النقد الأدبي في مصر القديمة
(رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر)
إطلالة على الأدب في مصر القديمة
تأتي أهمية الأدب المصري القديم ليس ( على كونه تراثا أدبيا فحسب ، بل إنما يقدم لنا بعدا إنسانيا للحضارة المصرية القديمة ، التي لا يعرف عنها الشخص العادي ، سوى المقابر والتوابيت والتماثيل ، بل إن كثيرا من الناس كانوا يعتقدون -- إلى عهد قريب -- أن حضارة مصر الفرعونية ، ليست إلا حضارة مادية في الدرجة الأولى ، وأن هذه الشوامخ الراسيات على أرض الكنانة ، من الأهرامات والمعابد والمسلات وغيرها من الآثار المصرية ، ليست إلا رمزا للاستعباد والسخرية ) " ١ "
ليس من اليسير تحديد عهد معين لنشأت الأدب المصري القديم ، في أول أطواره ( فلا شك أن أهل ما قبل التاريخ ، الذين لم يعرفوا الكلمة المكتوبة ، ولم يتركوا لنا أدبا مدونا ، كانوا مستمتعين -- على الرغم من ذلك -- بالقصة الشفهية ، والأغنية الشعبية ، والبطولات المروية ، مما لم تحتفظ منه مكتوبات العصور التاريخية إلا بنتف ضئيلة متفرقة ) " ٢ "
فالأدب بدأ شفهيا ، في شكل الحكي ، أو القص المنسق الذي يقوم به القصاصون وقد أكد ذلك ، ما وقع تحت أيدينا من نصوص مكتوبة ، من السهل استنتاج ذلك منها على نحو : ( تنبؤات نفرتي ) ، والتى يطلب فيها الملك ( سنفرو ) من موظفي القصر القصر الملكي ، أن يبحثوا له عن من يقص عليه ما يسليه ويسعده ، فجاء على لسانه :
(ايتو لي بإنسان يروح عن نفسي بكلمات جميلة وأقوال مختارة تجد في سماعها جلالتي تسلية وراحة ) ...
كما اختلف الباحثون في أدب مصر القديمة ، في تحديد النص الأدبي من غيره ، وذلك لعدم توافقهم على تعريف معين للأدب المصري القديم ، وأرى أنه يمكننا تفنيد أدب مصر القديمة إلى ثلاثة جوانب هي :
( أ ) الجانب الأول : النصوص الأدبية وتضم الآتى
الأسطورة.
القصة.
الحواريات.
أدب النقد والسياسة.
قصائد المدح.
الملاحم.
الوصايا والحكم.
الأناشيد.
الغزل.
الرسائل الإخوانية.
( ب ) الجانب الثاني
ويحوي النصوص التي اختلفت آراء الباحثين في المصريات حولها ، ولنا أن نحدد ، هل هي ذات طبيعة أدبية ؟؟ ويضم :
النصوص الدينية ( متون الأهرام. / متون التوابيت / كتاب الموتى ) ..
( ج ) الجانب الثالث
ويضم النصوص التى توافق الباحثون في علم المصريات ، على كونها غير أدبية على نحو :
النصوص ( الإدارية / الطبية / السحرية / الفلكية / الرياضية )
التأصيل للبحث في الأدب المصري القديم
تأتي البداية عندما نشر العالم الألماني أدولف إرمان Adolf Erman في عام ١٩٢٤ م ، مقاله الشهير عن بردية أمنيؤوبي ، والذي أثبت فيه أن هذه البردية ، أصل سفر الأمثال المنسوب إلى النبي سليمان ..
-- ( حصل بدج.Wallis Buge للمتحف البريطاني على بردية أمنيؤوبي عام ١٨٨٨ م ، ولم ينشر شيئا عنها إلا في عام ١٩٢٢ م ، عندما نشر مقالا عنها ، ثم نشر النص الكامل مع التعليق عليه في عام ١٩٢٣ م ) --
دهش العالم لما قاله إرمان ، وبدأوا يبحثون ، عن الأدب المصري القديم ، وما تركه من أثر فيما ورد في التوراة ..
فكتبت المقالات والأبحاث في المجلات العلمية عنه ، أو فصولا في الكتب التى تناولت تلك الفترة التاريخية ومنجزها الإبداعي ، وظل كتاب إرمان عن ( أدب المصريين القدماء ) الذي صدر بالألمانية عام ١٩٢٣ م ، و يضم ترجمات كاملة لأجمل القصص والمواعظ والأناشيد والأغاني وغيرها -- الأوحد الذي كتب في هذا المنجز الإبداعي للحضارة المصرية القديمة -- في تلك الفترة التاريخية ...
حتى جاء عالم المصريات " هرمان جرابو " Herman Grapow " في عام ١٩٢٤ م ، بنشر كتابا يحلل فيه النصوص الأدبية المصرية ، ويوضح فيه ما بلغته اللغة المصرية في مختلف ميادين المجاز والتشبيه والبيان والبديع والمعاني ، ومقارنتها بغيرها ..
وقد أجاد عالم المصريات الألماني " ماكس بيبر " في كتابه عن الأدب المصري ، والذي نشر عام ١٩٢٧ م ، كما نشر في نفس العام ترجمة إنجليزية لكتاب إرمان ( أدب المصريين القدماء ) وأقبل علماء الساميات على البحث في هذا الأدب ودراسته ، وتجلت نتائج دراساتهم في تلك الفترة ، احتراما وتقديرا للأدب المصري القديم ، وتحدثوا عن أثر النشيد الكبير لاخناتون على مزمور ١٠٤ من مزامير داود في التوراة ..
لماذا كان الأدب القديم يبنى عليه تقييمهم النقدي ؟؟
يأتى ذلك من اقتناع الأدباء الاحقين ( الوسطى / الحديثة ) بما حوته من سمو في التعبير وألوان بيانية منتقاه ، ونصائح تحمل خبرات وتجارب ، ٱمن بها و اقتنع الوجدان والفكر الجمعي ، ولذلك منحوها القداسة ، وجعلوا منها نبراسا يحتذى ، على الجميع التأدب بها ..
كما أنها نقاء الٱداب القومية ، لكونها لم تتأثر بأي شكل من الأشكال بالأفكار الأجنبية الدخيلة ...
ولعل أقوال " بتاح حوتب " تؤكد مدى تقديره لأقوال الأسلاف حين قال :
( إن صوابهم هو سر مجدهم ، ولن تزول ذكراهم من أفواه الناس ، بما كان عليه جمال حكمتهم ، وعلى الإنسان أن يتداول أقوالهم كلها ، ... ولن تزول عن هذه الدنيا إطلاقا )
وتتناغم تعاليم " خيتي " ملك أهناسيا لولده عن أسلافه قائلا له :
( وراع أن أقوالهم خالدة في الكتب فافتحها واقرأ حتى تبلغ الحكمة فبذلك يصلح المفن مثقفا ) " ٣ "
نصح ملك إهناسيا ابنه " مري كا رع " قائلا :
( كن مفتنا في الكلام ، قديرا فيه ، مالكا لناصيته ، حتى يعلو شأنك وينبه ذكرك ، فقوة المرء في لسانه ، والكلام أقوى من الحرب والقتال ، إن الرجل الفطن لا يهاجمه أهل العلم ، وهو بفطنته ، وحسن بصيرته ، يستطيع أن يتجنب المصاعب ، فلا يصيبه الضر ، ولا يلحق به الأذى ، والصدق يأتي إليه طائعا مختارا مصفى ، حسب ما جاء في كلام الأجداد الغابرين ، انسج على منوال ٱبائك الذين سبقوك ، انظر ، إن كلماتهم لا تزال خالدة ، تنبض بالحياة فيما خلفوه من كتب ، افتح الكتاب واقرأ ما فيه ، واستفد بعلم أسلافك ، واتبع تعاليمهم ، تصبح عالما حكيما مثلهم ) "٤ "
هذه هي القواعد الذي بني عليها النقد الأدبي في مصر القديمة
اهتمام المصري القديم بالفصاحة والبيان في أقواله.
معيار جودة النص الأدبي تنبع من نسجه على منوال أجداده الغابرين.
الاستفادة من علم الأسلاف واتباع تعاليمهم.
النص الأدبي في مصر القديمة قيمته تنبع من رسالته الأخلاقية.
النص الأدبي يحوي في كلماته علوم البلاغة " البيان والبديع والمعانى ".
( شكاوى الفلاح الفصيح )
حيث يأمر الملك موظفه ، بألا يجيب طلب الفلاح ، حتى يواصل الفلاح إبداعه ، فيثري البليغ من القول بشكواه ، فيسجلها الموظف ، ثم يعيدها على مسامع الملك ، فيسعد بسماعها ...
وأهم ما في الشكايات ، الشكاية الثامنة التى تحوي مبادئ العدالة الاجتماعية والسياسية والقانونية ...
حيث يحض الفلاح ناظر الخاصة الملكية ( دنزي ) على العدل بأسلوب بليغ بين :
أقم العدل لرب العدل الذي عدل عدالته موجود
وأنت يا أيها القلم ، وأنت يأيتها البردية ، ويأيتها الدواة ..
ويا تحوتي ابتعدوا عن عمل السوء ..
وعندما يكون الحسن حسنا فالأمر إذن حسن ..
غير أن العدل سيكون للأبد
ويذهب مع من يعمله إلى الجبانة
وسيدفن وتطويه الأرض
أما اسمه فلن يمحى من الأرض
بل سيذكر للخير ..
انطق العدل وأقم العدل لأنه خطير وعظيم ..
ويعيش طويلا ، والثقة به قد عرفت ..
فهو يؤدي إلى العمر الطويل المحترم ..
هل الميزان يحيد ؟
فإذا كان الأمر كذلك ، فإن ذلك يكون بسبب كفتيه اللتين تحملان الأشياء ..
ولا يجوز وجود الظلم مع القانون
وبالنظر لتلك الشكاية يتجلى لنا هذا التنوع في أسلوب ( الفلاح الفصيح ) بين الخبري والإنشائى ...
استلهام نشيد إخناتون الكبير في المزمور ١٠٤
أراد الملك " أمنحتب الرابع " أن يزيد من شأن عبادة " ٱتون " القوة الكامنة في قرص الشمس ...
ويقول النشيد :
(ما أعظم " أعمالك " التى عملتها !
إنها خافية على الناس ،
أيها الإله الأوحد الذي لا شبيه له .
لقد خلقت الدنيا كما شئت ،
عندما كنت وحدك ... )
ويقابله في المزمور :
( ما أعظم أعمالك يا رب ، كلها بحكمة يا رب ، كلها بحكمة صنعت ، ملٱنة الأرض من غناك ) ( ٧ )
تحولات أدب مصر القديمة
لقد أكد كثر من الباحثين في الأدب المصري القديم ، على أنه أدب حقيقي ، له ضوابطه الفنية ، وأساليبه ، وسماته الفريدة التى يتفرد بها ..
وقد رسم لنا هذا الأدب لوحة تعبيرية متكاملة عن حياة هذا الإنسان ، وخياله ، ورؤيته للحياة ، وللآخرة والحساب ، وكيف صمد في فترات الضعف ؟ وكيف بنى أعظم الحضارات الإنسانية ؟
بردية ( اليائس من الحياة )
التى تكتظ يأسا وكآبة وتشاؤما وتصميما على الانتحار فيقول :
لمن سأتحدث اليوم ؟
فقد أصبح الرفاق شرا ،
وأصدقاء اليوم لا يحبون " أصدقاءهم "
لمن أتحدث اليوم ؟
فالقلوب ملآى بالجشع ...
ويتجلى الإبداع في القصيدة الثالثة :
إن الموت أمام ناظري اليوم ،
مثل شفاء رجل مريض ،
مثل الخروج إلى الهواء الطلق بعد سجن طويل ،
مثل رائحة العطر ،
إن الموت أمام ناظري اليوم ،
مثل السماء عندما تصفو ،
مثل اشتياق الرجل لرؤية بيته ،
بعد أن قضى سنوات طويلة في الأسر .
بردية ( إيبو -- ور )
هذه بردية كتبها صاحبها يصورفيها أحداث ذلك الوقت العاصف ...
ومن مقتطفاتها :
انظر الآن ، لقد ارتفعت ألسنة اللهب .
وامتدت نارها وستكون حربا على أعداء البلاد ..
انظر الآن ، لقد حدث شئ لم يحدث منذ وقت طويل ...
انظر ، لقد أصبحت النبيلات يعملن بأيديهن ...
انظر ، إنه لم يعد هناك وجود للدواوين ، وصار الناس أشبه بقطيع لا راعي له .
أغاني مصر القديمة
الأغاني عند المصري القديم ، ضرورة ملحة ، وذلك لتقرب للآلهة من خلال الأغاني الدينية والترانيم ...
أنواع الأغاني
الأغاني الدينية والترانيم.
أغاني الحب والعاطفة.
أغاني العمل.
الأغاني الجنائزية.
الآلات المستخدمة
الآلات الوترية:
الهارب.
السمسمية.
آلات النفخ:
الناي.
الأبواق.
آلات الإيقاع:
الصرخات الصوتية.
الصنوج.
الطبول.
قصائد الحلقة الثالثة ( مطلع أغاني الملذات )
١ -- يا زهرة الحب الزرقاء
يا زهرة الحب الزرقاء -- قلبي ملك لك ،
ومن أجلك أفعل ما يهواه ،
انتظاري لك هو كحل عيني ...
٢ -- ههنا ، تنادينا أزهار اللبلاب ؟
أنا أختك ، أنا أفضلهن جميعا ،
أنا ملكك مثل هذه الأرض التى زرعتها زهورا ...
٣ -- زهرة الخشخاش في الحديقة
زهرة الخشخاش في الحديقة ،
وأنا أمسك بأكاليل زهورك ،
وعندما تعود ثملا ،
وترقد على سريرك ،
فإنى أمسح تراب قدميك .
أدب النصائح والتعاليم ورؤى نقدية
يأتي اهتمام المصري القديم بالحكم والنصائح تذكيرا بأخبار وأعمال الكتاب السابقين ...
( ولكن إذا فعلت هذه الأشياء فإنك تصبح كاتبا ماهرا ... وبقدر ما كانت من الاتقان ، كان يكتب لصاحبها البقاء والخلود )
كما كان المصري القديم يحبب العلم والكتابة إلى أبنائه ، فيذكر ذلك بقوله :
( فكن كاتبا ، وضع ذلك في قلبك ، وبذلك يبقى اسمك ... وإن كتابا واحدا لأكثر نفعا من بيت يؤسس ومن قبر في الغرب )
وأكد الدكتور عبد الحليم نور الدين ( ١١ ) مدى ريادة وعمق تأثير الحضارة المصرية ...
واختتم الكاتب بحثه مؤكدا تميز الإبداع الأدبي المصري القديم واعتماده على الإبداعات الراسخة لأسلافه كنموذج في الموضوع والتناول والألوان البلاغية والمحسنات والصياغة اللغوية الفصيحة.
الهوامش
( ١ ) من كتاب الأستاذ الدكتور / محمد بيومي مهران :
الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفراعنة
الإسكندرية ١٩٦٦ م -- ص ٢.
( ٢ ) من كتاب :
الشرق الأدنى القديم
الدكتور / عبد العزيز صالح
الجزء الأول -- مصر والعراق
القاهرة ١٩٦٧ م -- ص ٣٢٦.
( ٣ ) سليم حسن -- مصر القديمة -- الجزء ( ١٤ ) -- ص ٥٢.
( ٤ ) الحضارة المصرية القديمة ( الجزء الأول ) -- الآداب والعلوم -- الأستاذ الدكتور / محمد بيومي مهران -- ص ٣.
( ٥ ) التربية في الحضارة المصرية القديمة -- الدكتور / سعيد إسماعيل علي -- ١٩٩٦ م.
( ٦ ) مصر الفرعونية -- الدكتور / أحمد فخري -- القاهرة ١٩٥٧ م -- ص ٢٥٧ ، ص ٢٨٤.
( ٧ ) الحضارة المصرية القديمة -- الجزء الأول " الآداب والعلوم " -- محمد بيومي مهران -- ص ١٨٣.
( ٨ ) نجيب ميخائيل -- الحضارة المصرية القديمة -- ص ٥١٩ : ص ٥٢٢.
( ٩ ) فجر الضمير -- جميس هنري برستد -- ترجمة سليم حسن -- القاهرة ١٩٥٦ م -- ص ٢٠٧ : ص ٢١٤.
( ١٠ ) نصوص مقدسة ونصوص دنيوية من مصر القديمة -- المجلد الثاني -- مطبوعات اليونسكو -- ترجمة ماهر جويجاتي.
( ١١ ) محاضرة: فضل الحضارة المصرية على حضارات العالم القديم
الموسم الثقافي الأثري الأول بمكتبة الإسكندرية
الأستاذ الدكتور عبد الحليم نور الدين.
بقلم.الكاتب والباحث / عبدالله مهدى. ( رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر )
ومن ذاكرة مصر القديمة إلى عوالم الرواية...
لم تكن مصر القديمة مجرد حضارة شيدت المعابد وخاضت الحروب، بل كانت عالمًا إنسانيًا زاخرًا بالأفكار والصراعات والأحلام والحكايات التي لم ينتهِ صداها بعد.
ومن هذا العالم تستلهم روايتي «
عَنَاتْ-هِرْ: الجسر الذي عبرت عليه مصر» ، الصادرة عن دار السراد، عوالمها وأحداثها؛ لتعيد تخيّل لحظة تاريخية تقف فيها مصر على حافة حرب قد تغيّر مصيرها، حيث تتشابك السياسة بالعقيدة، والحب بالخيانة، والعبقرية بالتهميش، ويقف الإنسان في مواجهة التاريخ وأسئلته الكبرى.
رواية عن أولئك الذين يصنعون التاريخ، ثم يكتشفون أن التاريخ لا يتذكرهم دائمًا.
بقلم: جمال عسكر