لا تكتبي خاتمة
هذا النص عمل تخييلي مستند إلى صورة يوسف إدريس في الذاكرة الأدبية، ولا يقدّم حوارًا أو وقائع موثقة.
لم أكن أريد أن أكتب عن يوسف إدريس.
هذه الجملة لم أضعها في مقدمة البحث. لا تصلح للمقدمات. المقدمات تحب الثقة، وأنا لم أكن واثقة من شيء.
اخترته لأن اسمه كبير. هذا كل ما في الأمر. الاسم الكبير يحميني. أضع تحته عناوين فرعية كثيرة، ثم أمشي بينها كأنني أعرف الطريق: القرية، الطب، القصة، المسرح، السياسة، المعارك، الجوائز.
كل شيء قابل للترتيب.
أو هكذا ظننت.
دخلت المقهى لأن المطر بدأ، لا لأنني كنت أبحث عنه. كان المكان ضيقًا، والطاولات قريبة إلى درجة تجعل كل حديث مشاعًا. جلست أولًا عند الباب، ثم رأيته قرب النافذة. لم أعرفه من الصورة، بل من طريقته في الجلوس. كان جالسًا كمن ينتظر خصمًا لا موعدًا.
أمامه فنجان قهوة، وجريدة مطوية، وعلبة سجائر.
قال دون أن ينظر إليّ:
"هتفضلي واقفة؟"
لم أكن واقفة. كنت في منتصف الحركة بين كرسي وكرسي.
نظرت حولي. لم يكن يخاطب أحدًا غيري.
قال:
"تعالي. الملف اللي في شنطتك عامل دوشة."
جلست أمامه.
"بحث؟"
"نعم."
"عني؟"
"نعم."
"مصيبة."
لم أعرف هل أضحك أم أعتذر.
قال:
"ما العنوان؟"
أخرجت الورقة الأولى. قرأ بصوت منخفض:
"يوسف إدريس القاص الثائر."
رفع عينيه.
"دي لافتة."
"عنوان مؤقت."
"كل شيء مؤقت عند الطلبة إلا الثقة في العنوان."
سحبت الورقة.
"أنا لا أريد بحثًا تقليديًا."
"ومن قال إن غير التقليدي لا يقتل صاحبه؟"
"أحاول أن أكتبك بصورة حية."
"لا تكتبي هذه الجملة أبدًا."
"لماذا؟"
"لأن من يقول إنه سيكتب شخصًا حيًا غالبًا بدأ يحنطه."
صمت. ثم أشار إلى الورق.
"ابدئي."
"من أين؟"
"منك."
ظننت أنني لم أسمع جيدًا.
"مني؟"
"أيوه. لماذا اخترتِني؟ لا تقولي لأنني مهم. هذه جملة ميتة."
نظرت إلى الصفحة. لم يكن فيها جواب. كان فيها تاريخ ميلاد، ومكان، وقائمة أعمال. كل ما يفترض أن يكون بداية.
قلت:
"ربما لأنني أخاف منك."
ضحك.
"أفضل."
"أفضل من ماذا؟"
"من الحب. الحب يرتب الشخص على مزاجه. الخوف يترك بعض الفوضى."
لم أكتب.
قال:
"حسنًا. بدأتِ."
دخل صبي صغير يحمل علب مناديل. لم يقترب من الطاولات أولًا. وقف عند الباب، كأنه يختبر مزاج المكان. رجل عند الطاولة المجاورة أشار إليه أن يبتعد. لم يغضب الصبي. فقط أنزل يده.
نظر إليه يوسف إدريس، ثم عاد إلى فنجانه.
قال:
"القهوة باردة."
جاء النادل.
"أبدلهالك يا دكتور؟"
"لا. سيبها تفكر في غلطتها."
ضحك النادل، ومضى.
قلت:
"هل كنت دائمًا هكذا؟"
"بارد القهوة؟"
"حادًا."
"كنت أسوأ في أيام."
كتبت: يعترف بحدته.
مد يده، أخذ القلم، وشطب الجملة.
"لا تكتبي يعترف."
"لماذا؟"
"كبيرة. اكتبي: قالها وضايقته."
"أنت تملي عليّ؟"
"أحاول ألا أخرج كما كتبوني."
"ومن كتبك؟"
"كل من أحبني زيادة. وكل من كرهني بكسل."
سكتنا قليلًا. ليس لأن الكلام انتهى، بل لأنني شعرت أنني صرت مكشوفة. كنت أظن أنني أكتب عنه، فإذا به يقرأني من الصفحة الأولى.
فتحت صفحة السيرة.
"ولدت في قرية البيروم، مركز فاقوس، سنة 1927."
أغلق عينيه لحظة.
"ها قد بدأ الدفتر."
"هذه معلومة ضرورية."
"ضرورية، نعم. لكن لا تبدئي بها كأنك موظفة سجل مدني."
"وما البديل؟"
"ابدئي بالطين."
"الطين؟"
فتح عينيه.
"القرية ليست مكانًا فقط. هي طريقة في التنفس. هناك تتعلمين أن الكلام رفاهية أحيانًا. الفلاح لا يشرح القهر. ينام تحته، ثم يستيقظ قبله."
كتبت نصف العبارة، ثم توقفت.
"لماذا توقفتِ؟"
"لأنها جميلة."
"والجمال جريمة؟"
"لا. لكنه أحيانًا يلمع أكثر من صاحبه."
نظر إليّ طويلًا.
"جيد."
قلت:
"درست الطب."
"نعم."
"وعملت في قصر العيني."
"نعم."
"ثم تركت الطب للكتابة."
لوح بيده.
"لا تقولي من المشرط إلى القلم."
"كنت سأقولها."
"عرفت."
"كيف؟"
"لأنها سهلة."
وضعت القلم.
"إذن قل أنت."
"لا. قولي أنت. لكن لا تكذبي بنظافة."
انتظرت.
قال:
"الطب علمني أن الجسد لا يأتي وحده. يأتي ومعه بيت. زوجة. فقر. عادة. خوف. هناك مرضى كثيرون لم يكن موضع الألم فيهم حيث يشيرون بأصابعهم."
"هذا جيد."
"لا تقولي جيد. اكتبي أو اتركي."
كتبت.
كان رجلان يلعبان الطاولة خلفنا. أحدهما يخسر باستمرار، ويشتم الزهر بعد كل رمية. في المرة الرابعة قال يوسف إدريس دون أن يلتفت:
"الزهر بريء يا أستاذ."
ضحك الرجل.
"أنت مش الدكتور يوسف؟"
"كنت."
"أنا شفت الفرافير زمان."
"وكبرت بقيت سيد ولا فرفور؟"
فكر الرجل قليلًا.
"حسب اللي قدامي."
قال إدريس:
"إجابة أخطر من المسرحية."
عاد الرجل إلى كرسيه.
قلت:
"هذا مشهد مهم."
"لا تكتبي مشهد مهم."
"أنت تكره كل شيء."
"لا. أكره أن أفهم الشيء قبل أن أراه."
"ماذا أكتب إذن؟"
"اكتبي الرجل. اتركيه يخسر في الطاولة ويسأل. لا تشرحي له وظيفته."
فتحت صفحة المسرح.
"الفرافير كانت..."
قاطعني:
"لا تبدئي باسم العمل."
"لماذا؟"
"لأنك حين تبدئين بالعمل تنسين الإنسان الذي خرج منه."
"لماذا كتبت المسرح؟"
"هكذا أفضل."
انتظر قليلًا.
"القصة تجعل القارئ وحده. المسرح يضعه وسط الناس. حين يضحك، يسمع نفسه. حين يسكت، يعرف أن سكوت غيره بجانبه."
"والسيد والفرفور؟"
"علاقة. ليست شخصين."
"علاقة سلطة؟"
"لا تكبريها بسرعة. علاقة احتياج. خوف. عادة. أحيانًا الفرفور يحب سيده لأنه يخاف أن يجرب رأسه وحده."
قلت:
"وأنا؟"
"أنتِ فرفورة للأستاذ، وسيدة عليّ في البحث."
غضبت.
"هذا غير عادل."
قال بسرعة:
"صحيح."
لم يشرح. لم يعتذر. قالها فقط.
انقطع النور.
لم يتحرك أحد. يبدو أن المكان معتاد على أن تنطفئ الأشياء دون مقدمات. اشتعلت ولاعة عند آخر المقهى، ثم شاشة هاتف. صار وجهه غير كامل.
قلت في الظلام:
"هل ندمت على معاركك؟"
"أي معارك؟"
"كلها."
"أحيانًا."
"فقط؟"
"الندم لو طال صار خطابة."
كنت أريد أن أسأله عن السياسة. عن السجن. عن الثورة. عن الصحف. عن كل ما وضعته في الملف بعناية. لكن الظلام جعل الأسئلة الرسمية ثقيلة.
قال هو:
"فتحتِ صفحة السياسة، صح؟"
"نعم."
"أغلقيها."
"كلها؟"
"في هذا المشهد، نعم."
"لكنها جزء مهم منك."
"ومن قال إن الجزء المهم يجب أن يدخل الآن؟"
"القارئ يحتاج أن يعرف."
"القارئ يحتاج أن يشعر أن هناك شيئًا لا يعرفه."
سكت قليلًا.
"اكتبي أثر السياسة، لا درس السياسة. جريدة مطوية بعنف. اسم ممنوع. صديق لا يأتي. باب يطرق في وقت سيئ. هذا يكفي أحيانًا."
عاد النور.
كانت الصفحة أمامي بيضاء تقريبًا.
قال:
"أحسن."
سألته:
"هل يزعجك أن أختصر؟"
"يزعجني أن تختصري لأنك ضعيفة. لا يزعجني أن تختصري لأنك رأيتِ."
"وما الفرق؟"
"الأول حذف خوف. الثاني حذف معرفة."
دخل صبي المناديل هذه المرة. وقف عند الطاولة المجاورة. اشترى منه الرجل الخاسر علبة، ثم ساومه في الجنيه. الصبي لم يتكلم. مد يده وانتظر.
قال يوسف إدريس للنادل:
"هات للولد حاجة ياكلها."
قال النادل:
"مين؟"
"اللي واقف."
لم ينظر الصبي إلينا. كأنه لم يسمع.
قلت:
"لماذا لم تعطه أنت؟"
"لأنني لست جمعية خيرية."
"هذا قاسٍ."
"لا. هذا خوف من مشهد الكاتب الطيب."
"وهل الطيبة مشهد؟"
"حين يعرف صاحبها أن أحدًا يراه، غالبًا."
لم أكتب.
قال:
"لا تكتبي هذا. فيه ادعاء."
"لكنك قلته."
"وأنا أقول أشياء كثيرة لا تصلح."
كانت هذه الجملة أقل ذكاء من غيرها. لذلك بقيت في رأسي.
فتحت صفحة الأعمال القصصية.
"أرخص ليالي، العسكري الأسود، جمهورية فرحات، قاع المدينة..."
"كفى."
"لا بد من ذكرها."
"اذكري واحدة كأنها باب، لا تذكريها كلها كأنها حصر تركة."
"أرخص ليالي؟"
"نعم."
"لماذا؟"
"لأنها تعرفني أكثر مما أحب. الفقر هناك ليس خلفية. هو هواء الغرفة. الناس لا يجلسون ليشرحوا حاجتهم. يعيشونها. يضحكون أحيانًا. ينامون. ينجبون. ثم يأتي من يسأل: لماذا كل هذا البؤس؟ كأن البؤس كان ينتظر إذنًا."
الصبي صار يأكل قرب الباب. النادل أعطاه طبقًا صغيرًا. لم يجلس. أكل واقفًا.
قلت:
"هل أكتب عنه؟"
"لا."
"لماذا؟"
"لأنك ستجعلينه دليلًا على كلامي."
"وماذا أفعل؟"
"اتركيه يأكل."
تركناه.
كان صوت الملاعق أوضح من حديث الطاولات.
بعد قليل قال:
"اكتبي الآن."
"ماذا؟"
"أنك لم تكتبي عنه."
لم أفعل.
ابتسم.
"عنيدة."
"أتعلم منك."
"لا تتعلمي مني كثيرًا."
"لماذا؟"
"لأنني أخطأت كثيرًا."
"في الكتابة؟"
"في الحياة. والكتابة تتظاهر أنها منفصلة."
لم يضف شيئًا.
سألته:
"هل أنت خائف من أن أرتبك؟"
قال:
"أنا خائف من أن أنجح في ترتيب نفسي داخلك."
"أنت تفعل ذلك الآن."
"ربما."
"تريد أن تتحكم في النص."
نظر إلى يده الملطخة بالحبر.
"ربما أريد."
كانت الكلمة خارجة بلا سلاح.
أغلقت الدفتر نصف إغلاق.
"أنت تجعل الكتابة مستحيلة."
"لا. أجعلها أقل كذبًا."
لم أرد.
كان النادل يمسح طاولة فارغة بقطعة قماش مبتلة. مسحها مرة، ثم أعاد المسح في الموضع نفسه، كأن البقعة لا تختفي أو كأنه لم ينتبه أنها اختفت. عند الباب، انتهى الصبي من الأكل، ومسح فمه بظهر يده. لم ينظر إلى أحد.
جاء إلى طاولتنا. وضع علبة مناديل أمام يوسف إدريس.
قال يوسف إدريس:
"لم أشترِ."
قال الصبي:
"عارف."
ثم خرج.
لم يمد إدريس يده إلى العلبة. ظل ينظر إليها كأنها تخص رجلًا آخر.
قلت:
"هذه نهاية."
قال:
"لو قلتِها مرة ثانية، سأخرج."
"لماذا؟"
"لأنك كلما رأيتِ شيئًا حيًا أردتِ وضع نقطة بعده."
قلت:
"وماذا أفعل؟"
"اتركيه يحرجك."
دفع علبة المناديل قليلًا نحوي.
"خذيها."
"لماذا؟"
"لأنها بقيت في النص أكثر مني."
نهض.
لم يكن في قيامه شيء درامي. فقط بدا أنه اكتفى. أخذ الجريدة المطوية وترك القهوة كما هي.
قلت:
"سؤال أخير."
"لا يوجد سؤال أخير. توجد رغبة في خاتمة."
توقفت.
"إذن ماذا أكتب؟"
مشى نحو الباب. وقف لحظة. لم يلتفت.
قال:
"لا تكتبي خاتمة."
ثم خرج.
بقيت وحدي.
إذا راق لك هذا النص، فنرشّح لك قراءة المقال: «ليلة الفوز بالجائزة» على موقع السرّاد.