هوامش تصنع الحكاية
مقدّمة
في أعماق الأعمال السردية العظيمة، لا تكفي عقدة الحكاية أو ذروة الحدث لوحدها. أحيانًا، ينبعث سحر النصّ من هامشه: من تفصيلٍ عابر، أو جملةٍ رقيقةٍ في حوار سريع، أو حضور خاطف لشخصية لن تعود. هذه «الهامشيات» التي تبدو للوهلة الأولى زينة على الجسد الروائي، هي في الحقيقة عصبٌ خفيّ يضخ الحياة في النص، ويمنحه تلك الهالة التي تدع القارئ يشعر أن العالم السردي أكبر من الصفحات التي بين يديه. في هذا المقال، أبحث معك في «هامش السرد» كمنطقة عملٍ سريّة للكاتب — كيف تُصنع التفاصيل؟ ولماذا يظل ما يبدو «ثانويًّا» في النص حاضرًا في ذاكرة القارئ أكثر من العقدة الكبرى أو النهاية؟
ما الذي أسمّيه «هامشًا» في السرد؟
ليس الهامش هنا مجرد حاشية طباعية، ولا ملاحظة نقدية أسفل الصفحة — بل هو كل ما لا يظهر في واجهة الحدث ويبدو «ثانويًّا»، لكنّه يؤثر في النصّ تأثيرًا عميقًا:
إيماءة يد خجولة تُطلُّ بين سطور الحوار، تكشف أكثر مما يقوله الكلام.
وصف سطرين لمقهى قديم، تبلور مزاج المدينة كلها في ذهن القارئ.
ذكر عابر لحكاية جانبية، تبدو غير مهمة، لكنها تضيف طبقة نفسية أو اجتماعية لشخصية ما.
الهامش هو المساحة التي لا يطاردها القارئ بعينه — لكنه يخرج من النص متأثّرًا بها، بدون أن يدرك في العادة. كل ما يمر مثل ظل على المشهد، ثم يترك أثرًا طويلًا في المعنى — هذه المنطقة، في العمق، تنتمي إلى «هامش السرد».
التفاصيل بوصفها محرّك خفي للأحداث
الأحداث «الكُبرى» في القصة أو الرواية لا تولَد من فراغ. غالبًا ما يسبقها تراكم من التفاصيل الصغيرة التي تعمل في صمت:
نظرة استفهام عابرة بين شخصين في الفصل الأول، قد تشرح انهيار علاقة كاملة في الفصل الأخير.
ملاحظة عن رائحة بيت متعفن، تجعلك تفهم لاحقًا سبب نفور البطل منه أو حنينه إليه.
الكاتب الذي يجيد صناعة الهامش يزرع بذور الأحداث خلال السطور الأولى، بحيث لا تبدو المفاجآت معجزات تتنزل من السماء، بل نتائج منطقية لمسار نفسي وحياتي مكتمل. هذا ما يجعل النهاية — أو التحوّل — مقنعة، لأن جذورها مدفونة في «هامش» بدا من البداية عابرًا، لكنه في الحقيقة كان يبني الإطار الداخلي للنص كله.
مثال من «السَرّاد»
في قصتك القصيرة اللص والكتاب — المنشورة في «السَرّاد» — لو تأملنا قليلاً في وصف خروج الرجل من المكتبة، نرى كيف أن «يد ترتعش»، و«نبض يتسارع»، وحتى وصف القمر بأنه «بدْرٌ» بـ"نور ناعم كأنّ عين الله تراه" — كلها تفاصيل بسيطة، لكنها تبني إحساس الخطيئة، الندم، التوتر الداخلي. وعندما تهمس الشخصية:
> «قد أخطأت، نعم... لكنني حاولت أن أعود.»
العبارات القصيرة، اللحظة التي تتبدل فيها الأرض تحت أقدام البطل، كل ذلك هو هامش يحرك وجدان القارئ، ويجعله يعيش لحظة الخطيئة والخلاص، دون أن يكون هناك وصفٌ طويل أو تعليق فلسفي. هذا النوع من الهامش — المختصر، المكثف، المؤثر — هو ما يجعل القارئ يتذكّر النهاية الطويلة من بين صفحات قليلة.
الشخصيات الثانوية: أبطال من درجة ثانية… أم مرايا خفية؟
غالبًا ما يُكتَب طِبًا عن الأبطال الرئيسيين، بينما تستقر الشخصيات الثانوية في منطقة الظل. لكن هذه الشخصيات «الهامشية» تحمل في فمها سرّ العالم السردي:
صديق عابر يظهر في مشهدين فقط، لكنه ربما يكون مرآة أخلاقية للبطل.
جار فضولي، وجوده الهامشي يشي بـ «حيّ حيّ» مستقل، له رغباته، رائحته، صخب مساءاته…
كلما أحسن الكاتب بناء الشخصيات الثانوية — حتى لو لم تكن محور الحكاية — بدا العالم الروائي أكبر، أكثر امتدادًا؛ وكأن القارئ يخرج بانطباع أن النص لا ينتهي عند حدود ما قرأه، بل يمتد خلف الصفحات، في شوارع لم تُسرد، وحيوات لم تُبح.
في «السَرّاد»، هذا التوسّع في الهوامش يمكن أن يكون تكريسًا لمفهوم «السرد الكلي»، الذي يتجاوز الشخصية المركزية، ليمنح مكانًا — ولو خفيفًا — لمن تعيش في حافت النص، لكن وجودها مهم.
المكان كهوامش متحرّكة للنص
عادة يُذكر المكان ككيان صريح — مدينة، قرية، غرفة. لكن هناك «هوامش مكانية» لا تُذكر إلا بخجل، لكنها تصنع المزاج السردي:
ركن مكسور في طاولة قديمة، يشير إلى تاريخ العائلة دون شرح.
نافذة صغيرة في ممرّ ضيق، يطل منها ضوء الغروب في كل مرة يعود فيها البطل إلى البيت — يتكرر الضوء كعلامة خفية على شعور دفين.
هذه الهوامش لا تسرد الحدث، لكنها تسرد الإحساس؛ تمنح النص نبرة خاصة، تجعل القارئ «يلمس» المكان ويشمّه قبل أن يعرف اسمه.
وفي نصوص «السَرّاد» — خاصة في الأعمال التي تمزج الخيال بالمزاج — يمكن استثمار هذا الهامش المكاني لنقل القلق، الوحدة، الاغتراب، دون لجوء إلى تعليق مباشر.
الهامش بوصفه مساحة حرّة للتلميح
أحيانًا يعجز السرد المباشر عن قول كل شيء: التجربة ربما صدمت البطل، أو المجتمع يكمّم الكلام. هنا يأتي دور الهامش كمنطقة آمنة للتلميح لا للتصريح:
جملة في حوار تكشف تاريخ قمع أو فقر دون الدخول في خطاب مباشر.
صورة خاطفة لطفل يركض حافي القدمين في خلفية مشهد — تختصر طبقة اجتماعية كاملة.
بهذا المعنى، الهامش ليس ترفًا أسلوبيًا، بل وسيلة جمالية وأخلاقية في آن — يتيح للكاتب أن يحترم ذكاء القارئ، يفتح له مساحة للاكتشاف وإعادة البناء.
هذا ما تفعله بعض النصوص في «السَرّاد»: لا تُثقل القارئ بتفسير كل شيء، بل تترك له فراغًا — فراغَ سؤال، أو صورتَ انتظار، أو شبحَ ذكرى — لكي يملأه هو بما يعرفه من حياته، من ماضيه، من حلمه.
كيف يدرّب الكاتب عينه على التقاط الهامش؟
الهامش لا يُختلق دفعة واحدة — هو امتداد لطريقة في رؤية العالم. يمكن للكاتب أن «يدرّب عينه» باعتياد الملاحظة الدقيقة للطبيعة المحيطة:
ملاحظة تفاصيل يومية: كيف يفتح العجوز باب بيته؟ كيف تضع الأم يدها على كتف ابنها وهي غاضبة؟
الإنصات لما يقال وما لا يقال في حوارات واقعية: الصمت غالبًا أكثر صدقًا من الكلام.
تصوير الأماكن بعين «راوٍ» لا عين «سائح»: الانتباه إلى الشيء المكسور، المهمل، المتروك; لا إلى الكليشيهات الجاهزة.
مع الوقت، تتحول هذه الملاحظات إلى رصيد سردي، يظهر تلقائيًا في كتابة القصة أو الرواية — فيتشكل «هامش حيّ» يدعم المتن، ويمنحه عمقًا، حياة، نفسًا.
هل تصبح الهوامش «متنًا آخر»؟
عندما نتأمل النصوص التي تأسرنا، أحيانًا نكتشف أن ما ظننّاه هامشًا ليس بعيدًا من المتن كما نظُنّ. بل إن بعض التفاصيل الجانبية — التي كتبها الكاتب بخفة — تصبح ما يتشبث به القارئ في ذاكرته:
ربما لأن القارئ، تمامًا مثل الكاتب، كائن يبحث عن صدق — ليس في الحدث العظيم، بل في اللحظة الصغيرة، في الإيماءة، في الصمت. يجد صدقه في المناطق التي لم تُكتب أصلاً لتكون في الواجهة.
في هذا المعنى، «هوامش السرد» ليست مساحة لتسجيل ملاحظات ثانوية، بل هي طريقة في النظر: أن تكتب نصًّا، وفي الوقت نفسه تسمح لكل ما يحيط به أن يتسرّب إلى صفحاته؛ أن تعترف بأن الحكاية أكبر دائمًا من الحكاية، وأن ما يلمع في الطرف البعيد من المشهد قد يكون أصدق تعبير عن جوهره من مركزه الواضح.
دعوة للتطبيق: كيف يمكن أن تستخدم أنت هذا المنظور في نصوصك المقبلة؟
إذا رغبت عزيزى الكاتب — في قصتك المقبلة أو روايتك — أن تكون الحياة الروائية أكثر كثافة، أكثر تشعبًا، أكثر صدقًا:
1. امنح نفسك حق الملاحظة اليومية، دون هدف سردي مباشر. راقب الناس، الزوايا، الجمل العابرة، رائحة شمس الصباح على جدار قديم. سجّل هذا في دفتر — دون ضغط، دون خوف من «عدم أهميته».
2. أثناء الكتابة، لا ترفض التفاصيل «البسيطة»: الإيماءة، الصمت، اللون. دع الكون الخلفي ينفلت إلى السطور.
3. احترم فراغ القارئ: لا تشرح كل شيء، لا تفسّر كل إحساس — دع له مساحة ليكون شريكًا في البناء.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق