يلهث خفيفاً.
مسح العرق البارد عن جبينه.
فهم الرسالة. الطريق المختصر ملغوم. لا بد من الطريق الطويل.
تحرك نحو مكتب الاستقبال الضخم.
خلف الرخام، كانت موظفة شقراء تتحدث في الهاتف بصوت هامس وضاحك.
أمامها، كان هناك "سجل التشريفات". دفتر ضخم مجلد بالجلد الفاخر، مفتوح ليقوم الزوار المهمون بتدوين كلمات الإعجاب والتهاني بمناسبة توسعات الشركة الجديدة.
اقترب عدي.
لم تنتبه الموظفة. كانت مشغولة بترتيب موعد غرامي.
أمسك عدي القلم المذهب المربوط بسلسلة رفيعة.
نظر إلى الصفحة المفتوحة.
كانت مليئة بعبارات النفاق: *"مزيد من التقدم..."*، *"فخر الصناعة..."*، *"إلى الأمام دائماً..."*.
في أسفل الصفحة، كانت هناك مساحة بيضاء صغيرة وفارغة.
مساحة تكفي لشيء واحد.
لم يكتب عدي اسمه.
لم يكتب تهديداً.
لم يكتب تاريخاً.
ترك يده تتحرك بتلقائية الذاكرة التي اكتسبها بالأمس.
رسم دائرة صغيرة.
وداخل الدائرة، بخطين سريعين ومتداخلين، رسم الشعار.
"الميزان المقلوب".
بدا الرسم شاذاً وسط عبارات المديح. بدا كبقعة حبر سوداء على ثوب زفاف أبيض.
رسمة بدائية، خشنة، لكنها تحمل دقة هندسية لا يخطئها من صمم الأصل.
توقف القلم.
تأمل عدي الرسمة لثانية واحدة.
الشعار كان يصرخ في صمت.
أغلق القلم برفق.
لم ينظر للموظفة.
استدار ومشى نحو الباب الدوار.
عندما خرج إلى الشارع، ولفحته شمس الظهيرة الحقيقية، شعر بخفة غريبة.
لقد وضع الجرس حول عنق القط.
وفي داخل رأسه، لم يقل منصور شيئاً.
لم يكن هناك داعٍ للكلام.
كان هناك فقط شعور عميق بالرضا... شعور صياد وضع الفخ، وجلس يراقب العشب وهو يتحرك.
في البهو خلفه، أنهت الموظفة مكالمتها.
نظرت بملل إلى السجل.
لمحت الرسمة الغريبة في أسفل الصفحة.
قطبت حاجبيها باستنكار. *"مين المتخلف اللي شخبط كده؟"*
همت بتمزيق الصفحة، لكن هاتفها رن مرة أخرى.
تركت الصفحة مفتوحة.
بعد قليل، سينزل "سليم بيه" بنفسه ليتفقد السجل كما يفعل كل صباح ثلاثاء.
سيمر بعينيه على عبارات المدح بزهو.
ثم ستتوقف عيناه عند الزاوية السفلى.
وعندها...
سيتوقف الزمن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق