شيءٌ منكِ ينتظرني هناك
قصة قصيرة بقلم جمال عسكر
هذه الحكايةُ ليست من فراغ، بل تستندُ في جذورها إلى قصيدةٍ فرنسيةٍ شهيرة للشاعر فيكتور هيجو، غير أنّها لا تعيد قولها، بل تُصغي إلى ما وراءها… ثم تمضي بطريقتها.
إنها رحلةٌ قصيرة في ظاهرها، تبدأ عند أول خيطٍ من الضوء، وتمتدّ في الداخل أكثر مما تمتدّ على الطريق.
رحلةٌ يرافقها صمتٌ كثيف، وإحساسٌ غامض بأن الوجهة ليست كما تبدو.
هنا، لا تُروى الحكاية كاملةً، بل تُترك لتتكشّف رويدًا…
كما تتكشّف بعض الحقائق حين نمشي نحوها، لا حين نُعلنها.
في فجرٍ لم يكن ككلِّ الفجر، حين كان الضوء يولد من رحم الليل على استحياء، نهض الرجل. لم يكن يحمل حقيبة، ولا زادًا، ولا حتى نظرةً إلى الخلف. كان يحمل شيئًا أثقل: وعدًا لا يُخلف، وحنينًا لا يهدأ، واسمًا يسكن قلبه كما تسكن الطعنة في اللحم.
قال في نفسه - أو لعلّه قال لها، وهي الغائبة الحاضرة: غدًا… عند أول بياضٍ يغسل وجه الحقول… سأمضي.
لم يكن الفجر هنا مجرّد وقت؛ كان عتبةً بين عالمين: عالمٍ يظلّ فيه، وعالمٍ يسير إليه. وكأنّ الضوء نفسه يرشُّ على الأرض مسحةً من شحوب، لا إشراقًا خالصًا، بل بياضًا يشبه وجه الفقد حين يهدأ البكاء.
---
تحرّك.
خطوته الأولى لم تكن خطوةً في الطريق، بل في القلب. ثم قال، وكأنه يطمئنها، أو يطمئن نفسه: أنا أدركُ شَوْقَكِ لرُؤيتي…
كانت الجملة بسيطة، لكنها كانت كذبةً جميلة. أو لعلها لم تكن كذبة، بل رغبةً في أن يكون الموت انتظارًا لا انقطاعًا.
مرّ بالغابة أولًا. الأشجار متشابكة كالأفكار حين تضيق، والظل كثيف، كأن الطريق يريد أن يختبره. لم ينظر حوله. لم يكن هناك ما يستحق النظر؛ فكل ما في الخارج صار أقلّ من أن يُرى.
ثم صعد الجبل.
وكان الصعود ثقيلًا، لا لأن الأرض تعلو، بل لأن الذكرى تثقل. وكلما ارتفع، شعر أن المسافة بينه وبينها لا تُقاس بالخطوات، بل بالوجع.
وقال بصوتٍ خافت، كمن يعترف: لستُ أطيق أن أزيد في البُعد عنك…
وكانت هذه الجملة، في حقيقتها، خلاصة الرحلة كلّها.
---
ثم تغيّر شيء.
لم يعد الطريق خارجًا عنه، بل صار داخله. صار يمشي، لكن عينيه لم تعودا تنظران. كانتا مثبتتين على شيء لا يُرى: على صورٍ قديمة، على ضحكةٍ انطفأت، على يدٍ كانت تمسك بيده ثم أفلتت إلى الأبد.
لم يرَ الأشجار، ولا الجبل، ولا السماء.
ولا سمع شيئًا.
لا خرير ماء، ولا حفيف ورق، ولا حتى صوته هو.
كان الصمت حوله كثيفًا، كأن العالم احترم حزنه، فانطفأ.
مشى وحده.
وحده… بمعنى الكلمة التي لا تُحتمل.
غريبًا… حتى عن نفسه.
ظهره منحنيّ، كأن الحزن أثقل من أن يُحمل منتصبًا، ويداه متشابكتان، لا ندري: أهما في هيئة صلاة؟ أم استسلام؟
وقال، أو ربما لم يقل، بل شعر: أنا حزين…
لكن الكلمة لم تكن كافية. لذلك جاء ما بعدها: النهار عندي صار ليلًا…
وهنا لم يعد الزمن زمنًا. لم يعد الضوء ضوءًا. كل شيء انطفأ من الداخل، فلم يعد للخارج سلطان.
---
ومع اقتراب المساء، كان العالم يتهيأ ليكون جميلًا.
ذهب الشمس يسيل على الأفق، كأن السماء تلبس ثوبًا فاخرًا، والسفن البعيدة تنزلق نحو مرفأها، أشرعتها بيضاء، كأنها أحلام تعود من سفر طويل.
لكنه لم ينظر.
تعمّد ألا ينظر.
قال في داخله: لا أرغب أن تلامس عيني أثرًا…
لأن الجمال، في حضرة الفقد، يصبح نوعًا من القسوة. لأن العين التي امتلأت بغيابٍ واحد، لا تتّسع لأي حضور.
وكان هناك اسمٌ يلوح في الأفق… مكانٌ يعرفه… ماءٌ يذكّره… لكنه صرف بصره. كأن الذكرى، إن خرجت من القلب إلى العين، صارت أوجع.
---
ثم وصل.
لا ضجيج، لا استقبال، لا باب يُفتح.
مجرد أرضٍ صامتة.
توقّف.
وهنا فقط، انكشفت الحقيقة التي كانت تمشي معه منذ البداية، دون أن ينطق بها:
لم يكن ذاهبًا إلى لقاء…
كان ذاهبًا إلى قبر.
اقترب ببطء، كأن كل خطوة تحتاج إذنًا من قلبه. ثم انحنى قليلًا، لا أمام حجر، بل أمام ذكرى لها وجه وصوت وحياة.
وقال، بصوتٍ يكاد لا يُسمع: أنا أتيت يا بنتي…
ووضع فوق التراب باقةً صغيرة.
لم تكن فاخرة. غصنٌ أخضر لا يذبل بسهولة، وزهرةٌ رقيقة ما زالت تحتفظ بشيء من الحياة.
كأنه يقول: ماتبقى مني… امنحه لك.
---
وهنا تنتهي القصة، لكنها لا تنتهي.
لأن الرحلة لم تكن من بيتٍ إلى قبر، بل من وهمٍ إلى حقيقة، من رجاءٍ خفيّ إلى يقينٍ موجع.
ولأن الشاعر-الأب-لم يقل منذ البداية إنه ذاهب إلى الموت، بل جعلنا نسير معه، نصدّق أن هناك موعدًا، وأن هناك انتظارًا… حتى إذا وصلنا، أدركنا أن كل كلمةٍ قيلت من قبل كانت تحمل معنى آخر.
وهذا هو سرّ الجمال في هذه الحكاية: أنها لا تصرخ بالحزن، بل تمشي به… ولا تعلن الفاجعة، بل تكشفها في اللحظة الأخيرة… فتجعل القارئ يعود، لا إلى البداية فقط، بل إلى قلبه هو، ليقرأ ما فقده يومًا… على ضوء هذه الخطوات الصامتة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق