في رأسي شخص آخر
الجزء الثاني: التصدّع
بقلم جمال عسكر
الجسد بدأ يصدق ما لا يراه،
والأم كانت أول من شعر بالخطر.
المشهد الرابع: ظل في الظهيرة
قرر أن يخرج.
لم تكن رغبة، بل هروبًا.
الجدران في الغرفة بدأت تقترب، والهواء أصبح مُعاد تدويره، يحمل طعم أنفاس قديمة.
نزل إلى الشارع.
الظهر. الشمس ساطعة، فجة، لا تستر شيئًا.
الزحام في الشارع الرئيسي كان كالعادة: أصوات أبواق، باعة متجولون، ووجوه متعبة تهرول خلف أرزاقها.
حاول عدي أن يندمج.
أن يمشي بنفس الإيقاع.
أن يكون مجرد "واحد" وسط "الكل".
لكن الحواس… الحواس كانت مُعادية.
صوت بوق سيارة مفاجئ لم يكن مجرد تنبيه.
كان صفارة إنذار.
انتفض جسده. ليس فزعة العابر العادي، بل "تأهب" المقاتل المحاصر.
انحنت ركبتاه قليلًا، وتشنجت عضلات ظهره، وعيناه مسحتا المكان بحثًا عن مخرج… أو عن سلاح.
استغرق الأمر ثانيتين ليدرك عقله:
*أنا في الشارع. هذا تاكسي، ليس دورية.*
اعتدل في وقفته.
نظر حوله بخجل، خائفًا أن يكون أحد قد لاحظ هذا "التحول" الحيواني السريع.
لم ينتبه أحد. الناس غارقون في هواتفهم وهمومهم.
واصل المشي.
لكن الخطوات لم تكن خطواته.
كانت أوسع. أثقل. فيها غطرسة خفية لا تناسب بدنه النحيل.
الرصيف بدا ضيقًا عليه.
دخل مقهى اعتاد الجلوس فيه.
رائحة البن والمعسل.
نفس المكان، نفس الطاولات الخشبية.
جلس.
جاء النادل. “أهلاً أستاذ عدي. قهوة فرنساوي زي العادة؟”
فتح عدي فمه ليقول “نعم”.
لكن الكلمة وقفت في حلقه.
رائحة الحليب في خيال القهوة الفرنساوي قلبت معدته. بدت له “طفولية”، “مائعة”.
دون أن يفكر، وبصوت خشن غريب عليه، قال:
“لا. سادة. وشاي تقيل.”
توقف النادل لحظة. رمش باستغراب. “حاضر… سادة وشاي.”
رحل النادل.
جلس عدي يحدق في يديه الموضوعتين على الطاولة.
كانتا ترتجفان برغبة محمومة.
الأصابع تتحرك حركة دائرية، كأنها تبحث عن شيء تفركه… مسبحة؟ أم عملة معدنية؟ أم…
فجأة، وقعت عيناه على طاولة مجاورة.
رجل يترك علبة سجائر وولاعة.
شعر عدي بجفاف في حلقه.
ليس عطشًا.
بل “اشتياق”.
اشتياق كيميائي، حارق، يجري في دمه كأنه مدمن منذ عشرين عامًا.
مد يده لا إراديًا نحو الطاولة الفارغة المجاورة.
تخيل ملمس السيجارة بين شفتيه.
تخيل الدخان يملأ رئتيه، يحرق ذلك “البرود” الذي يسكن صدره.
“تفضل يا أستاذ.”
صوت النادل وضع الفنجان أمامه بقرقعة خفيفة.
سحب عدي يده بسرعة كمن لُسع.
نظر إلى القهوة السوداء.
سواد حالك، يشبه الثقب الذي رآه في سقف غرفته.
رفع الفنجان.
ارتشف رشفة.
المرارة لم تكن مرارة قهوة.
كان طعمها مألوفًا بطريقة مرعبة.
طعم التراب… والحديد.
وضع الفنجان بقوة جعلت السائل يطير على الطاولة.
نهض فجأة. الكرسي احتك بالأرض مصدرًا صريرًا عاليًا.
الناس التفتوا.
رأوا شابًا شاحبًا، يلهث وكأنه ركض ميلًا، وعيناه زائعتان تبحثان عن هواء.
خرج عدي مسرعًا إلى الشارع.
الشمس ضربت وجهه.
لكن البرودة لم تغادره.
وسط الزحام، همس لنفسه بصوت مسموع هذه المرة:
“اطلع مني… أرجوك.”
بائع مناديل عابر سمعه. ظنه مجنونًا، فابتعد عنه خطوة.
عدي لم يرَ البائع.
كان يرى فقط خياله على الأرض.
الظل كان يبدو أضخم من صاحبه.
والظل…
كان يمشي ببطء، بينما عدي يركض.
❧ ❧ ❧
المشهد الخامس: غريب في الصالة
النوم يحوم حول المدينة.
في شقة الدور الثالث، كان السكون هشًا، كلوح زجاجي ينتظر حصاة طائشة.
أصرت "أم عدي" أن ينام في الصالة الليلة. قالت إن الجو أبرد في غرفته، لكنها كذبت. كانت تريد أن تبقيه تحت عينها. فرشت له الغطاء الصوف القديم على الكنبة، وجلست هي على الكرسي المقابل، مسبحتها في يدها، وعيناها معلقتان بصدره الذي يعلو ويهبط.
الساعة تجاوزت الثالثة فجرًا.
هدأ تنفس عدي. استقرت ملامحه. بدا، لأول مرة منذ يومين، طفلها الوديع الذي تعرفه.
غفلت عين الأم للحظة. مجرد ثانية من التعب.
ثم سمعته.
لم يكن صوت حركة.
كان صوتًا بشريًا.
فتحت عينيها بسرعة.
كان عدي لا يزال نائمًا. عيناه مغلقتان. شفتاه تتحركان ببطء شديد، كأنما يلوك كلامًا ثقيلاً.
مالت نحوه. همست بحنان: "عايز تشرب يا ضنايا؟"
لم يجب "عدي".
بدلاً من ذلك، انفرجت شفتاه عن صوت… لم تنجبه.
صوت أجش، خشن، وكأنه خارج من حنجرة مدخنة أنهكها الصراخ والمعسل الرخيص لعشرين عامًا. صوت رجلٍ أثقل وزنًا، وأقدم عمرًا، وأكثر سوادًا من ابنها.
قال الصوت، بنبرة توسّل مخيفة ومبحوحة:
"يا باشا… القيد واكل إيدي."
تجمدت الأم.
توقف الدم في عروقها.
الكلمات كانت "عامية"، لكنها ليست عامية عدي المهذبة. كانت عامية قاع المدينة، عامية الزنازين.
اقتربت أكثر، تكاد لا تصدق أذنيها. ربما تحلم.
تحرك جسد عدي تحت الغطاء. حركة ثقيلة، متململة. رفع يديه ببطء، وقرب معصميه من بعضهما البعض، كأنهما مربوطان بحديد غير مرئي.
وخرج الصوت مرة أخرى، هذه المرة فيه نبرة بكاء مكبوت، بكاء رجال لا يبكون عادة:
"والله مظلوم… اسمع مني بس… مش أنا اللي عملتها… الحبل ده لا… بلاش الحبل."
تراجعت الأم خطوة للوراء.
اصطدم ظهرها بحافة الطاولة، لكنها لم تشعر بالألم.
كان ابنها أمامها. شعره، قميصه البيجامة، ملامح وجهه.
لكن "الشيء" الذي يتكلم ليس هو.
نظرت إلى يدها الممدودة نحوه… وخافت.
لأول مرة في حياتها، خافت أن تلمس ابنها.
خافت أن يستيقظ هذا "الغريب" وينظر إليها بعيون لا تعرفها.
مرت ثانية واحدة…
ثانية طويلة كأنها الدهر.
رأت فيها ابنها وعاءً، ومنزلاً دخله لص وكسر أثاثه.
"ده ابني… ده ابني."
رددت الكلمة في سرها كتعويذة لطرد الشيطان.
تغلب قلب الأم على رعبها. قفزت نحوه. أمسكت بكتفيه وهزته بقوة، وهي تبكي بصمت:
"عدي! عدي! اصحى! بسم الله عليك!"
انتفض عدي. شهق شهقة مفزعة، كمن طفا على سطح الماء بعد غرق.
فتح عينيه على اتساعهما.
كانتا حمراوين، زائغتين.
نظر إليها.
للحظة… مجرد ومضة… عيناه تائهتان. كان ينظر إليها كما ينظر السجين للسجان. نظرة كره وترقب.
صرخت الأم: "يا بني… رد عليا!"
رمش عدي مرتين. انقشع الغمام ببطء. عادت الروح، وعاد "عدي".
ارتخت ملامحه، وتحولت النظرة الوحشية إلى رعب طفولي وانكسار.
تحسس رقبته بسرعة، ثم نظر إلى يديه، ثم إلى أمه المنهارة أمامه.
أدرك… دون أن يسأل.
قال بصوت مرتجف، صوته هو هذه المرة:
"أنا… أنا كنت بتكلم؟"
نظرت إليه الأم. الدموع تملأ وجهها، لكن عينيها كانتا جافتين من الصدمة.
لم تجبه. لم تقل له "نعم". ولم تقل له ما سمعته.
فقط ضمته إليها بقوة يائسة، ودفنت وجهها في كتفه لكي لا يرى الرعب الذي لم يغادر عينيها بعد.
وفي حضنها، أغمض عدي عينيه باستسلام.
لأنه كان يعلم.
كان يعلم أن "منصور" لم يمت.
لقد اختبأ فقط… في مكان ما في الظلام، ينتظر نومه القادم.
المشهد السادس: صباح لا يحتمل الصوت
المشهد السابع: التعرف على الجثة
❖ ❖ ❖
🔹 خاتمة الجزء الثاني: التصدّع
بعض الأمهات لا يحتجن دليلاً،
يكفي أن يشعر القلب بأن ابنه لم يعد وحده.
هل ترى ما يحدث لعدي مرضًا يمكن علاجه؟
أم أن هناك شيئًا لا يُفسَّر بهذه البساطة؟
يتبع…

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق