حكايات هدهد متقاعد
الحكاية الثانية
الذئب والنبع
مقدمة
عاش الهدهد ردحًا طويلًا من الزمن، حتى كلَّ جناحاه، وسئم تكاليف الحياة، وخفَت شغفه بالترحال، وإن ازدادت بصيرته نفاذًا إلى ما تخفيه الغابة من عجائب وطبائع. فآثر الدعة والسكينة، وصار يتنقّل بين أغصان الآجام، يراقب هذا، ويحادث ذاك، ويصغي بانتباه إلى ما تتناقله حيوانات الغابة من أخبار وما تحدث من أفعال.
دفتره الصغير لا يفارقه؛ فإذا غربت الشمس، وأرخى المساء سدوله على الغابة، خلا إلى نفسه ودوّن ما مرّ به في يومه، وما استوقفه من قول أو فعل، وما أثار في نفسه سؤالًا لم يجد له جوابًا.
ولم يكن يدور في خلده يومًا أن تلك الصفحات التي سطّرها على مهل، وبثّ فيها شيئًا من وجدانه، ستغدو يومًا حكاياتٍ تتناقلها الألسن، ويتأمل القراء ما تنطوي عليه من خبايا النفوس وغرائب الطباع.
الحكاية
كان الذئب يرد ماء النبع كل صباح، فيضرب الماء بمخلبه، ويعكّر صفوه، ثم يشرب.
ذات يوم، وقفت غزالة عطشى عند الحافة، ورأت صورتها تتكسّر فوق المياه الطينية. انتظرت حتى يصفو الماء، لكن الذئب عاد فعكره من جديد.
قالت له:
— أيمكنك أن تشرب دون أن تفسد الماء علينا؟
رفع رأسه، وحدّق فيها.
— أتمنعينني من إتيان نبع الغابة؟
لم تجبه، فضلت كبرياء الصمت على هدر الكلام. وابتعدت تلتمس مورد ماء آخر.
وصار هذا مشهداً اعتادت عليه الغابة، كلما اقترب من النبع، نَأَتْ عنه الحيوانات. فيشرب وحده، ويستشيط غضبًا كلما أبصرهم يتوارون بين الأشجار.
وذات مساء، لمحني فوق غصن قريب، فقال لي:
— ما بال هذه الحيوانات لا تطيقني؟ لم يؤذني أحد منها، ومع ذلك تتخذني عدوا.
نظرت إلى الماء. وقد تجلى القاع للرائي من سكونه وصفوه.
قلت:
— هل تساءلت يومًا لماذا يغادرون قبل أن يرووا ظمأهم.
زمجر الذئب:
— لأنهم نفوسهم يشوبها الجبن. لا يحتملون أن يروا من هو أقوى منهم.
لم أرد. شغلني أن أتابع سلوك الذئب الحانق، الذي بدأ يحفر في التراب بمخلبه.
اقترب من الشجرة قرد شارد، فطرت مبتعدا عنه، والتجأت إلى أخرى على مقربة، تاركا الذئب عند النبع، يحدّق في الماء.
أبهته انعكاس صورته النقية على صفحة الماء، فوقف مذهولا لا يصدق عينيه.
فلطم صفحة الماء بمخلبه حتى غدا كدرا، ثم ابتعد ساخطًا.