السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

الأحد، 19 أبريل 2026

قراءة في "واحة الغروب"

 قراءة في "واحة الغروب" 


واحة الغروب



حين تتحول الصحراء إلى مرآة لانكسارات النفس البشرية



عندما نتحدث عن الأدب الذي يغوص في أعماق النفس البشرية ليخرج بأسوأ كوابيسها وأصدق مخاوفها، فإننا نضع رواية "واحة الغروب" للأديب الكبير بهاء طاهر في مكانة متفردة. العمل الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) ليس مجرد نص يسرد وقائع تاريخية في نهايات القرن التاسع عشر، بل هو محاكمة قاسية للذات المنهزمة، ووثيقة سردية تُشرح معنى الخذلان.


1. هندسة السرد وتعدد الأصوات 

لعل أبرز ما يمنح هذه الرواية ثقلها الأدبي هو البناء السردي الذي اختاره بهاء طاهر. لم يعتمد الكاتب على راوٍ عليم يسرد لنا الأحداث من الخارج، بل وظف تقنية "تعدد الأصوات"  والمونولوج الداخلي ببراعة استثنائية. نحن ننتقل بين عقول الشخصيات، نسمع تبريراتهم، مخاوفهم، وتناقضاتهم. 

صوت "محمود عبد الظاهر"، المأمور المهزوم، يتقاطع مع صوت زوجته الأيرلندية "كاثرين" المهووسة بالإسكندر الأكبر، ويتقاطع مع أصوات أهل الواحة مثل "الشيخ صابر" و"مليكة". هذا التعدد لم يخلق فوضى سردية، بل خلق مشهداً بانورامياً معقداً، حيث لا يوجد بطل مطلق ولا شرير مطلق، بل مجرد بشر تطحنهم أقدارهم.


2. دراما الهزيمة: محمود عبد الظاهر

شخصية "محمود" هي تجسيد حي لحالة النكوص والانسحاب. ضابط شرطة شارك في الثورة العرابية، ثم وجد نفسه يداهن السلطة وينجو بنفسه بينما يُنفى رفاقه. نفيه إلى "واحة سيوة" لم يكن مجرد عقاب وظيفي، بل كان نفياً اختيارياً للروح. محمود لم يذهب إلى الواحة ليعيش، بل ذهب ليتلاشى. 

لقد برع الكاتب في نقل الإيقاع اللاهث والمحبط لأفكار محمود، ذلك الرجل الذي فقد إيمانه بكل شيء: بالوطن، بالحب، وحتى بنفسه، ليصبح نموذجاً للإنسان الذي ابتلعته مرارة العجز.


3. صدام العوالم: كاثرين وسراب الأسطورة

على النقيض من عدمية محمود، تقف "كاثرين"، الزوجة الأجنبية التي ترى في الشرق مجرد متحف مفتوح للآثار. كاثرين لا تبحث عن الحقيقة الموجعة، بل تبحث عن مجد "الإسكندر الأكبر". هي تمثل الاستشراق في أوضح صوره؛ ذلك الشغف البارد الذي يهتم بالحجر ويتجاهل البشر. الصدام الصامت بين محمود المنهزم واقعياً، وكاثرين المهووسة بأمجاد الماضي، يشكل خطاً درامياً يرفع من حدة التوتر في الرواية صفحة تلو الأخرى.


4. المكان كبطل رئيسي (واحة سيوة)

لم تكن سيوة في الرواية مجرد خلفية جغرافية تدور عليها الأحداث، بل كانت كياناً حياً، بطلة صامتة تبتلع الجميع. الواحة بعزلتها، بقسوة شمسها، وبعادات أهلها الصارمة، شكلت وعاءً ضاغطاً فجّر كل التراكمات النفسية لأبطال العمل. لقد استخدم بهاء طاهر جغرافية المكان ليعكس جدب الأرواح وتصحرها.


الخلاصة:

"واحة الغروب" هي رحلة سردية مكثفة نخرج منها محملين بأسئلة ثقيلة. هي رواية عن الموت الذي يمشي على قدمين، وعن الأوطان التي تضيع حين تضيع بوصلة الروح. لغة بهاء طاهر المتقشفة، الصافية، والبعيدة عن التكلف اللفظي، جعلت من هذا العمل تحفة في فن الدراما النفسية. إنها قراءة ضرورية لكل من يبحث عن أدب يحترم عقل القارئ ويترك فيه أثراً لا يُمحى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot