بنت أماره
هذه حكاية صغيرة.
غرفة في آخر البيت،
لا يدخلها الضوء إلا قليلاً.
لا شيء يحدث فيها على نحوٍ واضح،
ومع ذلك…
يتغير كل شيء.
كتبتها كما تُرى الأشياء لأول مرة،
دون أن تُفهم تماماً.
الفصل الأول
لم أكن أفهم يومها لماذا كان اسمها يُقال بصوت اقرب للهمس.
الآن فقط أعرف أن بعض الأسماء لا تجد مكاناً لها في البيت.
كان البيت صاخباً كعادته.
كانت أمي تقف أمام موقد الغاز، تمسح العرق عن جبهتها بظهر يدها المبللة. وصوت المذياع يختلط بأزيز الزيت الساخن.
سليمان كان قد مرّ صباحاً ثم خرج مسرعاً، كأن البيت محطة لا يقيم فيها أحد.
خلف الباب الخشبي في آخر الممر بجوار المرحاض كانت هي.
لم أكن أحب ذلك الباب. كان صوته عالياً إذا فُتح، كأنه يفضح من يدخله.
قلت لأمي وأنا أمسك طرف ثوبها: "صباح… يمكن جاعت."
لم تلتفت. رفعت المقلاة وأفرغت ما فيها، ثم قالت بنبرة متعبة لا غضب فيها:
وضعت لها ربع رغيف وجبناً في الصباح. ظهري ينقصم من الوقوف يا ولدي، وهي لا تتحرك من مكانها كي تجوع. اذهب واغسل يديك للغداء.
كنت أعرف أن صباح لا تطلب لأنها لا تستطيع.
انتظرت حتى هدأ البيت قليلاً. أخذت قطعة بسكويت من فوق الطاولة، ووضعتها في جيبي. لم أسرقها… فقط أخّرتها.
مشيتُ في الممر الضيق. الغرفة في النهاية كان بابها موارباً دائماً، لا يُغلق تماماً ولا يُفتح تماماً. دفعت الباب بكتفي. لم تكن هناك رائحة واضحة، فقط هواء مختنق بين جدران متقاربة.
دفعت الباب ببطء.
الغرفة كانت أضيق مما أتذكر كل مرة.
رائحتها مختلفة عن بقية البيت.
كانت معدة لتكون مطبخا وتم هجره.
نافذتها صغيرة، والضوء يدخل منها كخيط رفيع لا يصل إلى الأرض.
كانت مستلقية على الفرشة.
رأسها أكبر من جسدها بقليل، أو هكذا كنت أراه.
عيناها مفتوحتان.
لم تلتفت حين دخلت. كانت تنظر إلى ذبابة تدور حول بقعة ماء جافة.
"صباح."
حركت يدها. لم ترفعها كثيراً، فقط حركتها كأنها تبحث عن شيء في الهواء.
جلست قربها وأخرجت البسكويت.
مددت يدي إليها.
حاولت أن تزحف نحوي. يداها تضربان الأرض، وساقاها تجرّان خلفها ببطء. لم تكن تمشي. كانت تتحرك مثل ظلٍّ يحاول أن يلحق بصاحبه.
وصلت.
أمسكت إصبعي قبل البسكويت.
بقيت تمسكه قليلاً، ثم تركته وأخذت تأكل.
كانت تأكل بصمت، وكأنها تخاف أن يسمعها أحد.
مسحت فتات البسكويت عن فمها بكمّ قميصي. لم أعرف لماذا فعلت ذلك. بدا الأمر ضرورياً.
قلت لها: "غداً سنجلس عند النافذة. سأريك الشارع."
لم تجب.
بقيت عيناها مشدودتين إليّ
في تلك الأيام، كنت أظن أن إخراجها إلى الشمس يكفي ليجعلها تقف.
لم أكن أعرف أن بعض الأشياء لا يمنعها الظلام فقط.
في الخارج، نادت أمي بصوت عالٍ: "الغداء جاهز!" لم أسحب ركبتي. بقيتُ أراقبها وهي تمضغ الفتات، بينما تميل برأسها أكثر نحو الأرض
❧ ❧ ❧
الفصل الثاني
في اليوم التالي حاولت أن أفتح النافذة.
الكرسي كان ثقيلاً عليّ، لكنني سحبته حتى لامس الجدار. صعدت فوقه ومددت يدي إلى المزلاج. احتجت أن أقف على أطراف أصابعي. عندما انفتح، دخل الهواء دفعة واحدة، كأنه كان ينتظر.
التفتُّ إليها.
كانت مستلقية كما تركتها، لكن الضوء هذه المرة وصل إلى طرف الفرشة. خطٌّ رفيع عبر الأرض حتى أصابعها.
قلت:
"انظري… الشمس."
لم أعرف إن كانت تفهم كلمة "شمس".
لكنها رمشت أكثر من مرة، وكأن الضوء أزعجها أو أيقظها.
نزلتُ من على الكرسي وجلست قربها. وضعت يدي تحت كتفيها ورفعتها قليلاً. كانت أخف مما ينبغي. جسدها لا يقاوم كثيراً، فقط يميل حيث أميله.
أسندتها إلى الحائط.
في البداية مالت على جنبها.
عدّلتها.
مالت مرة أخرى.
ضحكتُ دون سبب واضح، ربما لأقنعها أن الأمر لعبة.
"هكذا… اجلسي."
كانت رأسها تتمايل ببطء. عيناها على النافذة.
مدّت يدها نحو الضوء، لكنها لم تصل.
أمسكتُ يديها الاثنتين ووضعت قدميها أمامها.
"سنقف الآن."
كنت أظن أن الوقوف قرار.
أن تقول للجسد: قف، فيقف.
شدَدتُها نحوي قليلاً. ارتجفت ساقاها. لحظة قصيرة، شعرت أنها تلامس الأرض حقاً. ثم سقطت بثقلها عليّ.
لم تبكِ.
نظرت إليّ فقط.
جلستُ أرضاً، وأسندتها إلى صدري. كنت أسمع صوت أنفاسها قريباً جداً، أسرع من أنفاسي.
خارج الغرفة، مرّت أمي في الممر.
توقفت لحظة عند الباب.
ظننتها ستدخل.
لم تدخل.
أغلقتُ النافذة قليلاً. لم أرد أن تلاحظ.
قلت لها وأنا أعيدها إلى الفرشة:
"لا بأس. غداً سنحاول مرة ثانية."
بقيت عيناها مفتوحتين، تتبعان حركة الضوء وهو يبتعد عن أصابعها مع اقتراب العصر.
في تلك الأيام، كنت أعدّ المحاولات كما يعدّ الأطفال ألعابهم.
لم أكن أعرف أن بعض الأجساد تتعب من المحاولة أكثر مما تتقوّى بها.
وضعت يدي في يدها قبل أن أخرج.
ضغطت عليّ بقدرٍ خفيف، بالكاد يُحس.
كنت أعتقد أن هذا يعني أنها ستقف قريباً.
❧ ❧ ❧
الفصل الثالث
بدأتُ ألاحظ أن رأسها يميل أكثر من قبل.
لم يحدث ذلك فجأة.
فقط في أحد الأيام، حين جلستُ أمامها، احتجتُ أن أرفع ذقنها بيدي كي أرى عينيها. كانت خفيفة في يدي، أخف من المعتاد، كأنها لا تعترض.
قالت أمي في المطبخ إن الجو تغيّر، وإن الأطفال يمرضون حين تتبدل الفصول. لم تكن تقصد صباح تحديداً. كانت تقولها وهي تقلب الغسيل في الطشت.
دخلتُ عليها بعد الظهر. لم تكن تنظر إلى الذبابة هذه المرة. كانت تنظر إلى لا شيء. عيناها مفتوحتان، لكنهما لا تتبعان حركة الضوء كما كانتا تفعلان.
جلستُ قربها.
"صباح."
لم تحرّك يدها فوراً. احتجتُ أن ألمس كفها أولاً. حين لمستها، شعرتُ أنها أبرد من البلاط.
سحبتُ الغطاء الصغير حتى كتفيها. لم أكن أعرف إن كانت تشعر بالبرد فعلاً، لكنني شعرت به عنها.
في المساء، حاولتُ أن أطعمها. قطعتُ الخبز إلى أجزاء أصغر من المعتاد. وضعتُ لقمة على شفتيها. بقيت هناك لحظة طويلة قبل أن تفتح فمها. مضغت ببطء. كأنها تتعب من المضغ.
خارج الغرفة، كان سليمان يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع. ضحك مرة. لم أعرف مع من. لم يدخل ليسأل عنها.
في اليوم التالي، لم تحاول أن تتحرك نحوي. بقيت في مكانها، ورأسها مائل أكثر. حين وضعتُ يدي تحت كتفيها لأجلسها، شعرتُ بعظامها أوضح من قبل.
"سنقف اليوم،" قلت لها، لكنني لم أحاول حقاً.
أجلستها لدقائق ثم أعدتها إلى الفرشة. كانت أنفاسها قصيرة، متقطعة قليلاً، كأنها تصعد درجاً لا أراه.
مرّت أمي عند الباب. نظرت إليها نظرة سريعة، ثم قالت لي: "لا تكثر حملها. عظامها ضعيفة."
أومأتُ برأسي.
بعد أن خرجت، وضعتُ أذني على صدر صباح. سمعت صوتاً خافتاً، غير منتظم. بقيت هكذا قليلاً. لم أعرف ماذا أفعل بعد ذلك.
في تلك الأيام، بدأتُ أعدّ الأشياء التي تفعلها ولم تعد تفعلها.
لم تعد تلاحق الضوء بعينيها.
لم تعد تمسك إصبعي فور دخولي.
لم تعد تحاول أن تسحب جسدها نحوي.
كنتُ أظن أن هذا تعب مؤقت.
أنها ستستيقظ يوماً وتفاجئنا جميعاً.
لم أكن أفهم أن بعض التراجع لا ينتظر مفاجآت.
في إحدى الليالي، حين نادت أمي على العشاء، لم أخرج فوراً. بقيتُ جالساً إلى جوارها. وضعتُ كفها في كفي. كانت يدها ساكنة تماماً، لا ضغط خفيف كما اعتادت أن تفعل.
رفعتُها قليلاً، ثم تركتها. سقطت على الفرشة دون مقاومة.
نادت أمي مرة ثانية.
قلتُ: "جاي."
لكنني لم أتحرك.
بقيتُ أراقب صدرها يرتفع وينخفض.
كان يرتفع… بالكاد.
❧ ❧ ❧
الفصل الرابع
الاسم الذي لا يُقال
في ذلك الأسبوع، بدأت أسمع اسمها أقل.
لم يكن اسم صباح هذه المرة.
كان اسم أمارة.
لم أكن أعرف أمارة جيداً. رأيتها مرة واحدة، منذ زمن، تقف عند باب البيت وهي تمسك طرف حجابها بقوة. كانت تتكلم بسرعة، وأخي سليمان لا ينظر في عينيها. بعد ذلك، لم أرها ثانية.
جلستُ في الصالة بينما كانت أمي تطوي الغسيل. قلتُ من غير أن أنظر إليها:
"أمي… أمارة لا تأتي أبداً؟"
توقفت يداها لحظة. لم ترفع رأسها.
قالت: "لا شأن لك بأمور الكبار."
سكتُّ قليلاً، ثم قلت:
"لكنها أمها."
رفعت أمي قطعة قماش وهزّتها بقوة، كأنها تنفض شيئاً عالقاً فيها.
"لا تذكر اسمها في البيت."
لم يكن في صوتها غضب. كان فيه شيء آخر، شيء يشبه الضيق حين يطرق أحدهم باباً في وقت غير مناسب.
في المساء، سمعت خالتي تقول لأمي في المطبخ:
"البنت مسكينة… ذنبها في رقبة من خلّفها."
لم أفهم العبارة جيداً. ظننتُ أن الذنب شيء يمكن حمله على الكتف مثل الحقيبة.
دخل سليمان فجأة، فسكتتا.
لم ينظر نحوي. سأل فقط:
"أكلت؟"
أجبته: "صباح أكلت شوي."
قال: "الحمد لله."
ثم دخل غرفته وأغلق الباب.
لم يقل اسمها.
في اليوم التالي، حين جلستُ قربها، حاولتُ أن أقول بصوت مسموع:
"أمارة."
لم يحدث شيء.
صباح لم تلتفت.
الهواء لم يتحرك.
كررتُ الاسم في سري.
بدا غريباً داخل رأسي، كأنني أستعمل كلمة لا تخص بيتنا.
كنت أظن أن الأمهات يأتين إذا ذُكرن.
أن الاسم يعمل مثل جرس.
لكن لا أحد جاء.
مددتُ يدي إلى صباح. كانت تنظر إلى السقف.
قلت لها:
"أمك اسمها أمارة."
لم أعرف لماذا قلت ذلك.
ربما لأثبت أن لها أماً فعلاً، وأنها ليست وحدها.
لم تتغير ملامحها.
لكنني شعرت أن الغرفة ضاقت قليلاً.
في تلك الأيام، بدأت أفهم شيئاً لم يشرحه لي أحد.
أن بعض القصص لا تُحكى لأنها انتهت بشكل سيئ.
وأن ما يبقى بعدها لا يُسمّى هدية… بل يُعامل كأثرٍ من آثارها.
لم يقل أحد إن صباح عقاب.
لم يقل أحد إنها تذكير بزواج لم ينجح.
لكن اسم أمارة كان يكفي ليجعل الحديث يتوقف،
والعيون تتحول إلى جهة أخرى.
وضعتُ كفي على جبين صباح.
كان دافئاً أكثر من المعتاد.
نادت أمي من الممر:
"تعال ساعدني في حمل الطشت."
قلت: "دقيقة."
لم أحب أن أتركها وحدها حين يُذكر ذلك الاسم.
❧ ❧ ❧
الفصل الخامس
في تلك الليلة، شعرتُ بحرارتها قبل أن ألمسها.
كان التنفس في غرفتها صعباً. جلستُ قربها كعادتي، ووضعتُ يدي على جبينها. سحبتها سريعاً. لم تكن برودة البلاط هذه المرة. كان في جلدها دفء زائد، غير مألوف.
"صباح."
فتحت عينيها قليلاً. لم تنظر إليّ طويلاً. كان نفسها أسرع، يصعد وينزل كأنه يتعثر.
خرجتُ إلى المطبخ.
قلتُ لأمي: "هي حارة."
لم تفهم أولاً.
"من؟"
"صباح."
مسحت يديها في المئزر وجاءت معي. انحنت فوقها، وضعت يدها على جبينها، ثم على رقبتها.
قالت بصوت منخفض:
"يمكن سخونة بسيطة."
بحثت عن قطعة قماش. بللتها بالماء. وضعتها على رأسها. كانت يداها ترتجفان قليلاً، لا أعرف إن كان من التعب أم من شيء آخر.
دخل سليمان بعد قليل.
خلع حذاءه، وجلس على طرف الكرسي.
قالت له أمي: "البنت حرارتها عالية."
نظر نحو الغرفة دون أن يقوم.
سأل: "من متى؟"
قلتُ: "من شوي."
صمت.
أشعل سيجارة.
ظل الدخان يتصاعد ببطء في الصالة. لم يدخل الغرفة.
بللت أمي القماش من جديد. كانت تعصره بقوة، أكثر مما يحتاج الماء.
قالت: "يمكن لازم نجيب دكتور."
لم يجب سليمان فوراً.
نفث دخاناً طويلاً، ثم قال: "نشوف الصبح."
ارتفع نفس صباح أكثر. كان صوتاً خافتاً، لكنه واضح لمن يقترب. عدتُ إليها. جلستُ أرضاً، ووضعت أذني قرب فمها. كانت تفتح شفتيها قليلاً، كأنها تبحث عن هواء أوسع.
في الخارج، سمعتُ أمي تقول بصوت لم يُقصد له أن يصلني:
"البنت تتعذب."
صمت قصير.
ثم صوت سليمان، منخفضاً، متعباً:
"يمكن… راحتها أحسن لها."
لم أفهم الجملة كاملة في تلك اللحظة.
توقفت عند كلمة "راحة".
عدتُ إلى داخل الغرفة.
أغلقت الباب قليلاً.
جلستُ قربها وأمسكتُ يدها. كانت ساخنة الآن، مختلفة عن كل مرة أمسكتها فيها. حاولتُ أن أقول شيئاً يطمئنها، لكن الكلمات لم تأتِ.
"أنا هنا."
لم أعرف هل أقولها لها أم لنفسي.
وضعتُ الكمادة على جبينها كما فعلت أمي. سقطت بعد لحظات. لم أعد أعرف إن كنت أضعها في المكان الصحيح.
نفسها كان يعلو أحياناً ثم يهبط فجأة. كنتُ أعدّ الفواصل بين كل نفس وآخر، دون أن أفهم لماذا أفعل ذلك.
في الخارج، عاد صوت التلفاز.
برنامج عادي. ضحك مسجل.
لم يدخل أحد.
في تلك الليلة، لم أعد أفكر في الشمس ولا في الوقوف.
كنتُ أريد فقط أن يعود جلدها كما كان.
بارداً قليلاً… وثقيلاً.
شدّدتُ قبضتي حول يدها.
لم تضغط عليّ هذه المرة.
وبين نفسٍ وآخر، بدأتُ أفهم أن كلمة "راحة" لا تعني دائماً ما تعنيه للكبار.
❧ ❧ ❧
الفصل السادس
استيقظتُ قبل الجميع.
لم أكن أعرف لماذا.
كان البيت هادئاً أكثر من العادة. حتى المذياع لم يُفتح بعد.
مشيتُ في الممر دون أن أغسل وجهي. كنت أريد أن أسبق الصباح إلى غرفتها.
دفعتُ الباب ببطء.
الهواء في الداخل كان ثابتاً.
أكثر ثباتاً من كل مرة.
كانت مستلقية كما تركتها.
رأسها مائل قليلاً.
عيناها نصف مفتوحتين.
"صباح."
لم أقترب فوراً.
انتظرتُ أن تتحرك يدها كما تفعل دائماً عندما تسمع صوتي.
لم تتحرك.
اقتربتُ.
جلستُ القرفصاء.
وضعتُ يدي على جبينها.
لم تكن ساخنة.
لم تكن باردة أيضاً.
كانت… بلا شيء.
هززتُ كتفها برفق.
"صباح."
سقط رأسها إلى الجانب الآخر بسهولة لم أعرفها من قبل.
مددتُ أذني إلى صدرها.
انتظرتُ.
كنت أعرف صوت أنفاسها.
كنت أحفظه.
لم أسمع شيئاً.
رفعتُ رأسي.
انتظرتُ مرة أخرى، كأن الصوت تأخر فقط.
وضعتُ يدي على صدرها وضغطتُ قليلاً، كما رأيتُ مرة في فيلم قديم.
"قومي."
خرجت الكلمة صغيرة.
لم تشبهني.
ضغطتُ مرة أخرى.
"صباح."
لم أكن أبكي بعد.
كنتُ أحاول أن أجد مكان النفس الذي اختفى.
فتحتُ فمها قليلاً.
انتظرتُ أن يخرج الهواء.
لم يخرج.
في الخارج، سمعتُ أمي تتحرك في المطبخ.
صوت الماء في الحوض.
كنتُ أعرف أن عليّ أن أناديها.
لم أرد.
أمسكتُ يد صباح.
كانت خفيفة جداً.
أخف من كل مرة.
رفعتها بين يديّ.
تركتُها تسقط على الفرشة.
لم ترتد.
عندها فقط، بدأتُ أفهم.
لم يكن الفهم فكرة.
كان فراغاً كبيراً دخل صدري دفعة واحدة.
وضعتُ جبيني على جبينها.
لم تكن هناك حرارة هذه المرة.
ولا برودة.
فقط سكون.
سمعتُ صوت أمي من بعيد:
"غسلْتَ وجهك؟"
لم أجب.
حاولتُ أن أقول لها شيئاً قبل أن تأتي.
أن أسبقها إلى الخبر.
أن أشرح لها أن صباح لم تتنفس هذه المرة.
لكن الكلمات لم تتشكل.
دخلت أمي أخيراً.
وقفت عند الباب.
لم تصرخ.
تقدمت خطوتين.
لمست جبينها.
ثم سحبت يدها ببطء، كأنها لمست ماءً عميقاً.
جلست على الأرض.
لم تبكِ فوراً.
قالت فقط:
"يا ساتر."
وقفَت للحظة، ثم خرجت تنادي سليمان.
جاء واقفاً عند الباب.
نظر.
لم يدخل.
قال بصوت خافت، كأنه يخاطب أحداً غيرنا:
"إنّا لله."
ثم صمت.
كنتُ ما زلتُ جالساً قربها.
لم يطلب مني أحد أن أبتعد.
لم يقترب أحد ليأخذني.
وضعتُ يدي في يدها مرة أخيرة.
انتظرتُ أن تضغط عليّ.
لم تفعل.
في تلك اللحظة، لم أفكر في الموت.
فكرتُ في الشمس التي وعدتُها بها.
في النافذة التي لم تصل إليها.
في كل مرة قلتُ لها "غداً".
فهمتُ فجأة أن الغد لا ينتظر أحداً.
حين حملوها بعد قليل، كانت أخف مما تخيلت.
تركت الفرشة مكاناً فارغاً، على شكل جسد صغير.
ظللتُ أحدق في ذلك الفراغ طويلاً.
لم أبكِ عندما خرجوا بها.
بكيتُ عندما أغلقوا الباب.
لأنني عرفتُ أنني لن أفتحه مرة أخرى لأقول:
"صباح."
جمال عسكر
بعض القصص لا تنتهي حين تنتهي.
تبقى في مكانها،
كما لو أنها لم تغادر الغرفة أبداً.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق