عندما صرخت الأريكة
بقلم جمال عسكر عن قصة عن بيتٍ يخاف
دخل الأثاث البيت قبل أن يدخل صوته.
سبقته الرائحة؛ خشبٌ عتيق، وقماشٌ مُنهك، كأن الغرفة فُتحت على زمنٍ لا يريد الرحيل. رائحة تشبه صدرًا مغلقًا منذ سنين، وحين فُتح فجأة، خرج هواؤه فاسدًا.
العمال كانوا يتحركون بصمتٍ ثقيل، يحملون الكنبة الضخمة كما لو كانت جثة، ويبحثون لها عن مكانٍ في صالة لا تتسع أصلًا لأنفاسنا. وحين استقرت في المنتصف، شعرتُ أن شيئًا ما انزاح من مكانه الصحيح… ليس في الغرفة فقط، بل في داخلي.
أبي وقف أمامها، مبتسمًا.
ابتسامة المنتصر بصفقةٍ رابحة، رغم أن كل شيء كان يقول العكس. كان ينظر إليها كما يُنظر إلى غنيمة، لا إلى عبء. كأنها لا تسد الشباك، ولا تخنق الضوء، ولا تبتلع المساحة الوحيدة التي كنا نمرّ منها إلى بعضنا. كان ينفض يديه من غبار وهمي، غير عابسٍ بما ينفضه على أرواحنا.
أمي لم تقل شيئًا.
جلست في الركن، ظهرها منحني أكثر من اللازم، كأنه حفظ شكل الانكسار. رأيتها ترفع يدها إلى عينيها بسرعة، تمسح دمعة هاربة، ثم أخرى لم تلحق بها. لم يكن بكاؤها عاليًا، بل ثقيلًا… بكاء من يعرف أن الاعتراض ترفٌ لا يملكه.
— “بتعيطي ليه؟”
قالها أبي وهو يرفع صوته،
— “هو حد مات؟ بتنكدي علينا ليه؟”
الصوت لم يكن جديدًا.
كان قديمًا… محفوظًا في جسدي.
شعرتُ بالرعشة تبدأ من أطراف أصابعي، تزحف ببطءٍ مألوف. ليست رعشة خوف، بل رعشة تذكُّر. الجسد حين يتذكر، يفعل ذلك دون استئذان.
اقتربتُ من أمي، وضعتُ يدي على كتفها، وقلتُ محاولةً أن ألتقط صوتًا عقلانيًا: — “هي بس خايفة على فلوسك… مش أكتر.”
التفتَ إليّ بعينٍ ضيقة، وقال الجملة التي كسرت آخر شيء صالح للصمت: — “أنا أعمل اللي أنا عايزه، ومحدش له دعوة.”
الجملة لم تُقال الآن.
قيلت قبل سنوات.
قيلت وأنا أصغر من أن أفهم، وأكبر من أن أنسى.
شعرتُ أن صدري يضيق، أن الهواء يُسحب من حولي كما سُحبت المساحة من الغرفة. لم أعد أرى الكنبة فقط، بل رأيت كل ما فُرض علينا باسم الأبوة، وباسم الحق، وباسم “أنا”.
في تلك الثانية، لم أعد ابنته، كنت مجرد صدىً قديم قرر أخيراً أن يرتطم بالجدار.
صرختُ.
لم أقرر الصراخ، هو خرج. — “اعمل اللي أنت عايزه… وإحنا هنعيط براحتنا!”
التفتَ إليّ بعنف: — “وانتوا بقى عيطوا!”
كنت أرتعش.
ليس من صوته، بل من صدى صوته.
ذاكرة جسدي كانت أسرع مني، أصدق مني.
دخل خلفي وهو يصرخ: — “أوعي تردي عليا كلمة بكلمة!”
استدرتُ، وقلبي يدق في حلقي: — “يعني ينفع تكلمها بالشكل ده؟!”
لم أنتظر ردًا.
الصوت ارتفع، ثم انسحب.
اختار المقاطعة… سلاحه المفضل حين يفشل الصراخ.
جلستُ وحدي.
الكنبة أمامي، جاثمة، تصدر صريرًا خفيفًا كأنها تئن. مددتُ يدي ولمستُ القماش الخشن. فكرتُ أن بعض الأشياء تدخل البيوت ولا تخرج. لا تُعاد، ولا يُعتذر عنها، فقط تُفرض… وتبقى.
رأيتُ أمي في خيالي، صباحًا، منحنيةً عند الباب، تمسح الغبار عن حذائه. نفس الغبار الذي يملأ الغرفة الآن. نفس الغبار الذي يتراكم على الأرواح.
تساءلتُ، لا بصوتٍ عالٍ، بل في مكانٍ أعمق: هل يكفي ما احترق في داخلي هنا؟
هل عليّ أن أحمله معي إلى هناك أيضًا؟
تخيلتُ الميزان.
كفّة ممتلئة برعشتي، بصمتي القديم، ومحاولتي الآن.
وكفّة أخرى لا تحمل إلا كلمة واحدة: برّ.
وسألتُ: يا رب…
هل ترى الجسد حين يرتعش؟
أم تسمع فقط الصوت حين يعلى؟
الكنبة لم تُجب.
ولا البيت.
لكن الرعشة هدأت قليلًا…
كأن جسدي، أخيرًا، صدّق أن الصراخ لم يكن ذنبًا.
❖ ❖ ❖
تحليل أدبي مختصر لقصة "عندما صرخت الأريكة"
تنتمي هذه القصة إلى السرد النفسي الحديث الذي يغوص في الدلالات النفسية العميقة للشخصيات والأحداث.
البنية السردية والشخصيات
تعتمد القصة على راوٍ مشارك (السارد بضمير المتكلم) وهي الابنة التي تمثل الشخصية الرئيسية والوعي الناقد في النص. الشخصيات الأخرى ثانوية لكنها محورية: الأب (رمز السلطة القامعة)، والأم (رمز الخضوع والانكسار).
الرمزية والدلالات
الأريكة هي العنصر الرمزي المركزي في القصة، تتجاوز كونها مجرد أثاث لتصبح رمزًا متعدد الطبقات:
- رمز للقهروالاستبداد الذي يُفرض دون اعتبار لمشاعر الآخرين
- رمز للذاكرة الجماعية المثقلة بالأحزان ("رائحة خشب عتيق وقماش منهك")
- رمز للحضور الطاغي الذي يسد الشبابيك ويخنق الضوء والمساحة
الصراخ في العنوان يحيل إلى **صرخة الجماد** التي هي في الحقيقة صرخة الإنسان المكتومة.
الصراع الدرامي
يتمحور الصراع حول ثلاثة مستويات:
1. صراع خارجي: بين الابنة والأب حول فرض الأريكة وأسلوب التعامل
2. صراع داخلي: في نفس الراوية بين الصمت والمواجهة
3. صراع أخلاقي: بين واجب البر وحق الاعتراض على الظلم
التقنيات السردية
استخدم الكاتب عدة تقنيات فنية مؤثرة:
- السرد الاسترجاعي: "الجملة لم تُقال الآن... قيلت قبل سنوات"
- الوصف الحسي المكثف: توظيف الحواس (الرائحة، اللمس، الصوت) لتعميق التجربة
- التكرار الدلالي: تكرار "الغبار" كرمز للإهمال المتراكم
- الذاكرة الجسدية: "الرعشة" كاستجابة فيزيولوجية للصدمة النفسية
المضمون الفكري والموضوع
تطرح القصة قضية السلطة الأبوية الاستبداديةفي المجتمع العربي، حيث يتحول الحق إلى تسلط، والأبوة إلى قهر. القصة تناقش أيضًا صمت المرأة التاريخي(الأم) مقابل صوت الجيل الجديد(الابنة) الذي يبدأ في كسر دائرة الخضوع.
البعد النفسي
تعكس القصة آليات الدفاع النفسي عند الشخصيات:
- الكبت عند الأم التي تبكي بصمت
- الإسقاط عند الأب الذي يحوّل كل اعتراض إلى "نكد"
- التسامي عند الابنة التي تحول خوفها إلى شجاعة في المواجهة
الخاتمة الفلسفية
تنتهي القصة بسؤال وجودي موجه إلى الله عن الميزان الأخلاقي بين البر والدفاع عن الكرامة. هذه النهاية المفتوحة تترك القارئ أمام تأمل عميق في طبيعة العلاقات الأسرية وحدود الطاعة.
اقرأ ايضا :
قد يهمك أيضًا: إذا لامست هذه القصة شيئًا في داخلك، اقرأ "آخر من يعرف" - قصة أخرى عن بيتٍ يرتعش، لكن هذه المرة ليس من قوة الأب... بل من ضعفه.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق