القراءة المرآة: عندما يصبح النص مرآتك النفسية
هوامش السرد - جمال عسكر
هل سبق أن قرأت رواية في العشرين من عمرك، ثم عدت إليها في الأربعين، فوجدتها رواية أخرى تماماً؟ هل تساءلت كيف أن نفس الجملة التي قرأتها في لحظة حزن تختلف عن قراءتها في لحظة فرح؟ ما يحدث هنا ليس تغيراً في النص، بل في المرآة التي تحمله — أنت .
النص الذي يتنفس معك
في نظرية الأدب المعاصرة، طرح الناقد الألماني فولفغانغ إيزر مفهوم "القارئ الضمني" (Implied Reader) الذي يشير إلى أن النص الأدبي لا يكتمل إلا بوجود قارئه، وأن القراءة ليست استقبالاً سلبياً بل فعل إبداعي يتشكل فيه المعنى من تفاعل النص مع التجربة الشخصية للقارئ . ما يعنيه هذا ببساطة: أنت لا تقرأ النص فقط، بل تعيد كتابته في كل مرة بروحك الخاصة.
يوسف إدريس، أعظم كتّاب القصة القصيرة في الأدب العربي، فهم هذه الحقيقة جيداً . كان يكتب عن "الروح الفردية" لا عن المجتمع المجرد، وكانت شخصياته "أناساً حقيقيين ينبضون بالحياة" . عندما تقرأ روايته "الحرام" (1959)، لا تقرأ فقط عن عزيزة الفلاحة المظلومة — بل عن ضعفك الإنساني الخاص، عن خوفك من الحكم، عن شعورك بالذنب الذي لم ترتكبه .
"الحرام": المرآة التي تفضح الجميع
رواية "الحرام" ليوسف إدريس تُعد نموذجاً مثالياً لـ"القراءة المرآة" . القصة بسيطة: فتاة فقيرة من عمال التراحيل تقع في "حرام"، ويكتشف الجميع ذلك، ثم يبدأ البحث عن الجاني . لكن عبقرية إدريس تكمن في أن كل قارئ يرى نفسه في مرآة مختلفة من الرواية :
- المظلوم يرى نفسه في عزيزة المسكينة التي أُجبرت على ما لم تختره
- صاحب السلطة يرى نفسه في المأمور الذي يبحث عن كبش فداء لا عن العدالة
- المجتمع المنافق يرى نفسه في سكان القرية الذين اطمأنوا عندما اتُّهم "الغرابوة" (العمال الغرباء) واكتشفوا أن "الحرام" ليس من أبنائهم
- المحب المكبوت يرى نفسه في أحمد أفندي الذي أحب لندة المسيحية وفر معها بزواج "محرم" أكثر من حرام عزيزة
الرواية تنتهي بحقيقة صادمة: "الذي ارتكب الحرام ليس عزيزة، وإنما هو الواقع الاجتماعي القاسي" . لكن كل قارئ يخرج من الرواية بـ"حرامه الخاص" — الخطيئة التي يخاف منها، أو التي ارتكبها ويبرر لنفسه .
"اللص والكلاب": مرآة الضياع
رواية نجيب محفوظ "اللص والكلاب" (1961) تمثل نموذجاً آخر للقراءة المرآة . القصة عن سعيد مهران الذي يخرج من السجن فيجد زوجته تزوجت صديقه، ويبدأ رحلة انتقام عبثية تنتهي بموته .
لكن المرآة النفسية هنا عميقة: كل قارئ يرى في سعيد مهران جزءاً من نفسه :
- المخدوع يرى نفسه في خيانة نبوية وعليش
- الباحث عن العدل يرى نفسه في محاولات سعيد الفاشلة لاسترداد حقه
- اليائس يرى نفسه في النهاية المأساوية واستسلام سعيد لمصيره
- الغاضب يرى نفسه في رغبة الانتقام العمياء
محفوظ لا يكتب عن لص — بل عن اللص الكامن في كل قارئ: الشعور بالظلم، الرغبة في الانتقام، الإحساس بأن العالم أصبح "مرتعاً للكلاب" . الرواية تناقش "أفكار العبث والموت ومعنى الوجود" لكن كل قارئ يملأ هذه الأفكار بعبثه وموته ووجوده الخاص.
تقنية "الفراغات" في "اللص والكلاب"
يشرح إيزر أن النصوص العظيمة تحتوي على "فراغات" (gaps) يملؤها القارئ بتجربته الخاصة . في "اللص والكلاب"، يبدأ محفوظ الرواية مباشرة بخروج سعيد من السجن دون مقدمات، ويدفع القارئ "فوراً إلى الموقف الأساسي" ليضع يده على "الخيط الأول" بنفسه . هذه الفراغات تسمح لكل قارئ بإسقاط تجربته على النص — سجنك الشخصي، خيانتك، عدالتك المفقودة.
"الحب في المنفى": مرايا الاغتراب
رواية بهاء طاهر "الحب في المنفى" تُعد "نموذجاً جديداً للرواية الواقعية" كما وصفها الناقد شكري عياد . القصة عن صحفي مصري ناصري يعيش في المنفى بعد فصله من عمله في السبعينيات، يحاول الهروب من ذكريات الطفولة والشباب والحب الضائع .
لكن المرآة النفسية هنا متعددة الطبقات :
- المنفي جغرافياً يرى منفاه في سويسرا البعيدة
- المنفي فكرياً يرى منفاه في انهيار أحلام الناصرية
- المنفي عاطفياً يرى منفاه في الحب الضائع
- المنفي داخل وطنه يرى أن "المنفى منفى والاغتراب ضياع" حتى لو لم يسافر
بهاء طاهر لم يذكر اسم بطل الرواية طوال النص، ولم يسمّ المكان بوضوح — ليصبح البطل كل قارئ، والمنفى كل مكان . الرواية "تفرض على القارئ أن يكون يقظاً ويجيب بنفسه عن الكثير من الأسئلة" . أنت لا تقرأ عن صحفي — بل عن نفسك، عن "جيل أخفق في تحقيق أحلامه، يشعر بالغربة والاغتراب عن ذاته وعن وطنه" .
دوستويفسكي وفخ المرآة النفسية
"الجريمة والعقاب" عمل عبقري في توظيف المرآة النفسية. كل قارئ يجد في راسكولنيكوف جزءاً مظلماً من نفسه — ليس بالضرورة القتل، بل الشعور بالتفوق، بالحق في تجاوز القانون، بالذنب الخفي الذي يطاردك. دوستويفسكي لم يكتب عن قاتل روسي، بل عن القاتل الكامن في كل قارئ.
الأدب كمرآة متعددة الأوجه
خذ رواية "الغريب" لألبير كامو — يقرأها البعض كرواية فلسفية عن العبثية، بينما يراها آخرون قصة عن الاغتراب الاجتماعي، وثالث يجد فيها انعكاساً لخدره العاطفي الخاص. كل قراءة صحيحة، لأن النص يعمل كـمرآة نفسية تعكس حالة القارئ لا مجرد محتواها الظاهري.
لماذا "أولاد حارتنا" محظورة حتى الآن؟
لأن المرآة أحياناً تُريك ما لا تريد رؤيته. نجيب محفوظ لم يكتب عن الأنبياء والفلسفة فقط — بل عن قدرتنا على رؤية أنفسنا في الرموز الكبرى. كل قارئ يرى نفسه في جبلاوي أو عرفة أو قاسم، وهذا ما أرعب السلطات: أن يصبح النص مرآة يرى فيها القارئ سلطته الخاصة، ضعفه، ظلمه.
التأثير النفسي: لماذا نقول "هذه أنا"؟
ظاهرة "القراءة المرآة" تفسر لماذا نشارك مقاطع معينة من الروايات قائلين "هذا أنا بالضبط". النص لم يتحدث عنك مباشرة، لكن بنيته السردية وفراغاته المقصودة سمحت لك بإسقاط تجربتك عليه . هذا الإسقاط النفسي (psychological projection) يخلق ملكية عاطفية عميقة للنص — تشعر أنه ملكك وحدك.
"الثلاثية": مرايا متعددة للأجيال
ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) تُقرأ بمرايا مختلفة : يقرأها الشاب كقصة حب وصراع أجيال، بينما يقرأها الأب كسيرة ذاتية لتحولاته الفكرية، والمرأة تجد فيها انعكاساً لمعاناة أمينة وكفاحها الصامت. نفس الصفحات، ثلاث مرايا مختلفة.
كيف تقرأ "قراءة مرآة"؟
1. اقرأ بوعي حالتك النفسية: لاحظ كيف تتغير قراءتك للنص حسب حالتك المزاجية
2. امنح نفسك حق التفسير: لا يوجد تفسير "خاطئ" طالما يحترم النص
3. عُد للنصوص: أعظم الأعمال هي التي تتغير معك عبر الزمن
4. شارك انعكاسك لا تحليلك: قل "شعرت" بدلاً من "يقصد المؤلف"
الخلاصة
الأدب العظيم لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاش مرات لا نهائية . كل قراءة هي مرآة جديدة تعكس نسخة مختلفة منك. يوسف إدريس في "الحرام" ونجيب محفوظ في "اللص والكلاب" وبهاء طاهر في "الحب في المنفى" ودوستويفسكي في "الجريمة والعقاب" لم يكتبوا نصوصاً — بل صنعوا مرايا نفسية تتنفس مع قارئها .
المرة القادمة التي تقرأ فيها رواية أو قصة، لا تسأل "ماذا يقول النص؟" — بل اسأل: "ماذا أرى من نفسي في هذه المرآة؟"


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق