معادلة السقوط الحر
قصة قصيرة بقلم جمال عسكر
مقدمة السراد:
ماذا تفعل حين يكون عدوك الأكبر هو الصوت القابع في رأسك؟ وحين يتحول سريرك إلى ساحة معركة خاسرة؟ تأتيكم قصة "معادلة السقوط الحر" حصرياً عبر موقع السراد، لترسم بكلمات من نور وخوف ملامح رحلة شاقة من قاع الفنجان الأسود إلى أول خيوط الضوء. قصة عن الثقل الذي لا يُرى، والنجاة التي تأتي على مهل. انغمسوا في تجربة قرائية فريدة تعيد تشكيل مفاهيم القوة والضعف.
القصة:
كانت الغرفة أضيق من أن تسع كياناً يتأرجح بين البقاء والانطفاء. نافذة يتيمة تئنّ تحت عبء الغبار، سرير ضيق يشبه سريراً ميدانيّاً في معركة خاسرة، ومكتب تحوّل إلى مقبرة للمراجع الهندسية؛ كتبٌ شامخة كأبراجٍ بلا نبض، تُعلن عن "مقاومة المواد" بينما صاحبها لا يملك مقاومةً لأفكاره نفسها.
وفي قاع فنجان القهوة، تجمّدت البقايا كطينٍ أسود، تشهد على ليالٍ من أرقٍ يتكاثر ولا ينتج شيئاً.
لم يكن آدم يرى في المرآة شاباً يبلغ العشرين، بل كان يرى "رسماً هندسياً متروكاً"، مشروعاً أهمله الجميع، حتى صاحبه. يداه ترتجفان، لا من البرد، بل من أوزان لا تُقاس في المخابر؛ أوزانٌ تختمر في الدماغ، ثم تهبط فجأة كحمولة زائدة على سقفٍ ضعيف.
قطع صمت الغرفة إشعار هاتفي:
"هل صليتَ الظهر؟"
لم يأتِ السؤال رقيقاً، بل جاء كحكم محكمة.
وهناك، في أعماقه، استيقظ الجلّاد الداخلي — لهجته ساخرة، قاسية، كحدّ منشار:
"أنت ممثل ماهر يا آدم… تتقن الركوع، ولا يعرف منك الله سوى القشور."
لم يشأ آدم أن يفاوض الصوت.
كتم الجرح كما يكتم المرء شظية زجاجٍ اخترقت ساعده.
نهض. تمايل قليلاً.
الماء في الصنبور كان بارداً بما يكفي ليعيد له إحساس الجلد، لكنه لم يطفئ النار في صدره. وقف للصلاة. كانت الحركات سلسلة تروس تتحرك وحدها؛ ركوع يفتقد الخشوع، وسجود يلامس الأرض ببدنٍ حاضر وقلبٍ غائب.
ومع ذلك، حين سلّم عن يمينه ويساره، كان الظلام في صدره أقلّ كثافة بدرجة لا تُرى إلا لمن ينتظر الخلاص بفارغ الصبر.
⬲
قبل أسبوعين، كان في غرفة الطوارئ؛ صندوقٌ أبيض، لامع حدّ القسوة.
الأضواء بلا رحمة، رائحة المعقمات تطارد كل خلية، وكأنها تريد تطهير الألم نفسه.
جلس آدم وذراعه مضمدة، لكن النزيف الحقيقي كان يسري في مكانٍ لا تصل إليه الضمادات.
اقترب الطبيب. لم يحمل ملامح الرجل الحكيم، بل ملامح من رأى أكثر مما يحتمل.
سأل بلا مقدمات:
"كم يبلغ وزن الأحمال التي تحملها وحدك؟"
تردد آدم، ثم خرج صوته خافتاً:
"خيبة أهلي… كلام الناس… الجامعة… والذنب… الذنب اللي بيشدني لتحت."
ابتسم الطبيب ابتسامة قصيرة لا تُرى إلا في زوايا العين:
"يا بني… لو كُسرت ساقك، هل ستلومها لأنها لا تركض؟
أم ستضعها في الجبس حتى تلتحم؟"
وتابع بصوتٍ عميق يتحرك في الصدر لا في الأذن:
"هناك كيمياء في المخ تختل، كما تختل معادلات البناء. ألمك حقيقي… والجلد مش علاج. أنتَ تجلد الضحية، لا الجاني."
هذه الجملة —
"أنت تجلد الضحية" —
كانت كإبرة دقيقة فجّرت دُملاً ظلّ يؤلم لسنوات.
⬲
عاد إلى الغرفة، فرأى ورقة صغيرة مثبتة على مكتبه.
خطٌّ أعرفه — عمر.
عمر الذي يضحك كثيراً، ويخبّئ في ضحكته تاريخاً من الصراع.
كتب:
"لا تبنِ القصر اليوم… ضع طوبة واحدة.
ركعتان، عشرون دقيقة مذاكرة، أو حتى الوقوف.
الله يقبل المحاولة."
قرأها آدم… وشعر لأول مرة أنه ليس مطالباً بأن يكون "مبنًى كاملاً" بل "بناءً جارياً".
⬲
في كافيتريا الكلية، وسط صخب الطاولات ورائحة الشاي والهواء الممزوج بنقاشات الامتحانات، جلس آدم أمام عمر.
كان عمر يشرب شايه كأنه يختبر حرارة الواقع.
قال آدم بصوتٍ خفيض:
"حاسس إن عقلي والعالم حواليَّ مش بيتكلموا نفس اللغة…
ولو وقعت، هوقع اللي حواليّ كمان."
هزّ عمر رأسه:
"الإيمان مش صخرة ثابتة… ده بحر.
يزيد وينقص.
والدواء مش خصم للدين… ده سند.
أصلي، وأبكي، وأتعثر… وباخد دوائي.
الطبيب بيرمم كيمياء المخ… والصلاة بترمم كيمياء الروح."
كان الكلام بسيطاً، بلا دراما، لكنه وضع أول "صبّة خرسانة" في أساس هشّ.
⬲
بدأت رحلة التعافي.
جلساتٌ مع "مريم" — طبيبة نفسية تعرف كيف تُصغي.
كانت تُعيد له جملته بصياغة أخرى، حتى يسمع نفسه للمرة الأولى.
علّمته أن الصوت الذي يسكن رأسه ليس نبياً، بل "ضوضاء يمكن خفضها".
لكن الامتحان الحقيقي لم يأتِ بعد.
⬲
تأخر الليل. جاء اتصال أمه:
صوتها كان نحيباً محاولاً أن يبدو قوياً.
"أبوك تعب فجأة… ألم في صدره… إحنا رايحين المستشفى."
تجمد.
هاجمه الذعر كالذئب.
السيناريوهات السوداء تزاحمت:
سيموت… بسببي… لن أتحمّل… سأفشل… سأنهار…
كادت نوبة الهلع أن تلتهمه.
لكن داخل العاصفة، ظهر صوت خافت ـ جديد، ربما وُلد منذ جلسات العلاج:
"طوبة واحدة يا آدم… طوبة واحدة."
ما هي الطوبة الآن؟
أن يرتدي ملابسه.
ثم الطوبة التالية: أن يخرج من البيت.
نهض، يده ترتجف على زر القميص، لكنه نهض.
⬲
في المستشفى، رأى أباه ممدداً على السرير، موصولاً بأنفاسٍ صناعية.
ذلك الرجل الصلب الذي كان يرفع الأثاث وحده، صار الآن هشاً كطينٍ مبتل.
شعر آدم بأن الأرض تميد تحته.
أراد أن ينهار، أن يصرخ، أن يجلس في زاوية ويختفي.
لكن تذكّر كلمات مريم:
"مشاعرك موجة… دعها تمر، لكن لا تغرق فيها."
اقترب من أبيه، أمسك يده الخشنة — كانت باردة، لكنها حيّة.
ثم التفت إلى أمه.
كانت جالسة في ركن الغرفة، كتفها يهتز بصمت، وعيناها تتسعان بفراغٍ يوحي بالهاوية.
اقترب منها آدم.
جثا أمامها، أمسك بيديها بقوة العاجز الشجاع:
"أنا هنا يا أمي… سمعتي؟
الأطباء قالوا الحالة مستقرة.
تنفّسي… معايا."
لم يكن يكذب.
ولم يكن قوياً.
كان خائفاً مثلها، لكنه اختار أن يجعل خوفه جسراً لا حفرة.
في تلك الليلة، في الممر البارد، صلى آدم ركعتين.
لأول مرة لم يشعر أنه يؤدي امتحاناً.
ركعتاه كانتا اعترافاً لا اعتذاراً:
"يا رب… نحن ضعفاء… فقوّنا."
⬲
تحسّن الأب، ببطء، ثم عاد إلى البيت.
عاد آدم إلى الجامعة.
لم يتحوّل إلى متفوق، ولم تختفِ نوبات الحزن، لكنه امتلك شيئاً جديداً:
قدرة على تسمية الألم… دون أن يسقط فريسة له.
وفي المشهد الأخير،
يمشي آدم خارج محاضرة مرهقة.
الجو مغبرّ، والشمس تجرّ خيوطها من بين السُحب.
يمر بمسجد الكلية.
يتوقف.
لا يدخل هارباً… ولا يتجاوزه نافراً.
يخلع حذاءه ويمضي إلى زاوية هادئة.
يُخرج كراسته الهندسية، يرسم مخططاً، ثم يكتب في الهامش:
"كلّ بناءٍ يحتاج إلى فواصل تمدّد ليحتمل الضغط… وأنا كذلك."
الشفاء لم يكن شعاع نورٍ يهبط من السماء.
كان طوبة صغيرة… فوق طوبة…
إلى أن بدأ بناءٌ جديد يتشكل في داخله.
⬲
هنا تنتهي كلمات "معادلة السقوط الحر"، لكن صدى المعركة الداخلية ربما بدأ للتو.
في مدونة السَرَّاد، نحن نؤمن أن القصص القصيرة ليست مجرد سطور عابرة، بل هي مرآة تعكس خبايا النفس البشرية. إذا لامست هذه القصة وتراً حساساً لديك، فأنت لست وحدك في مواجهة ضجيج الأفكار.
🎙️ سؤال للقارئ:
بين صراع المقاومة والاستسلام للأفكار السوداوية.. برأيك، هل الانتصار الحقيقي يكمن في "إسكات" الصوت الداخلي تماماً، أم في تعلم "الرقص" معه والتعايش بسلام؟ (مساحة التعليقات بالأسفل مفتوحة.. شاركنا تجربتك أو رأيك، فكل تعليق هو بداية لحكاية جديدة).
🚀 رحلتك لا تنتهي هنا: إذا كنت من عشاق أدب الغموض والدراما النفسية، لا تغادر قبل أن تستكشف المزيد من الحكايات العربية الأصلية بقلم الكاتب جمال عسكر. نرشح لك قراءة قصة "أن تكون أنا" لمزيد من الأسئلة الوجودية، أو الغوص في عالم الإثارة مع نوفيلا "انتحال".
🔔 كن جزءاً من الحكاية: لا تفوت جديد روايات وقصص السَرَّاد. [اشترك في القائمة البريدية] لتصلك التحديثات فور نشرها، أو انضم لمجتمعنا الحي على Discord لمناقشة التفاصيل الخفية مع قراء يشبهونك.


فى انتظار تعليقكم الكريم
ردحذف