المشهد السابع عشر: الدم والزجاج
بقلم جمال عسكر
لم يخرج المسدس فورًا.
سليم لم يكن رجل سهل الإنفعال.
كان رجل حسابات.
يده داخل الجيب.
أنامله تلمس المعدن البارد.
لكن عينيه كانتا معلّقتين على الولاعة في يد عدي.
الشرارة الصغيرة
كانت أخطر من الرصاصة.
قال سليم بصوت حاول أن يجعله متماسكًا: “إنت فاكر نفسك إيه؟… شبح؟”
ابتسم عدي.
لكن الابتسامة هذه المرة لم تكن كاملة.
نصفها ارتجف.
في الداخل…
كان هناك شدٌّ عنيف.
منصور لم يكن يصرخ.
كان يدفع.
دفع الأعصاب.
دفع العضلات.
دفع حدود الجسد لما بعد ما يعرفه.
قال الصوت في رأسه، ليس كلامًا بل أمرًا:
> دلوقتي.
خرج المسدس.
في اللحظة نفسها…
تحرّك عدي.
ليس بسرعة خارقة.
ولا بحركة بهلوانية.
بل بحركة رجل يعرف أين لا يجب أن يقف.
الرصاصة الأولى
مرت حيث كان رأسه قبل نصف ثانية.
طاخ!
الزجاج خلفه
انفجر.
لم يتكسر.
تناثر.
شظايا حادة
كأن السماء انهارت إلى الداخل.
صرخ سليم.
ليس خوفًا…
بل غضبًا.
أطلق رصاصتين متتاليتين.
عدي لم يفكر.
لم يخطط.
الجسد تحرّك وحده.
قفز فوق المكتب.
الخشب الفاخر تصدّع تحت وزنه.
سقط الاثنان على الأرض.
الرصاصة الثالثة
أصابت الكتف.
صرخة خرجت…
لكن لم تكن صرخة منصور.
كانت صرخة عدي.
الألم كان حقيقيًا.
ساخنًا.
ممزقًا.
للحظة…
تراجع منصور.
الجسد ليس ملكه.
والألم…
ليس جزءًا من ذاكرته.
سليم حاول أن ينهض.
لم ينجح.
قدم عدي
هبطت على معصمه.
طَق.
العظمة لم تنكسر.
لكن الرسالة وصلت.
سقط المسدس.
انقضّ منصور.
ليس بالقبضات.
بل بالرأس.
ضربة واحدة
في الأنف.
الدم انفجر فورًا.
أحمر داكن
على الأرضية الخشبية الباهظة.
سليم صرخ هذه المرة فعلًا.
تراجع يزحف.
يحاول الوصول للباب.
لكن الدم
كان زلقًا.
عدي وقف.
يتنفس بصعوبة.
الكتف ينزف.
يده كانت ترتعش.
في رأسه،
كان منصور يصرخ:
> كمّل!
اقتل!
خلص!
لكن شيئًا آخر…
أضعف…
تحرك أيضًا.
صوت الأم.
ليس كلمات.
بل إحساس.
> الجسد مش سلاح.
الجسد بيت.
عدي تمايل.
مسك رأسه بيديه.
صرخ: “كفاية!!!”
سليم، والدم يملأ وجهه،
نظر إليه بذهول.
“إنت… إنت اتنين…”
ضحك عدي.
ضحكة مكسورة.
“وأنت ولا واحد.”
اقترب.
لم يضربه.
جلس أمامه.
على الأرض.
في مستوى عينيه.
قال بصوت مخنوق: “إنت قتلتهم…
بس اللي جوايا مات معاهم.”
سليم حاول أن يتكلم.
خرج صوت غرغرة فقط.
صوت إنذار
تعالى فجأة.
الأبواب الآلية
بدأت تُغلق.
الأمن.
الوقت انتهى.
منصور صرخ:
> اضربه!
سيبه جثة!
لكن عدي…
كان ينزف.
والنزيف
يعيد الجسد لصاحبه.
وقف بصعوبة.
نظر إلى سليم آخر مرة.
قال: “النار خلصت شغلها.”
وتركه.
فتح باب الطوارئ.
الإنذار يعوي.
ركض.
الدم يقطر من كتفه.
الزجاج يطحن تحت قدميه.
وفي الداخل،
جلس منصور في صمت.
لأول مرة…
لم ينتصر.
✦ ✦ ✦
المشهد الثامن عشر (الأخير): الجسد الذي يختار
عاد إلى البيت.
لم يعرف كيف وصل.
الشوارع كانت ضبابًا، والأصوات كانت تأتيه من تحت الماء.
النزيف في كتفه تباطأ، لكنه لم يتوقف.
القميص ملتصق بجلده.
ورائحة الحديد (الدم) هي الرائحة الوحيدة في العالم.
فتح باب الشقة.
لم يغلقه خلفه.
الأم كانت في الصالة.
رأته.
شهقت.
جرت نحوه. “عدي! دم!… يا نهار أبيض!”
رفع يده السليمة.
أشار لها أن تتوقف.
لم يتكلم.
كان وجهه شاحبًا كالموتى، لكن عينيه…
عيناه كانتا صافيتين تمامًا.
مشى نحو الحمام.
“عدي! لازم مستشفى!”
صاحت الأم وهي تحاول إسناده.
نظر إليها.
ابتسم تلك الابتسامة المكسورة، وقال بصوت خافت جدًا:
“مش ده الجرح اللي بيموّت يا ماما.”
دخل الحمام.
أغلق الباب.
أدار المفتاح.
استند بظهره إلى الباب، وانزلق حتى جلس على الأرض الباردة.
السيراميك الأبيض تلطخ بالأحمر.
أغمض عينيه.
في الداخل…
كان هناك هدوء غريب.
هدوء ما بعد العاصفة.
قال عدي، دون أن يفتح فمه:
> “خلاص.”
رد منصور.
صوته كان ضعيفًا، بعيدًا، كأنه يأتي من قاع بئر:
> “لسه بدري… ممكن نهرب… ممكن نعيش.”
هز عدي رأسه وهو مغمض العينين.
“إحنا مش عايشين يا منصور… إحنا بنستخبى.”
ضغط بيده السليمة على مكان الرصاصة في كتفه.
الألم لسعه بقسوة.
استخدم الألم كإزميل… ليفصل اللحم عن الذاكرة.
قال:
“أنا سامحتك.”
سكت الصوت في الداخل.
الدهشة ألجمته.
أكمل عدي:
“سامحتك إنك قتلت… وسامحتك إنك مت… وسامحتك إنك جيت هنا.”
فتح عينيه.
نظر إلى المرآة فوق الحوض.
لم يرَ وجهين.
رأى وجهًا واحدًا.
وجهه هو.
لكنه أكبر بعشر سنوات.
وفيه حزن لا يخصه… لكنه قبله.
“بس البيت ده…”
همس عدي وهو ينظر لانعكاسه:
“… ما يسعناش إحنا الاتنين.”
في تلك اللحظة،
شعر بشيء ينسحب.
ليس خروجًا عنيفًا.
ليس صراخًا.
كان أشبه بماء يتبخر.
أو دمعة تجف.
منصور لم يقاتل.
لأن الوحوش لا تقاتل في النور.
ومسامحة عدي… كانت نورا ساطعًا أحرق الظل.
شعر عدي ببرودة مفاجئة في أطرافه، تلتها حرارة خفيفة سكنت صدره.
الذاكرة بدأت تتشوش.
صورة الحريق… صارت باهتة.
صورة الأطفال… صارت مجرد صور فوتوغرافية قديمة.
صوت سليم العزيزي… صار صدى.
ثقل الوجود الذي كان يحمله…
اختفى.
بقي فقط ثقل الجسد.
وثقل الجرح.
سمع صوت أمه تطرق الباب بجنون، وتبكي:
“عدي! رد عليا! هكسر الباب!”
حاول أن ينهض.
لم يستطع.
فقد الكثير من الدم.
لكنه مد يده، وفتح القفل.
انفتح الباب.
دخلت الأم.
رأت الدم. صرخت. احتضنته.
“إسعاف! حد يطلب إسعاف!”
وسط صراخها، ووسط ضجيج العالم الذي بدأ يعود،
مال عدي رأسه على صدر أمه.
استنشق الرائحة.
رائحة ملابسها.
رائحة البيت.
رائحة القهوة القديمة في المطبخ.
أغمض عينيه.
سألته الأم وهي تهزه: “عدي! إنت معايا؟”
فتح عينيه بصعوبة.
نظر إليها.
ولأول مرة منذ أيام،
رأت الأم ابنها… هو فقط.
لا ظلال.
لا غرباء.
ابتسم عدي.
وقال آخر جملة قبل أن يغيب وعيه في النوم الأبيض:
“أيوه يا ماما…
أنا رجعت.”
**- تمت -**

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق