السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الأربعاء، 8 أبريل 2026

تلّة المعلَّق - الجزء الثانى

 تلّة المعلَّق

جمال عسكر

📖 الفصل الأول: الغريب لا يصل مرتين

(1882)


لم يكن أحد يعرف من أين جاء.


لكن الجميع اتفقوا-بعد ذلك-أنه لم يكن من هنا.

 


ظهر عند طرف الغيط، مع أول خيط ضوء.


الندى كان لا يزال عالقاً على أطراف القصب، والهواء ساكن كأن الليل لم يغادر بعد.

كان يمشي ببطء.

لا يتلفت.

لا يسأل.

كأن الطريق يعرفه… أو كأنه لا يحتاج أن يعرفه.



أول من رآه كان "صبحي"، الصبي الذي يخرج قبل الشمس ليسقي الجاموسة.

قال لاحقاً إنه ظنه في البداية واحداً من أهل البلد.

الملامح عادية.

الهدوم عادية.

حتى خطواته… عادية.

لكن كان هناك شيء لم يستطع أن يضع له اسماً.

شيء جعل صبحي لا ينادي عليه.

ولا يقترب.

فقط… راقبه.




 

كان الرجل يحمل كيساً من القماش، مربوطاً بإحكام ومتدلياً من كتفه، وفي يده الأخرى ساعة نحاسية صغيرة يمسح عليها بإبهامه من حين لآخر، كأنه يتأكد أنها ما زالت تنبض.

مرّ على الترعة فلم يشرب. مرّ على الساقية فلم يقف. ومرّ على بيت مهجور، فلم ينظر إليه.

كأن كل شيء حوله لا يعنيه. أو كأنه يرى طريقاً آخر تحت هذا الطريق.

مرّ على بيت مهجور.

لم ينظر إليه.

كأن كل شيء حوله… لا يعنيه.

أو كأنه يرى شيئاً آخر غير الذي يرونه.




 

حين اقترب من قلب القرية، بدأ بعض الرجال يلاحظونه.

واحد قال:

"غريب؟"

رد عليه آخر:

"يمكن."

لكن أحداً لم يسأله.




 

في منتصف الطريق الترابي، توقف.

ليس لأنه وصل.

بل كأنه… تذكّر.

نظر إلى الأرض.

ثم إلى الأمام.

ثم حرّك الكيس على كتفه، كأنه أثقل فجأة.

ومشى.




 

لم يره أحد بعد ذلك.




 

حين عثروا عليه، كانت الشمس قد ارتفعت.

الجثة كانت ملقاة عند طرف التلة.

على بعد خطوات من أول ميلٍ صاعد.

كأنها توقفت… قبل أن تبدأ.




 

لم يكن هناك دم كثير.

ولا آثار عراك واضحة.

فقط وضعية غريبة:

جسده على جنبه.

ذراعه ممتدة قليلاً.

وكأنه كان يحاول أن يلمس شيئاً… ولم يصل.





 

الكيس كان بجانبه.

مفتوح هذه المرة.

بداخله أشياء بسيطة:

قطعة قماش نظيفة

سكين صغيرة

شيء ملفوف بعناية… لم يفتحه أحد فوراً





 

أما الساعة…

فكانت لا تزال في يده.

متوقفة.






 

اقترب "الشيخ عبد الرازق"، وانحنى ببطء.

نظر إلى الساعة.

ثم إلى الشمس.

ثم قال، دون أن يرفع صوته:

"الوقت ده… مش بتاع دلوقتي."

لم يرد عليه أحد.






 

جاء العمدة.

جاء بعض الرجال.

وقفوا في دائرة.

لا أحد اقترب أكثر من اللازم.

كأن هناك خطاً غير مرئي حول الجسد.




 

قال أحدهم:

"مين ده؟"

لم يجب أحد.



 

قال آخر:

"اتقتل؟"

رد عليه صوت من الخلف:

"يمكن."



 

لكن "صبحي" كان لا يزال واقفاً بعيداً.

ينظر.

ثم قال، بصوت لم يقصده عالياً:

"هو ما ماتش هنا."

التفتوا إليه.

"إزاي؟"

تردد لحظة.

ثم قال:

"كان ماشي… عادي."

سكت.

ثم أضاف:

"ما كانش فيه حد."



 

نظر الرجال إلى بعضهم.

ثم إلى الأرض.

ثم إلى التلة.




 

أحدهم قال:

"يبقى جه هنا ومات."

لكن لم يبدُ أنه مقتنع.



 

انحنى رجل أقدم منهم. لم ينظر إلى الجثة، بل أخذ قبضة من التراب تحت حذائها، فركها بأصابعه وقال: 'خطوته غشيمة.. القدم دي ما داستش طيننا قبل كده.. الأثر ده مش بتاعنا'.




 

لم يفهم أحد ما يقصده.

لكنه لم يشرح.



 

فتحوا الكيس أخيراً.

وجدوا داخله شيئاً ملفوفاً بعناية.

حين فكّوه-

سكتوا.



 

لم يكن شيئاً غريباً.

ولا مخيفاً.

ولا حتى مهماً.

مجرد…

أشياء بسيطة.

كأنها هدايا.




 

واحد منهم قال:

"كان رايح لحد."

لم يرد أحد.

لكن الجملة بقيت.



 

وحين رفعوه ببطء، كأنهم يحملون شيئاً قابلاً للكسر، حدث شيء صغير. لم يلاحظه الجميع. لكن في تلك اللحظة، وسط سكون الأنفاس...

تحرك عقرب الساعة النحاسية الميتة.

نقلة واحدة، بصوت «تِك» خافت. ثم صمتت للأبد.



 

نظر الشيخ إليها.

لم يقل شيئاً هذه المرة.



 

وحين بدأوا في السير بالجثة…

لم ينظر أحد إلى التلة مباشرة.

لكنهم جميعاً كانوا يشعرون-

أنها… تنظر إليهم.



 

وفي ذلك اليوم،

بدأت الحكاية التي لم يتفقوا عليها أبداً.

إلا في شيء واحد:

> الغريب… لا يصل مرتين.


❖ ❖ ❖




📖 الفصل الثاني: الأرض لا تقبلهم

(1882)



لم يستغرق الأمر طويلاً ليعرفوا من فعلها.

ليس لأن القتلة تركوا أثراً.

بل لأنهم، ببساطة، لم يهربوا.

بعد ثلاثة أيام، جاءت "الحكومة".

"إبراهيم بك"، مأمور المركز، جاء راكباً حصانه، ومعه طابور من العساكر، وثلاثة رجال مقيدين بالسلاسل من أيديهم وأعناقهم.

كانوا من قرية مجاورة.

أحدهم ضخم الجثة.

والثاني بعينٍ نصف مغلقة.

والثالث… بالكاد أتمّ العشرين.

لم ينكروا شيئاً في التحقيق.

وحين سألهم إبراهيم بك عن سبب قتل الغريب، لم يذكروا سرقة.

الكيس كان لا يزال مغلقاً.

والساعة لم تُمس.

أكبرهم قال ببلادةٍ مريبة، وهو ينظر إلى الأرض:

"كان ماشي في طريقنا."

ثم صمت.


لم يقل أكثر من ذلك.

كأنهم لم يقتلوه بخطة.

بل لأن الطريق كان خاوياً، ولأن شيئاً ما همس لهم في تلك اللحظة أن يرفعوا الحجر ويضربوا.

شيء جعل أيديهم تتحرك كأنها لا تخصهم.


ميزان الحكومة لا يعترف بالهمسات.

يعترف بالدم.


في فجر اليوم الخامس، نُصبت ثلاثة أعواد خشبية في الساحة الترابية أمام دار العمدة.

لم يصرخ أحدهم.

لم يبكِ الصغير.

وقفوا في صفٍ واحد بهدوء غريب.

لم يصرخ أحد.


وحين سُحبت الطبالي من تحت أقدامهم…

لم تخرج من حناجرهم حشرجة الموت المعتادة.

اهتزت الأجساد.

ثم سكنت.


قال المأمور وهو يمسح العرق عن رقبته بمنديل قماشي:

"نزلوهم.. وادفنوهم في مقابر البلد يا عمدة. خلصنا."

وهنا، انكسر صمت البندارية.

حين وصلت العربة الكارو التي تحمل الجثث الثلاثة إلى حافة المقابر، توقفت.


لم يكن الباب مغلقاً.

لكن "الشيخ عبد الرازق"، حارس الجبانة، كان يقف في المنتصف تماماً.


لم يكن يحمل سلاحاً.

كان يقف ويداه متقاطعتان فوق عصاه الخشبية.


"وسع يا شيخ.. دي أوامر البك،" قال العمدة بصوتٍ حاول أن يجعله خشناً.


لم يتحرك الشيخ.

ولم ينظر إلى العمدة.


رفع عينيه المكدودتين نحو المأمور الجالس على حصانه، وقال بهدوء لا يناسب الموقف:


"التراب ده مش ليهم."


عقد إبراهيم بك حاجبيه.

هو رجل قانون. يكره الخرافات، ويكره عناد الفلاحين أكثر.

نزل عن حصانه، واقترب من الشيخ حتى صار يفصلهما ذراع واحد.


"الأرض أرض الله يا شيخ عبد الرازق. والموتى زيهم زي غيرهم. وسّع الطريق."


لم يرمش الشيخ.


نظر إلى الجثث الثلاثة المكدسة فوق العربة.


ثم قال جملته التي ستبقى معلقة في هواء القرية لأجيال:


"فيه ناس بتمشي فوق الأرض.. وفيه ناس الأرض هي اللي بتمشي بيهم."


سكت لحظة. أشار بعصاه نحو الجثث.


"والتلاتة دول.. الأرض اللي هناك هي اللي مشيت بيهم لحد هنا. اللي الأرض مش راضية عنه… ما ينفعش ندفنه فيها."


بدأ فلاحو القرية يتجمعون خلف الشيخ.


صامتين. 


لكن وقفتهم كانت تشبه جداراً من الطين اللزج. لا يمكن اختراقه دون أن تغوص فيه.


تراخَت أيدي العساكر على بنادقهم.


إبراهيم بك مصري، ويدرك جيداً متى تتحول الطاعة إلى تمرد دموي.


حين ترفض القرية جثة، فإن دفنها بالقوة يعني أن القبور ستُنبش في الليل، وتُرمى الجثث للكلاب.


مسح المأمور وجهه بيده.


نظر يميناً ويساراً، باحثاً عن مخرج لا يكسر هيبة الحكومة.


سأل بصوت حاد.


"فين الأرض اللي ما تخصكوش؟" 


صمت العمدة.


لكن صوتاً رفيعاً جاء من الخلف. 


"التلة."


التفت الجميع نحوه، ثم نحو الأفق.


هناك، كانت التلة تقف وحدها.


كتلة من الصخر والتراب الميت.


لا ينمو عليها شيء سوى شجرة توت عجوز يابسة، تشير بأغصانها المعوجة نحو السماء كأصابع محترقة.


نظر إبراهيم بك إلى التلة.


شعر بانقباضة غير مبررة في صدره. كأن هواءً بارداً هبّ من هناك رغم حرارة الصباح.


"خدوهم على التلة." قالها واستدار عائداً إلى حصانه.


بدأ الموكب يتحرك بعيداً عن المقابر.


العربة الكارو تعرج فوق الحجارة.


لم يتبعهم أحد من أهل القرية.


وقفوا يراقبون من بعيد.


ومع أول ميلٍ صاعد في التلة، زلّت قدم البغل الذي يجر العربة.


اهتزت العربة بعنف.


إبراهيم بك كان ينظر للجثث.


ومع الاهتزازة…


رأى أذرع الثلاثة تتدلى من أطراف العربة.


لم تكن تتدلى بعشوائية.


كانت تتمايل بإيقاعٍ واحد.


بنفس الطريقة.


بنفس الزاوية.


وكأنهم، رغم الموت… كانوا لا يزالون يمشون نحو الأعلى.


في تلك اللحظة، ضربت المأمور فكرة لم يستطع طردها أبداً.


فكرة جعلت عرقه يبرد.


أدرك أنهم لا يذهبون لدفن هؤلاء الرجال.


إرادة الحكومة، وعناد القرية، ورفض الشيخ…


كلها كانت مجرد خطوات في طريقٍ رُسم سلفاً.


بقيت القرية صامتة.


كأنها تعرف أن مايحدث الآن…

لن يدفن.


❖ ❖ ❖





📖 الفصل الثالث: الدفن الذي لم يكتمل




لم يصلوا قبل الغروب.


الشمس كانت منخفضة، قرصها محمرّ، كأنها تنزف خلف التلة. الطريق لم يكن طريقاً بالمعنى المعتاد؛ مجرد ميلٍ صاعد، حجارة متناثرة، وتراب لا يحتفظ بشكل القدم. البغل كان يبطئ كلما اقتربوا، حتى العساكر الذين اعتادوا الضحك في الطريق، صعدوا في صمتٍ غير متفق عليه.


العربة تئنّ، وصوت خشبها أعلى من اللازم.


حين وصلوا إلى القمة، توقف البغل من تلقاء نفسه.


لم يُضرب. لم يُشدّ.


فقط… توقف.


"هنا."


قالها أحد العساكر. لم يعترض أحد.


نزلوا وبدأوا في الحفر. المجارف دخلت التراب بسهولة في البداية.


ثم...


شيء ما تغيّر.


صار الصوت مختلفاً. أجوف. كأن تحت الطبقة الأولى فراغاً.


"وسّع شوية."


ضرب المجرفة مرة أخرى. هذه المرة، لم يكن الصوت مكتوماً في الطين. كان صوتاً يابساً.. كأن نصل المجرفة اصطدم بعظمٍ كبير في جوف الأرض.


توقف. نظر إلى الآخرين. لم يقل شيئاً.


تابعوا الحفر، أعمق.


لكن التراب لم يكن يخرج كما ينبغي. كان يعود. ببطء. ينزلق من الحواف… إلى الداخل. كأن الحفرة ترفض أن تتسع.


"امسك التراب."


لكن التراب لم يُمسك.


وقف إبراهيم بك على بعد خطوات. لم يقترب من الحفرة، كان يراقب فقط. يمسح العرق من جبينه، ينظر إلى الشمس، ثم إلى الظل.


قال: "خَلّصوا."


أنزلوا الجثث. واحدة… تلو الأخرى.


الأول سقط بثقل.


الثاني ارتطم بجانبه.


أما الثالث- فبدا أخف مما يجب.


استقرت الأجساد في القاع. لم ينظر أحد طويلاً.


بدأوا في الردم. المجارف تعمل أسرع الآن، كأنهم يريدون إنهاء الأمر. التراب يغطي الوجوه، ثم الصدور، ثم-


"استنى."


قالها أحد العساكر فجأة. توقف ونظر إلى الحفرة. لم يوضح.


"في إيه؟"


لم يجب. هز رأسه: "ولا حاجة."


تابعوا.


حين انتهوا، كانت الحفرة مستوية. أكثر من اللازم.


وقفوا لحظة. لا أحد قال: "خلاص". لكنهم جميعاً ابتعدوا خطوة واحدة… في نفس الوقت.


لفّوا ظهورهم.


وقبل أن ينزلوا-


جاء الصوت.


لم يكن عالياً. ولا واضحاً.


لكن أحدهم التفت.


"مين قال اسمي؟"


لم يرد أحد.


نظر إلى الآخرين بخوفٍ أربك ملامحه: "حد فيكم ندهني.. بـ.. بصوتي؟"


سكت. لم يضحك أحد.


"انزلوا." قالها المأمور. هذه المرة صوته أسرع.


بدأوا النزول بخطوات غير منتظمة. الشمس كانت تختفي، والظل يتمدد.


في منتصف الطريق، توقف أحد العساكر ونظر خلفه. القمة كانت بعيدة، لكن الحفرة… كانت تُرى.


لم تكن كما تركوها.


"يلا." جاءه الصوت من أسفل.


لم يرد. ثم نزل.


في أسفل التلة، انفكّت عقدة الحناجر. الهواء لم يعد طعمه كالتراب. صار رطباً... بارداً... يملأ الصدور المنهكة.


لم يتكلموا، ولم يتبادلوا النظر. ركب إبراهيم بك حصانه، شد اللجام، ثم توقف لحظة.


نظر إلى التلة.


لم ير شيئاً. لكنه لم يرفع عينيه عنها فوراً. كأن شيئاً هناك… كان ينتظر أن يُرى.


لم يُرَ. حرّك الحصان ورحلوا.


في تلك الليلة-


لم يصعد أحد.


لكن، في الفجر، كان هناك من قال إن التراب… لم يبقَ كما هو.


لم يذهب أحد ليتأكد.


ومنذ ذلك اليوم-


لم يقل أحد إنهم دُفنوا.



يتبع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot