السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الخميس، 19 فبراير 2026

في رأسي شخص آخر - الجزء الرابع

 في رأسي شخص آخر - الجزء الرابع: المواجهة

> العدو لم يكن في الخارج…


لكنه قرر أن يخرج أخيرًا.




المشهد الثاني عشر: عندما يتوقف الضوء


كان مكتب سليم العزيزي في الطابق الأخير.

ليس لأنه الأعلى…

بل لأنه الأبعد.


زجاج من ثلاث جهات، يرى المدينة كخريطة صامتة،

ناسًا صغارًا يتحركون بلا معنى،

وسيّارات تشبه خلايا دم في جسدٍ ضخم اسمه “السوق”.


دخل سليم البهو بخطوات محسوبة.

بدلته رمادية داكنة، ربطته عنق مثالية،

وجهه هادئ، كما تعوّد الناس أن يروه.


اقترب من مكتب الاستقبال.

مدّ يده إلى سجل التشريفات كعادته.

ابتسامة خفيفة — تمرين صباحي للسلطة.


بدأ يقرأ.


“مزيد من النجاح…”

“فخر الصناعة الوطنية…”

“اسمكم علامة…”


ثم…


توقفت الابتسامة.


ليس فجأة.

بل كما يتوقف القلب نصف نبضة…

ثم يدرك أنه أخطأ.


عيناه انزلقتا إلى أسفل الصفحة.


الميزان.


لم يحتج أن يلمسه.

لم يحتج أن يراه بوضوح.


عرفه.


عرف الخط.

عرف التماثل المائل.

عرف النقشة التي لا يرسمها إلا واحد.


جفّ حلقه.


رفع رأسه ببطء.

نظر حوله.


الموظفة تبتسم في هاتفها.

رجل أمن يضحك مع زميله.

العالم مستمر.


لكن سليم…

لم يعد فيه.


مدّ يده إلى طرف المكتب.

أمسكه بقوة.


في رأسه، لم تأتِ صورة واضحة.

لم يَرَ وجهاً.

لم يسمع صوتًا.


جاءه إحساس واحد فقط…

الإحساس الذي يسبق الانكشاف.


> حد فاكر.




بل الأخطر:


> حد عايش الفكرة.




جلس.


تنفس.


حاول أن يُقنع نفسه: مستحيل.

ده مات.

اتشنق.

خلص.


لكن الخوف لا يسمع المنطق.

الخوف يسمع الذاكرة.


ضغط على زر الاتصال الداخلي. صوته خرج أهدأ مما يشعر: “اقفلي السجل… وهاتيه المكتب.”


أغلق الخط.


جلس وحده.


وفي لحظة نادرة -

لحظة لم يشهدها أحد -

مدّ سليم يده إلى صدره.


ليس من ألم…

بل من شعور غريب:


كأن شيئًا قديمًا

كان نائمًا

… واستيقظ.



☾ ☾ ☾


في مكان آخر – داخل رأس عدي


لم يكن منصور “صوتًا” الآن.

ولا صورة.

ولا حتى فكرة مكتملة.


كان ضغطًا.


مثل ورم لا يُرى في الأشعة الأولى.

لا يصرخ.

لا يطلب.


فقط…

ينمو.


عدي شعر به.

ليس كخوف.

ولا كألم.


كإحساس مريض يعرفه الأطباء جيدًا:


> الجسم لم يعد وحده.




وهو يعرف - دون أن يُقال -

أن هذا الكيان

لو خرج منه

… سيموت.


ليس منصور.

بل هو.



☾ ☾ ☾


وفي الصالة – الأم


كانت الأم تقف أمام المرآة.

تربط طرحتها.


توقفت فجأة.


وضعت يدها على صدرها.

نظرت إلى باب غرفة عدي المغلق.


لم تسمع صوتًا.

لم ترَ شيئًا.


لكن قلبها قال جملة واحدة،

واضحة كحد السكين:


> في حاجة جوّه ابني…

ومش هتمشي لوحدها.

 

☾ ☾ ☾


المشهد الثالث عشر: سؤال لا يطلب إجابة


المساء كان هادئًا على غير عادته.

هدوء متعمَّد، كأن البيت كله قرر أن يمشي على أطراف أصابعه.


الأم كانت في المطبخ.

لا تطبخ.

فقط تقلب الملعقة في كوب شاي نسيَت أن تشربه.

الدوران كان بطيئًا، منتظمًا، كأنه وسيلتها الوحيدة لتثبيت الزمن.


عدي خرج من غرفته.

لم يحمل هاتفه.

لم ينظر إلى الأرض.

جلس على الكرسي المقابل لها دون أن يُدعى.


جلسة رجل…

لكن كتفيه كانتا أثقل من عمره.


رفعت الأم عينيها.

لم تسأله “عامل إيه”.

لم تقل “تعالى كُل”.


قالت الجملة الوحيدة التي كانت جاهزة منذ الصباح:


“إنت حاسس بنفسك يا عدي؟”


الجملة سقطت بينهما.

لم تكن سؤالًا.

كانت اختبار وجود.


ابتلع ريقه.

فتح فمه.

أغلقه.


قال بعد لحظة: “حاسس… أيوه.”


هزّت رأسها ببطء. “طب كويس.”


سكتت.


الصمت طال.

ليس صمت توتر…

صمت انتظار.


ثم قالت، دون أن تنظر إليه: “حاسس إنك لوحدك؟”


هنا…

تحرّك الشيء في الداخل.


لم يتكلم منصور.

لم يُظهر نفسه.


لكنه شدّ.


شدّ الفكرة.

شدّ الإجابة.


عدي شعر أن كلمة واحدة قد تقتل شيئًا…

لكنه لم يعرف ماذا.


قال بصوت منخفض: “مش دايمًا.”


نظرت إليه أخيرًا.


لم تكن نظرة أم خائفة.

كانت نظرة امرأة عرفت الفقد قبل أن يأتي.


قالت: “أنا لما أبوك مات…

فضلت شهور حاسة إن في حد قاعد جنبي في الأوضة.

مش شبح…

حد فاكرني، ومش عايز يمشي.”


توقف قلب عدي نصف نبضة.


كملت: “الناس كانت تقولي ده حزن.

وأنا كنت ساكتة.

بس عارفة الفرق.”


اقتربت منه خطوة.

لم تلمسه.


قالت بصوت خفيض ثابت: “الحزن بيضعفك.

اللي جواك… مش ضعيف.”


ارتعشت يده.

وضعها على ركبته ليخفيها.


قال: “ماما…”


قاطعته بهدوء قاسٍ: “ما تقلقش.

مش هسألك مين.”


ثم الجملة التي كسرت التوازن كله:


“بس لو في حاجة جوّاك…

عايشة على حسابك،

يبقى لازم تعرف إنها مش هتسيبك لما تحب.”


ساد الصمت.


في رأس عدي،

لم يكن منصور غاضبًا.


كان خائفًا.


ليس من الأم…

بل من الفكرة التي زرعتها.


> الكيانات التي تعيش داخل غيرها…

تموت حين تُسمّى.




عدي شعر بالضغط.

كأن صدره ضاق فجأة.


قال بصوت مكسور: “لو مشيت…

مش كل حاجة هتعيش.”


ابتسمت الأم.

ابتسامة بلا فرح.


قالت: “وأنا مش عايزاك تعيش نصّك.”


مدّت يدها أخيرًا.

وضعتها على صدره.


اللمسة كانت دافئة.

حقيقية.

مضادة.


وفي تلك اللحظة،

انسحب منصور خطوة إلى الخلف.


ليس هزيمة…

لكن أول تراجع.


الأم لم تعرف اسمه.

لم ترَ صورته.

لكنها فعلت ما لا يفعله الأطباء ولا المحققون:


ذكّرت الجسد

أنه ليس مستأجرًا.


رفع عدي عينيه إليها.

الدموع لم تنزل.


قال: “أنا خايف أكون لوحدي.”


شدّت يدها على صدره قليلًا. “الوحدة أهون من إنك تبقى اتنين…

ومش عارف أنهي فيهم عايش.”


سحبت يدها.

قامت.


وقبل أن تخرج من المطبخ، قالت: “لو احتجتني…

أنا هنا.”


الباب أُغلق.


عدي بقي وحده.


وفي رأسه،

جلس منصور في صمت طويل.


يعرف الآن

أن القارب الذي أنقذه

قد يصبح قبره.

 

☾ ☾ ☾ 


المشهد الرابع عشر: حين يكذب الداخل



الصباح التالي لم يكن مشرقاً. كان غائماً، ثقيلاً، وكأن السماء نفسها متواطئة مع ما سيحدث.



استيقظ عدي.

أو بالأحرى، فُتحت عيناه.

كان يشعر بنشاط غريب، نشاط لا يناسب شخصاً لم ينم إلا ساعتين.

نشاط يشبه "الكافيين" الزائد، أو "الأدرينالين" قبل المعركة.



خرج إلى الصالة.

كانت الأم هناك، كعادتها، ثابته كعامود البيت.

رتبت المائدة. وضعت الإفطار. ورائحة الشاي بالنعناع تملأ المكان.

كانت تبدو مرتاحة أكثر من الأمس. حديث الليلة الماضية أعطاها أملاً. ظنت أنها عقدت هدنة مع "الضيف".



"صباح الخير يا حبيبي."

قالتها بابتسامة صافية، وهي تضع طبق البيض أمامه.



جلس عدي.

حاول أن يبتسم. حاول أن يقول "صباح النور".

لكن عضلات وجهه لم تطاوعه.

كانت مشدودة. جامدة.



مد يده للخبز.

وفي تلك اللحظة، لمح "زجاجة الدواء" التي أخرجتها أمس. لا تزال على طرف الطاولة.

مجرد زجاجة مهدئ بسيط.



لكن في رأس عدي، تحولت الزجاجة فجأة إلى "قنبلة".

صوت منصور جاء فحيحاً، سريعاً، ومتلاحقاً كطلقات الرصاص:

 "عايزة تخدرك... عشان تاخدك للدكتور... عشان يكهربوك... هي مش أمك، دي سجانة." 



قاوم عدي الصوت: *"لا... دي أمي... اخرس!"*



لكن منصور كان قد أمسك بمركز الكلام.

سيطر على الأحبال الصوتية، وغير "نبرة الصوت" تغييراً طفيفاً جداً، لكنه قاتل.



رفع عدي رأسه.

نظر إلى أمه التي كانت تصب الشاي.

وقال بهدوء مرعب:

**"إنتِ حاطة لي إيه في الشاي؟"**



تجمد إبريق الشاي في يد الأم.

نظرت إليه باستغراب: "بتقول إيه يا عدي؟"



لم يتراجع.

بل دفع الطبق أمامه بظاهر يده، حركة فيها قرف واستعلاء.

 "بقول حاطة إيه؟... الدوا اللي هناك ده؟ ولا حاجة تانية من اللي بتجيبوها للمجانين؟" 



"عدي! ده شاي بنعناع... مالك يا ابني؟"

اقتربت منه خائفة.



وهنا...

ارتكب منصور الجريمة الكاملة.

استخدم "ذاكرة عدي" ضد أمه.



وقف عدي.

نظر إليها من فوق، بعينين باردتين كعيون الزواحف.

وقال جملة، لم يكن عدي ليجرؤ على التفكير فيها حتى في كوابيسه:

**"أبويا ماماتش من المرض... أبويا مات عشان هرب منك. كان بيموت نفسه بالشغل عشان ما يرجعش يشوف وشك."**



شهقت الأم.

الصوت خرج منها كأنه طعنة سكين حقيقية.

تراجعت للخلف، ويدها على فمها.

الدموع لم تنزل. الصدمة كانت أكبر من الدموع.

هذه الجملة ضربت في "عقدة ذنب" قديمة كانت تخفيها. كيف عرف؟



في الداخل، كان عدي يصرخ.

 "لا! مش أنا! والله ما أنا! يا ماما ماتصدقيش!" 

كان يحاول أن يخرس فمه، أن يعض لسانه، أن يركع تحت قدميها.

لكن جسده كان تمثالاً من الجليد.



أكمل منصور الضربة القاضية.

أخذ المفاتيح من على الطاولة.

ونظر إليها باحتقار:

 "أنا مش هاكل من إيدك تاني. ومش هقعد في السجن ده." 



اتجه نحو الباب.

وقبل أن يخرج، التفت إليها.

لم يكن هناك ندم في ملامحه. كان هناك "انتصار" قبيح.



فتح الباب وخرج.

وصفعه خلفه بقوة هزت جدران الشقة.



في المطبخ،

سقطت الأم على الكرسي.

لم تكن تبكي على قسوة الكلام.

كانت تبكي لأنها أدركت الحقيقة المرعبة التي حاولت إنكارها أمس:

**ابنها لم يعد موجوداً في تلك الغرفة.**

الذي خرج الآن... هو "العدو".



وعلى السلم،

بينما كان عدي ينزل الدرج ركضاً،

كان يبكي بحرقة، دموعاً حقيقية تغرق وجهه.

بينما فمه...

فمه كان يبتسم.

 

 ☾ ☾ ☾

المشهد الخامس عشر: دعوة إلى الجحيم


الشارع كان مزدحمًا، لكنه لم يكن حيًّا.

وجوه كثيرة تمر، ولا أحد يرى أحدًا.


عدي كان يمشي بلا اتجاه.

خطواته سريعة أكثر من اللازم، كأنه يحاول الهروب من شيء يسير داخل جلده.


الدموع جفّت على خديه.

الابتسامة… ما زالت هناك.


في رأسه، لم يعد منصور يهمس.

كان صامتًا تمامًا.


وصمته هذه المرة

كان ثقة.


توقفت سيارة سوداء داكنة على بعد مترين منه.

لم تصدر صوت فرامل حاد.

لم تلفت انتباه أحد.


الزجاج الخلفي انخفض ببطء.


رجل في الأربعينيات، بدلة سوداء، لحية خفيفة، عينان لا تعرفان المزاح.

لم يقل “تعالى”.

لم يقل “حضرتك”.


قال فقط: “عدي سالم؟”


توقف عدي.

نظر إليه.


في داخله، صرخ: "اجري… دول تبعه… اهرب!"


لكن الجسد لم يتحرك.


قال بصوت هادئ، ثابت أكثر مما ينبغي: “أيوه.”


فتح الرجل الباب الخلفي. “اتفضل.”


نظر عدي حوله.

ناس.

محلات.

حياة كاملة.


لا أحد ينظر.


في رأسه، لأول مرة منذ الصباح،

تكلّم منصور…

لكن ليس بصوت.


كان إحساسًا صافياً، حادًا:


> وصلوا أخيرًا.




ركب عدي السيارة.


الباب أُغلق.


السيارة تحركت فورًا،

كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة فقط.


جلس عدي في المنتصف.

على جانبيه رجلان.

لا يمسكانه.

لا يهددانه.


لم تكن هناك حاجة.


قال الرجل الذي في الأمام، وهو ينظر للطريق: “باشمهندس سليم حابب يقعد معاك قعدة.”


لم يسأله إن كان يريد.

لم يقل لماذا.


ابتسم عدي.


ابتسامة صغيرة.

مُرضية.


قال: “بلغوه إني جاي.”


نظر الرجل في المرآة بدهشة خاطفة. “هو… هو عارفك؟”


رفع عدي عينيه إلى الزجاج الداكن. رأى انعكاس وجهه…

نصفه هو،

ونصفه لا.


قال بهدوء مخيف: “هو اللي مستنيني.”


صمتت السيارة.


المدينة بدأت تختفي تدريجيًا.

شوارع أضيق.

أضواء أقل.


في الداخل،

شعر عدي بشيء يتحرك…

لا يضغط،

لا يصرخ،

بل يتمدّد.


كأن منصور

لم يعد مجرد ضيف.


بل صار:


> صاحب عنوان.




عدي أغمض عينيه.


لم يعد يقاوم.


لم يعد يسأل: هل سأموت؟

أو

هل سأرجع؟


السؤال الوحيد الذي بقي،

وجاء هذه المرة من داخله هو، لا من منصور:


“لو دخلت…

مين فينا اللي هيطلع؟”


السيارة انعطفت.

بوابة حديدية فُتحت.

ودخلوا.


والجحيم…

لم يكن مشتعلًا.


كان هادئًا،

منظمًا،

ومُضاءً جيدًا.


تمامًا

كما يحبه القتلة الأذكياء.

 

 


المشهد السادس عشر: طاولة لشخصين... وثلاثة أرواح 



المكتب كان واسعًا، أوسع مما يحتمله بشر واحد.

أرضية من خشب البلوط الداكن، وجدار كامل من الزجاج يطل على المدينة التي بدت من هنا صغيرة، تافهة، ومجرد أضواء راكعة تحت قدمي صاحب المكان.



في المنتصف، خلف مكتب ضخم من الأبنوس، جلس سليم العزيزي.

لم يقف حين دخلوا.

لم يرفع رأسه عن الأوراق التي كان يتظاهر بقراءتها.

أشار بيده اليسرى فقط — إشارة طرد — لرجاله.



خرج الحراس.

أُغلق الباب الضخم المبطن بالجلد.

أصبح الصمت ثالثهما.



رفع سليم رأسه ببطء.

خلع نظارته الطبية، ووضعها على المكتب بعناية مبالغ فيها.

عيناه كانتا فاحصتين، باردتين، تبحثان عن الخوف في وجه الشاب الواقف أمامه.



لكنه لم يجد خوفًا.

وجد "هدوءًا" مستفزًا.



أشار سليم إلى الكرسي الجلدي المقابل للمكتب.

"اقعد."



جلس عدي.

لم يجلس على طرف الكرسي كضيف مرتبك.

أسند ظهره للخلف، ووضع ساقًا فوق ساق.

حركة فيها "استباحة" للمكان.



سليم لاحظ الحركة. ضاق بؤبؤ عينيه قليلاً.

فتح درج مكتبه، وأخرج علبة سجائر فاخرة. سحب واحدة، ولم يعرض على ضيفه.

أشعلها بـ "ولاعة فضية" لها رنين مميز.

*طِق.*



سحب نفسًا عميقًا، ونفث الدخان في اتجاه عدي.

وقال بنبرة رجل اعتاد أن يشتري كل شيء:

"مين باعتك؟"



ابتسم عدي.

الابتسامة لم تكن لعدي. كانت ابتسامة "عارف".



قال بصوت هادئ، فيه بحة غريبة:

"محدش بيشغّلني."



سليم مال بجسده للأمام:

"بلاش لف ودوران. الرسمة اللي في الدفتر... دي رسالة. والرسالة يعني فلوس.

عايز كام وتنسى اللي شفته؟"



ضحك عدي.

ضحكة قصيرة، جافة، وبلا روح.

"أنسى إيه يا سليم بيه؟... أنسى الدفتر؟ ولا أنسى اللي حصل قبل الدفتر؟"



تصلب وجه سليم.

"إنت بتلعب بالنار يا شاطر."



هنا... تغير الجو في الغرفة.

انخفضت درجة الحرارة فجأة.

مال عدي بجسده للأمام، مستندًا بمرفقيه على مكتب سليم الغالي.

المسافة بين الوجهين أصبحت سنتيمترات.



نظر عدي مباشرة في عيني سليم.

تلك النظرة.

النظرة التي رآها سليم آخر مرة عبر حاجز من اللهب.



تكلم عدي.

لكن الصوت الذي خرج، كان يحمل ثقل جبل:

 "النار ما بتوجعش اللي اتحرق خلاص... النار بتوجع اللي لسه عايش." 



سقطت السيجارة من يد سليم.

سقطت على الأوراق المهمة، لكنه لم ينتبه.

تجمدت ملامحه.



"إنت... إنت مين؟"

همس سليم بصوت مهتز، صوته الحقيقي الذي يخفيه خلف البدلة.



لم يجبه عدي باسم.

بل مد يده ببطء نحو "الولاعة الفضية" الملقاة على المكتب.

أمسكها.

تحسسها بأصابعه، كأنه يتحسس قطعة من جسده المفقود.



ثم قال جملة واحدة.

جملة محددة. دقيقة. وسرية:



 "الجركن الأصفر كان تقيل عليك... فاكر؟... وقع منك مرتين وإنت بترش الصالة." 



هب سليم واقفًا.

دفع الكرسي خلفه فسقط محدثًا دويًا مكتومًا.

تراجع للخلف حتى التصق بالجدار الزجاجي.

وجهه أصبح بلون الرماد.

"مستحيل... ده مستحيل... أنا شفتك بتموت!"



وقف عدي ببطء.

لم يقترب منه.

وقف مكانه، شامخًا، والولاعة في يده يقلبها بين أصابعه.



قال بصوت، اجتمع فيه عدي ومنصور في نغمة جنائزية واحدة:

 "شفتني بموت... بس ما اتأكدتش إني مشيت." 



مد يده وضغط على زر الولاعة.

 طِق. 

الشعلة الصغيرة رقصت في هواء المكتب المكيف.

انعكس الضوء في عيني عدي، فبدتا كجمرتين مشتعلتين.



 "ودلوقتي يا سليم..." 

نفخ في الشعلة فأطفأها، وترك الدخان الرفيع يتصاعد.

 "... الدور على مين؟" 



سليم العزيزي، الرجل الذي يحكم السوق، والرجل الذي قتل بدم بارد، كان الآن يرتجف.

يده امتدت بتلقائية نحو الجيب الداخلي لسترته.

نحو المسدس.



لكن عدي لم يتحرك.

فقط ابتسم تلك الابتسامة المرعبة، وقال بهدوء:

"طلّعه... بس افتكر حاجة واحدة...

أنا ميت أصلاً...

هتقتل الميت إزاي؟"


❖ ❖ ❖


> حين يخرج العدو إلى العلن،

لا يعود السؤال: من المخطئ؟

بل: من سيدفع الثمن؟


هل تعتقد أن المواجهة كانت حتمية؟

أم كان يمكن لعدي أن يهرب قبل أن يحترق كل شيء؟




يتبع…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot