قرار على نصلٍ لامع
قصة قصيرة بقلم جمال عسكر
تصنيف: قصة قصيرة | أدب اجتماعي | سرد نفسي
في هذه القصة القصيرة، نرافق رجلًا عاديًا يجد نفسه في مواجهة ليلية مع الخوف والعنف والشارع، حيث يصبح القرار الإنساني أثقل من أي سلاح. «قرار على نصل لامع» نصّ سردي مكثف عن الشجاعة غير المرئية، والرهاب، وحدود المواجهة، مكتوب بلغة هادئة ومشحونة، يطرح سؤالًا معاصرًا: متى يكون الامتناع فعلًا شجاعًا؟
——— ✧ ———
في مدينتنا، حين يهدأ ضجيج النهار كطفلٍ أُنهك بالبكاء فنام، لا يصير الليل أكثر سكونًا…
يصير أكثر وضوحًا.
كان معاذ يجلس في كافيه صغير بشارع جانبي. ضوءٌ أصفر معلق فوق الطاولة، وبخار الشاي يتصاعد ثم يتلاشى، كأنه فكرة لم تُكمل طريقها. أمامه، كانت مريم تحكي عن كتاب قرأته مؤخرًا، عن حكاية حب قررت ألا تختبئ. كانت تتكلم بحماس هادئ، بينما كان هو يومئ برأسه، وكتفه مشدود، وسمعه معلقًا بالخارج.
أي احتكاك حذاء بالأرض، أي ضحكة مفاجئة، كانت كافية لتوقظ داخله شيئًا قديمًا، شيئًا لا اسم له سوى التوتر.
قالت وهي تقلب صفحة على هاتفها:
– إنت بتسرح فين؟
هز رأسه كمن يعود من مكان بعيد.
– معلش… كمّلي.
ابتسمت، ثم نهضت. شدّت طرف طرحتها قرب عنقها، وقالت بنبرة أقرب للرجاء منها للمزاح:
– هتفضل عايش كده لحد إمتى؟ الشارع مش دايمًا وحش.
ابتلع ريقه، وأجاب بصوت منخفض:
– الشارع ساعات بيبقى عادي… بس اللي جوايا مش بيسيبني.
توقفت لحظة، نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
– يبقى واجهه يوم… بس واجهه بطريقتك.
راقبها وهي تمشي حتى اختفت عند أول منعطف. ظل واقفًا ثانية إضافية، كأن ذهابها يسحب معه آخر جزء آمن من الليل. دفع باب الكافيه وخرج. الهواء بارد، ممزوج برائحة بنزين قديمة. مشى خطوات قليلة قبل أن يرن الهاتف.
مروان.
ترك الرنة الأولى تمر. الثانية جاءت أسرع، أكثر إلحاحًا. ثم رسالة قصيرة، بلا مقدمات:
“تحت الكوبري. دلوقتي. لو متجيش هتبقى نهاية.”
توقف معاذ في مكانه. الشارع أمامه طويل، فارغ، كأنه لا ينتهي. قال لنفسه: مش لازم. ثم قال بعدها مباشرة: ولو روحت؟
ووجد قدميه تتحركان قبل أن يختار.
تحت كوبري المشاة، كان الضوء ضعيفًا، يكشف ظلالًا أكثر مما يكشف وجوهًا. رأى مروان واقفًا مع ثلاثة آخرين؛ اثنان يعرفهما، والثالث غريب، لكنه يقف بثقة من يعرف المكان ومن فيه. أيديهم في الجيوب، أنفاسهم سريعة، وصمتهم من النوع الذي يسبق المشاكل.
اقترب معاذ. حاول أن يجعل صوته ثابتًا:
– إيه اللي حصل؟
أشار أحدهم بذقنه نحو آخر الشارع:
– فاكر الشلة اللي علّقت على مريم؟ اللي عند الورشة. النهاردة هنفهمهم إن فيه حدود.
شعر بانقباض حاد في معدته. تذكر الأسبوع الماضي: ضحكات مقززة، تعليقات، وخطوات بنت تسرع هربًا. وتذكر نفسه واقفًا، جامدًا، كأنه بلا جسد.
أخرج مروان مطواة ملفوفة في منديل، ودسها في كف معاذ بسرعة.
– مش هتستخدمها… بس تبقى معانا.
لم يفتح المنديل. برودة المعدن وحدها كانت كافية.
– أنا مش هحمل ده.
ضحك الغريب ضحكة قصيرة.
– يبقى هتمشي لوحدك؟ اللي بيمشي لوحده هنا… بيتداس.
لم يرد معاذ. أعاد المطواة إلى يد مروان، وأخرج هاتفه. فتح الكاميرا دون أن يرفعه عاليًا، مجرد شاشة مضيئة في يده.
– أنا جاي عشان أخلّصها كلام. أي سلاح يظهر… أنا بصوّر.
حدّق مروان فيه.
– إنت بتهددنا؟
– أنا بحمي نفسي… وبحميك. الليلة لو اتقلبت دم، مفيش حد فينا هيطلع زي ما دخل.
سكت مروان لحظة، ثم نفخ الهواء من أنفه.
– خلاص. مفيش سلاح. هنروح نتكلم.
رائحة الزيت سبقت الورشة. ضحكات عالية خرجت من دائرة شباب حول سيارة مفتوحة. حين اقتربوا، سكت ضحك واحد، ثم عاد ضحك آخر، متعمد.
بدأ الكلام: “احترام”، “حدود”، “مش كل مرة”. جُمل مألوفة، تُقال دائمًا بنفس النبرة.
ثم التقطت إحدى العيون بريق الهاتف.
تقدم شاب خطوة، نظر للهاتف لا لمعاذ.
– بتصور إيه يا…؟
رفع معاذ الهاتف قليلًا.
– أنا مش بصوّر عشان أفضح حد… أنا بصوّر عشان محدش يتهور.
الكلمة الأخيرة كانت الشرارة.
اندفعت الأجساد. يد تخطف، كتف يرد، صوت معدن يرتطم. رأى مروان يندفع للأمام، ورأى في المقابل وميض نصل صغير يخرج من جيب أحدهم، كأنه فكرة سيئة قررت أن تصبح فعلًا.
لم يفكر معاذ. جذب مروان بعنف إلى الخلف. وفي اللحظة نفسها شعر بحرارة خاطفة في جانبه، ليست كالضربة، أشبه بلهيب سريع. حاول أن يتنفس، فلم يدخل الهواء كما ينبغي.
نظر إلى يده. الدم لم يظهر كثيرًا في البداية، ثم بدأ الدفء ينتشر تحت قميصه.
سقط على ركبته. الأرض باردة، وهذا جعل الألم أوضح. الأصوات حوله تراجعت، كأنها تتحرك داخل نفق.
ركع مروان أمامه، وجهه خالٍ من القسوة، مليء بالفزع.
– معاذ… إنت اتصبت؟
أشار معاذ بيده المرتعشة إلى الهاتف الملقى على الأرض، شاشته ما زالت مضيئة.
– ابعت… لأي حد.
– لمين؟
تذكّر صوت مريم: واجهه بطريقتك.
همس:
– مريم… قولها متخافش.
اهتز الهاتف برسالة وصلت في اللحظة نفسها:
“وصلت البيت. طمني… أنت كويس؟”
أمسك معاذ الهاتف بصعوبة، كتب سطرًا واحدًا، حروفه غير مستقيمة:
“أنا واجهت… ومش لوحدي.”
ضغط إرسال، ثم أفلت الهاتف. أغلق عينيه للحظة. عمود نور بعيد كان يهتز، كأنه يتنفس. لم يعد الليل فمًا مفتوحًا كما كان في رأسه… صار مجرد ليل. مؤلم، مخيف، لكنه ليس أقوى منه.
وفي مكان ما، بعيدًا عن الورشة والكوبري، كانت مريم تقرأ الرسالة، وستفهم لاحقًا أن المواجهة أحيانًا لا تكون ضربة،
بل قرارًا بسيطًا، مكلفًا،
ألا تصبح نسخة ممن أخافك يومًا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق