السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الجمعة، 6 فبراير 2026

في رأسي شخص آخر

 في رأسي شخص آخر

> نوفيلا «في رأسي شخص آخر» – الجزء الأول


بقلم جمال عسكر


> أحيانًا لا تحتاج أن تفتح الباب…
يكفي أن تفكر بعمق.

المشهد الأول: حبل من هواء




كانت رائحة "التقلية" تملأ الشقة الصغيرة، عبق الثوم والكزبرة الذي يبعث في النفس طمأنينة الطفولة. في الصالة ذات الأثاث المتهالك قليلاً والنظيف جداً، كانت "أم عدي" تجلس أمام التلفاز، تتابع مسلسلاً تركياً بصوت منخفض، وفي يدها طبق فاكهة تقشر فيه برتقالة لابنها الساهر في غرفته.



"عدي يا بني.. لا تسهر كثيراً، لديك عمل في الصباح." نادت بصوت حنون، لكن الرد لم يأتِ إلا صمتاً ثقيلاً.



اعتادت على شروده مؤخراً. كانت تظنه اكتئاباً، أو ربما قصة حب فاشلة يخفيها عنها. لم تكن تعلم أن ابنها الآن، وفي هذه اللحظة، يقف على منصة إعدام في سجن مركزي يبعد مئات الأميال، محبوساً داخل جمجمة قاتل.



في الغرفة المجاورة، كان جسد عدي جالساً على الكرسي الخشبي، متصلباً كتمثال من الجبس.

داخلياً، كان "منصور" يصرخ، وكانت رقبة عدي تشعر بلمسة الخيش الخشنة لحبل المشنقة الوهمي.



فجأة، سمعت الأم صوت ارتطام مكتوم، كأن كيس رمل سقط على الأرض، تلاه صوت "حشرجة" مخيفة.. صوت هواء يحاول الدخول إلى رئة مغلقة.



انتفضت الأم، سقط السكين والبرتقالة من يدها. "عدي؟"



فتحت باب الغرفة.

المشهد الذي رأته جمد الدم في عروقها. لم يكن عدي نائماً، ولم يكن مستيقظاً.

كان جالساً، لكن جسده ينتفض بعنف كسمكة أُخرجت لتوها من الماء. عيناه جاحظتان، شاخصتان نحو السقف برعب لا بشري، ووجهه محتقن باللون الأزرق الداكن.



أما الرعب الأكبر، فكان يسكن في يديه..

يداه النحيلتان كانتا تقبضان على عنقه بقوة هستيرية، تحاولان نزع شيء غير موجود. أصابعه تغرز في لحمه، تجرح الجلد، كأنه يصارع حية تلتف حول رقبته.



"يا بني! ما بك؟!"

صرخت الأم، ألقت بنفسها عليه تحاول فك يديه عن رقبته.

كانت يداه باردتين كالثلج، وصلبتين كالفولاذ.

"اترك رقبتك! ستقتل نفسك! عدي، رد عليّ!"



لم يسمعها. كان في عالم آخر تماماً.

في ذلك العالم، سُحبت الرافعة تحت قدمي منصور. وسقط الجسد ليتأرجح في الفراغ.

وفي الغرفة الدافئة، ارتجف جسد عدي ارتجافةً هادرةً، فاندفع الكرسي عن الأرض كأنهما معًا في طوفانٍ عاصف، ثم هوى بهما إلى قرارٍ غامض."  




سقطت الأم بجانبه، تحتضن رأسه الذي يضرب الأرض.

"يا رب.. يا رب سلم.. ولدي يموت!" كانت تبكي وترتجف، تمسح العرق البارد الذي تفجر من جبينه.



فجأة، توقفت الحركة.

هدأ جسد منصور في السجن، متدلياً بلا حراك.

وسكن جسد عدي بين ذراعي أمه.

اختفت الزرقة تدريجياً، وارتخت يداه وسقطتا بجانبه.



عمّ صمت مرعب في الشقة، لا يقطعه إلا صوت لهاث الأم المذعور وصوت المذيع من التلفاز في الغرفة المجاورة يضحك على نكتة سخيفة.

هزت الأم كتف ابنها برفق، وصوتها يخرج مبحوحاً من شدة البكاء:

"عدي...؟ أنت سامعني يا قلب أمك؟"



فتح عدي عينيه ببطء شديد. لكن النظرة التي رمتها تلك العيون لم تكن لابنها الوديع. كانت نظرة غريبة، موحشة، ومحطمة.. نظرة شخص عاد لتوه من الجحيم، لكنه نسي أن يترك الموت هناك.


 ——— ✧ ———


المشهد الثاني: صباح لا يتذكّر الليل


دخل الضوء إلى الصالة مترددًا، خجولًا، كأنه لا يريد أن يرى ما خلّفه الليل.

كان ضوء شتويًّا باهتًا، ينساب فوق الكنبة ذات القماش الباهت، ويقف عند حافة الباب المغلق… باب غرفة عدي.


في المطبخ، كانت الأم تُعد الشاي.

غلاية قديمة، تصفر بصوت تعرفه جيدًا، صوت الأيام العادية.

سكبت الماء، حرّكت السكر، ولم تنتبه أن يدها كانت ترتجف ارتجافة خفيفة، بالكاد تُرى.


خرج عدي من غرفته بعد قليل.

لم يُلقِ التحية فورًا.

وقف لحظة عند العتبة، كأنه يقيس المسافة بين الغرفة والصالة، ثم مشى.


كان يمشي ببطء، لا يعرج، لا يتمايل، لكن خطواته كانت محسوبة أكثر من اللازم، كمن يسير فوق أرض لا يثق بها تمامًا.

صوت بلع ريقه الذي يبدو له عالياً جداً في رأسه كأنه صوت احتكاك حبل.


رفعت الأم رأسها. نظرت إليه طويلًا، دون أن تقول شيئًا. كانت الأمهات تعرف كيف تُحصي أبناءها بالنظر:

العينان، لون الجلد، الكتفان، النفس.


“صباح الخير يا عدي.”

قالتها أخيرًا.


تأخر الرد نصف ثانية. ثم: “صباح النور.”


جلس إلى المائدة.

أمسك بالكوب، تراجع قليلًا، ثم أمسكه مرة أخرى.

رفع الشاي إلى فمه… وتوقف.


لم يشرب.


سألته بهدوء مدروس: “لسه سخن؟”


هز رأسه نفيًا، دون أن ينظر إليها. ثم قال، وكأنه يُكمل فكرة كانت قبله: “الواحد بيبقى فاكر إن في وقت… بس مفيش.”


توقفت الملعقة في يدها. لم تسأله. الأمهات لا تسأل عند الجملة الأولى. هنّ يُسجّلن.


“كل يا حبيبي.”

قالتها بدلًا من ذلك، وهي تدفع نحوه طبق الجبن.


مد يده، لكن أصابعه مرّت لا إراديًا على رقبته، عند أسفل الفك مباشرة.

لم يخدش، لم يحكّ، فقط لمس… ثم سحب يده كمن تذكّر شيئًا فجأة.


ابتلع لقمة بصعوبة. شرب رشفة صغيرة. تنفّس.


راقبته الأم من طرف عينها. لم يكن مريضًا. ولم يكن بخير.


قالت بعد صمت قصير: “رقبتك وجعاك؟”


تجمّد. ليس جسده… بل نظرته. ثم هز رأسه: “لا.”


لكن صوته خرج خفيضاً، غريبًا، كأن الهواء فيه أقل من اللازم.


اقتربت منه. مدّت يدها. ترددت. ثم لامست رقبته برفق.


الجلد دافئ. النبض طبيعي. لكن تحت أصابعها، كان هناك شيء… ظلّ خافت، غير مكتمل، كأن الجلد تذكّر شكلًا ولم يجرؤ أن يحتفظ به.


سحبت يدها ببطء. ابتسمت له، ابتسامة أمّ تعرف كيف تكذب رحمةً. “يمكن شدّ عضلي. هتحسّن.”


هز رأسه موافقًا. نهض. أعاد الكوب إلى مكانه بعناية زائدة. ثم قال، وهو متجه إلى غرفته: “أنا هرجع أنام شوية.”


راقبته حتى أغلق الباب.


جلست. نظرت إلى المائدة. إلى الشاي الذي برد. إلى الصمت.


رفعت يدها إلى صدرها، وضغطت بخفة. وهمست، لا لأحد: “يا رب.”


في الغرفة، جلس عدي على سريره. حدّق في الحائط.


لم يكن يرى الحائط. كان يرى الفراغ الذي يتدلّى فيه جسد. ليس بوضوح…

بل كإحساسٍ يعرفه الجسد قبل العقل.


رفع يده إلى رقبته مرة أخرى. أغمض عينيه.


وقال بصوتٍ لا يسمعه أحد: “خلصت… صح؟”


لكن الصمت لم يرد.

 


 ——— ✧ ———


المشهد الثالث: ما لا يُقال


الهدوء لم يكن هدوءًا.

كان فراغًا متمدّدًا، كأن الغرفة اتّسعت فجأة أكثر مما ينبغي، وكأن الهواء نسي وظيفته.


عدي لم يكن نائمًا.

كان جسده مستلقيًا، لكن رأسه معلّق في مكان آخر، بلا حبال، ومع ذلك مشدود.


الوقت فقد شكله.

لم يعد دقائق ولا ساعات، بل مساحة رمادية يتقلّب فيها الإحساس دون أن يجد حافة.


هناك ثِقَل.

ليس على الصدر… بل خلف العينين.

ثِقَل يشبه انتظار شيء لا يأتي، لكنه مؤكد الحدوث.


حاول أن يتنفّس بعمق.

الرئة امتلأت.

لكن النفس لم يصل.


كان يعرف هذا الإحساس.

ليس جديدًا.

الجديد فقط أنه هذه المرة لا يملك بابًا ليغلقه.


الصور لا تأتي كاملة.

لا وجوه.

لا أماكن.


فقط: – شدّ مفاجئ حول الرقبة

– ميل خفيف في التوازن

– وبرودة تزحف من الأطراف إلى الداخل

– وصوت داخلي بلا نبرة، يقول ولا يقول: دلوقتي.


عدي لا يسمع الصوت…

هو يصبحه.


يحاول أن يتحرك.

أصابعه تتحرك.

قدماه تتحركان.


لكن شيئًا في الداخل سابق الحركة،

كأنه يسبق الجسد بنصف خطوة، دائمًا.


الذاكرة تخونه.

يحاول أن يتذكّر صباحًا عاديًا.

ضحكة.

تعبًا طبيعيًا.


كل ما يأتيه هو إحساس بالانتهاء.

ليس الموت…

بل ما بعده مباشرة، حين لا يعود هناك ما يُطلب.


يريد أن يبكي.

الدموع لا تأتي.


يريد أن يصرخ.

الصوت لا يتكوّن.


في هذا الفراغ، هناك فكرة واحدة فقط، ليست جملة، بل إحساس مكتمل:


اللي خلص… خلص من غير وداع.


ينكمش جسده قليلًا.

ليس من ألم، بل من حذر.


كأن داخله شخصًا آخر لا يريد الإزعاج.

شخصًا يجلس في زاوية الرأس، صامتًا، ينتظر أن يُستدعى.


عدي يعرف — دون معرفة —

أن التفكير هو الباب.


وأن الباب، هذه المرة،

لم يُغلق خلفه.


يفتح عينيه فجأة.

السقف في مكانه.

الحائط لم يتحرّك.


لكن الإحساس…

ما زال واقفًا.


يهمس لنفسه، دون صوت: “مش دلوقتي.”


كأنه يتوسّل.


لا يأتيه رد.

لكن الإحساس يتراجع نصف خطوة فقط.


نصف خطوة…

تكفي للحياة.

ولا تكفي للنجاة.

 


 ——— ✧ ———


المشهد الرابع: ظل في الظهيرة



قرر أن يخرج.

لم تكن رغبة، بل هروبًا.

الجدران في الغرفة بدأت تقترب، والهواء أصبح مُعاد تدويره، يحمل طعم أنفاس قديمة.



نزل إلى الشارع.

الظهر. الشمس ساطعة، فجة، لا تستر شيئًا.

الزحام في الشارع الرئيسي كان كالعادة: أصوات أبواق، باعة متجولون، ووجوه متعبة تهرول خلف أرزاقها.



حاول عدي أن يندمج.

أن يمشي بنفس الإيقاع.

أن يكون مجرد "واحد" وسط "الكل".



لكن الحواس… الحواس كانت مُعادية.



صوت بوق سيارة مفاجئ لم يكن مجرد تنبيه.

كان صفارة إنذار.

انتفض جسده. ليس فزعة العابر العادي، بل "تأهب" المقاتل المحاصر.

انحنت ركبتاه قليلًا، وتشنجت عضلات ظهره، وعيناه مسحتا المكان بحثًا عن مخرج… أو عن سلاح.



استغرق الأمر ثانيتين ليدرك عقله:

*أنا في الشارع. هذا تاكسي، ليس دورية.*



اعتدل في وقفته.

نظر حوله بخجل، خائفًا أن يكون أحد قد لاحظ هذا "التحول" الحيواني السريع.

لم ينتبه أحد. الناس غارقون في هواتفهم وهمومهم.



واصل المشي.

لكن الخطوات لم تكن خطواته.

كانت أوسع. أثقل. فيها غطرسة خفية لا تناسب بدنه النحيل.

الرصيف بدا ضيقًا عليه.



دخل مقهى اعتاد الجلوس فيه.

رائحة البن والمعسل.

نفس المكان، نفس الطاولات الخشبية.

جلس.



جاء النادل. “أهلاً أستاذ عدي. قهوة فرنساوي زي العادة؟”



فتح عدي فمه ليقول “نعم”.

لكن الكلمة وقفت في حلقه.

رائحة الحليب في خيال القهوة الفرنساوي قلبت معدته. بدت له “طفولية”، “مائعة”.



دون أن يفكر، وبصوت خشن غريب عليه، قال:

“لا. سادة. وشاي تقيل.”



توقف النادل لحظة. رمش باستغراب. “حاضر… سادة وشاي.”



رحل النادل.

جلس عدي يحدق في يديه الموضوعتين على الطاولة.

كانتا ترتجفان برغبة محمومة.

الأصابع تتحرك حركة دائرية، كأنها تبحث عن شيء تفركه… مسبحة؟ أم عملة معدنية؟ أم…



فجأة، وقعت عيناه على طاولة مجاورة.

رجل يترك علبة سجائر وولاعة.



شعر عدي بجفاف في حلقه.

ليس عطشًا.

بل “اشتياق”.

اشتياق كيميائي، حارق، يجري في دمه كأنه مدمن منذ عشرين عامًا.



مد يده لا إراديًا نحو الطاولة الفارغة المجاورة.

تخيل ملمس السيجارة بين شفتيه.

تخيل الدخان يملأ رئتيه، يحرق ذلك “البرود” الذي يسكن صدره.



“تفضل يا أستاذ.”

صوت النادل وضع الفنجان أمامه بقرقعة خفيفة.



سحب عدي يده بسرعة كمن لُسع.

نظر إلى القهوة السوداء.

سواد حالك، يشبه الثقب الذي رآه في سقف غرفته.



رفع الفنجان.

ارتشف رشفة.

المرارة لم تكن مرارة قهوة.

كان طعمها مألوفًا بطريقة مرعبة.

طعم التراب… والحديد.



وضع الفنجان بقوة جعلت السائل يطير على الطاولة.

نهض فجأة. الكرسي احتك بالأرض مصدرًا صريرًا عاليًا.



الناس التفتوا.

رأوا شابًا شاحبًا، يلهث وكأنه ركض ميلًا، وعيناه زائعتان تبحثان عن هواء.



خرج عدي مسرعًا إلى الشارع.

الشمس ضربت وجهه.

لكن البرودة لم تغادره.



وسط الزحام، همس لنفسه بصوت مسموع هذه المرة:

“اطلع مني… أرجوك.”



بائع مناديل عابر سمعه. ظنه مجنونًا، فابتعد عنه خطوة.



عدي لم يرَ البائع.

كان يرى فقط خياله على الأرض.

الظل كان يبدو أضخم من صاحبه.

والظل…

كان يمشي ببطء، بينما عدي يركض.


☾ ☾ ☾


> أحيانًا لا يبدأ الخطر بصوتٍ مرتفع،

بل بفكرة هادئة… أكثر هدوءًا مما ينبغي.


لو كنت مكان عدي،

هل كنت ستتجاهل الإحساس؟

أم تحاول أن تفهمه مهما كان الثمن؟



يُتبع…

هناك تعليق واحد:

Post Top Ad

Your Ad Spot