حوار لم يحدث… لكنه كان يمكن أن يحدث
نص روائي متخيّل يستلهم مسيرة أحمد فضل شبلول
تنويه: هذا عمل تخييلي. لا ينقل حوارًا حقيقيًا ولا أقوالًا موثقة. يستلهم ملامح من مسيرة أحمد فضل شبلول الأدبية.
ليلة واحدة قد تكفي لتلخّص عمرًا كاملًا، إذا كان العمر قد قُضي بين الكلمات.
هذا النص لا يحاول أن يروي سيرة أحمد فضل شبلول، ولا أن يوثّق محطات حياته أو يفسّر منجزه الأدبي. إنه يقترب من المنطقة التي تعجز عنها السيرة التقليدية: ما الذي يدور في روح الكاتب وهو يقف بين خبرٍ قد يغيّر صورته في أعين الناس، وورقةٍ بيضاء لا يعنيها شيء سوى أن تُكتب عليها الجملة التالية؟
في هذا الحوار المتخيَّل، تتحول ليلة انتظار إعلان جائزة إلى رحلة داخل عالم الكتابة نفسه؛ حيث تمتزج الذاكرة بالبحر، والكتب بالأيام، ويصبح السؤال الحقيقي ليس: هل يفوز الكاتب؟ بل: ماذا يبقى من الكاتب بعد أن ينتهي التصفيق؟
كانت الساعة الحادية عشرة وسبع دقائق.
لم أكن أنوي البقاء.
أردت وجهه فقط: إن كان قادرًا على هذه الليلة أم لا. ثم أعود.
لكن البحر تحت الشرفة كان يبدّل موجة بأخرى ببطء موظف قديم، والأبواب في الإسكندرية إذا فُتحت في مثل هذا الوقت لا تُغلق على زيارة عابرة.
حين ظهر، كان يبحث عن شيء فوق صدره.
ــ نظارتي…
ثم رآها في أصابعه، وضحك ضحكة قصيرة.
ــ أبحث عنها وهي في يدي.
الموج الليلة يحرّك حتى ما داخل البيت.
دخلنا.
المكتب في حرب أهلية هادئة: فنجان بحلقة شاي جافة، كشتبان سكر، مجلة «إبداع» مطوية على صفحة وسطى، ثلاثة أقلام أحدها بلا غطاء، وورقة بيضاء في المنتصف كأنها وحدها مرتبة زيّها.
على الكرسي سترة. على الحائط ساعة عقرباها عند الثالثة والنصف منذ زمن لا يعترف به أحد.
قال وهو يزيح السترة:
ــ اعذرني.
الكتب تنتصر في الفوضى عادة. أنا أفاوض فقط.
ذهب إلى المطبخ.
سمعت الغلاية، ثم الملعقة، ثم صوته:
ــ الملعقة… خلفي فوق الحوض. طبعًا.
عاد بالفناجين. تذوقت. بلا سكر.
قال قبل أن أنطق:
ــ عرفت من وجهك.
نسيت.
البحر إذا اقترب من النافذة يُنسي السكر.
أضاف ملعقة، حرّك، تذوق، ثم ملعقة خفيفة إضافية وعبس من نفسه.
ــ صححت الخطأ بالاتجاه المعاكس.
يحدث في القصيدة أكثر مما يحدث في الشاي.
جلس.
مد يده إلى أذنه فوجد القلم هناك، وضعه على الورقة من غير سطر.
رنّ جهاز على الخشب.
قلبه على وجهه.
خارج النافذة ارتفع صوت الموج فجأة، ثم انخفض، كأن أحدًا في الأسفل يجرّ سلسلة على الرمل.
ظل يعبث بحافة المجلة.
فتحها على إعلان ندوة قديم، ضحك من تاريخها.
ــ انظر.
كنت أظن أن أصعب شيء أن أصل إلى القاعة قبل الموعد.
ثم اكتشفت أن الأصعب أن أجد قارئًا واحدًا بعد انتهاء الكلام، يمسك كتابًا ويسأل سؤالًا لا علاقة له بالميكروفون.
أرجع المجلة.
ــ في قصور الثقافة كنت أرى الصفوف: صفّ ينام، وصفّ يكتب اسمه على الكرسي، وصفّ يسمع.
الصف الذي يسمع يكفي عمرًا.
رنّ هاتفي.
لم أجب.
هو لم يسأل من المتصل.
قام يبحث عن منديل، فوجد في جيبه ورقة مطوية. فتحها.
ــ تاريخ غلط.
كتبت سنة مكان سنة.
كأنني أعيش في طبعتين من اليوم.
مزقها بهدوء. رماها في سلة ممتلئة. اعتذر عنها بنظرة.
من البحر جاء صوت أطول هذه المرة، موجة وصلت متأخرة وكسرت نفسها على حاجز غير مرئي.
قال وهو يسمعها:
ــ الإسكندرية لا تخطب.
تقول الجملة، ثم تتركك تكملها وأنت تمشي.
من أراد المنبر يذهب إلى مكان آخر.
لم يقل «القاهرة».
ترك الجملة ناقصة عمدًا.
سقط من بين الكتب على الرف بطاقة صفراء: «معرض القاهرة الدولي للكتاب» ورقم جناح وطابع حبر باهت.
التقطها، مرر إبهامه عليها.
ــ كنت أقف ساعات.
ليس بيعًا… وقوفًا.
تمرّ الناس كأن الكتب أشجار في شارع لا ظل له.
فجأة يقف طفل، أو شاب، أو سيدة تمسك ديوان أطفال كأنه خبز.
عندها فقط أفهم أن المعرض ليس سوقًا.
هو اختبار: هل ما زال للصوت مكان بين الأقدام؟
أدخل البطاقة في كتاب عشوائي، ثم أخرجها بعد ثانية ووضعها في كتاب آخر.
ــ حتى البطاقات ترفض الترتيب الليلة.
الحاسوب لم يكن مفتوحًا.
لمسته بالخطأ فطلب كلمة سر.
طبع، رُفض. طبع، رُفض. ضحك.
ــ الجهاز أيضًا لا يعترف بي قبل أن أثبت أنني أنا.
في المحاولة الثالثة فُتح سطح مزدحم بأيقونات. أغلق مجلدًا كان مفتوحًا وحده، ثم أغلق الجهاز بيده.
قلت وأنا أنظر إلى الشاشة وهي تظلم:
ــ يومها… كثيرون لم يأخذوا الأمر على أنه أدب.
أدار الكرسي نصف دورة. الموج تحتنا سكت ثانية كاملة، كأنه ينتظر الصياغة.
ــ ظلوا يناقشون الشاشة.
وأنا كنت أبحث عن الكاتب.
هل جملته إذا خرجت من الضوء الأزرق تظل جملة؟
هل الأذن التي تعوّدت الورق تقدر أن تسمع من نافذة أخرى من غير أن تخون الأولى؟
حرك الكشتبان بأصبعه.
ــ لم أكن ضد الورق.
كنت ضد أن نترك الأجيال الجديدة تدخل العالم ونحن واقفون على الرصيف نلعن الإضاءة.
سكت.
ثم بصوت أقل:
ــ وخفت.
من لم يخف لم يقف بين جيل يقدّس المجلة وجيل يفتح الصفحة قبل أن يقرأ اسم الكاتب.
عادت موجة واحدة قوية، ثم هدوء كثيف، كأن البحر وافق على الجملة أو رفضها بصمته.
نهض يفتح الدرج الأوسط.
أخرج صورة صغيرة بلا إطار: طفلان على الشاطئ، والبحر خلفهما رمادي كمسودة لم تُبيَّض.
لم يناولني إياها. نظر إليها هو.
ــ كنت أقرأ لهما بصوت عالٍ.
البيت كان يحتاج أذنًا غير أذن الأخبار.
أرجع الصورة.
ــ بعد ذلك صرت إذا جلست للصغار أغلق على وجعي الباب.
لا أكتب لهم وأنا محزون.
فما ذنبهم يحملون ما لا يخصّ يومهم؟
هم يقرأون بالقلب أولًا.
إذا جاءت الجملة متعالية، يغلقون الكتاب ويمشون يلعبون.
ولا يجاملون.
هذا يربّي الكاتب أكثر مما تربّيه الندوة.
ابتسم فجأة.
ــ طفلة سألتني مرة: ليه الشجرة متكلمش؟
كتبت بعدها أسبوعًا كاملًا كأنني أرد على سؤالها لا على ناقد.
خارج النافذة تحول صوت البحر إلى شبه همس.
كأن أحدًا وضع إصبعه على فم المدينة.
مد يده إلى الرف الأعلى، الرف الذي لا يصل إليه إلا بكعب حذائه على حافة الكرسي.
اعتذر مني ضاحكًا، صعد بحذر، وأمسك طرف رفّ خشبي يئِنّ.
قال وهو فوق:
ــ الرف الأخير.
هنا ما لا أرتبه للضيوف.
الرف الأخير
نزل بثلاثة كتب، ثم برابع، ثم ترك الباقي.
جلس، والكتب في حجره كأوراق حضور.
أمسك الأول، غلافه باهت، ومرّر عليه كفّه.
ــ هذا…
كنت أعود بالقطار من ندوة في طنطا.
الولد بجانبي ينام على حقيبة، وأنا أكتب على ظهر دعوة الحضور لأن الدفتر نسيته على المنصة.
ظللت أشمّ رائحة الحديد والبرتقال طوال القصيدة.
وضع الثاني فوقه.
ــ وهذا بعدما غاب عن البيت صوت كان يملأ الممرات.
لم أكتب الرثاء يومها.
كتبته بعد أسبوع، لما فتحت الشباك ووجدت أن البحر ما زال يعمل كأن أحدًا لم ينقص من الدنيا.
سكت. الموج لم يسكت. جاء أخفض، أقرب إلى التنفس.
الثالث كان أنحف.
ــ هذا لأن طفلًا في مدرسة قال لي: اكتب لنا حاجة متخوفناش من الكبار.
ضحكت في القاعة.
ثم رجعت وكتبت وأنا أخاف أن أخونه.
الرابع ظل في يده أطول.
ــ وهذا…
أيام كان الحاسوب يُطردنا كل ساعة، وكنت أقول لنفسي: إن لم نكتب عن هذا الآن، سيكتبون عنا لاحقًا كأننا لم نرَ الباب وهو يُفتح.
أعاد الكتب واحدًا واحدًا إلى الرف، لا إلى الترتيب السابق.
ترك بينها فراغات كمن يترك كراسي فارغة لقرّاء متأخرين.
نزل عن الحافة.
تمسّح ركبته بكفّه مرة واحدة.
ــ الرف الأخير ليس للعرض.
هو للأيام التي تكتبنا ونحن نظن أننا نكتبها.
سقط قلمه تحت المكتب.
نزل يبحث، وظهر صوته من تحت الخشب:
ــ القلم… وثلاثة مشابك… وجنيه قديم.
المكاتب أرشيف سري.
عاد محمر الوجه قليلًا، يضحك.
على الحائط بقيت الساعة عند الثالثة والنصف.
رآني أنظر.
ــ لا تُصلِحها.
الساعة الوحيدة التي لا تكذب بالأمل.
تقول: الوقت توقف.
فتفهم أن عليك أن تتحرك أنت.
رنّ جهازه اهتزازًا متصلًا ثم سكت.
ثم رنّ من جديد بنغمة النداء.
البحر، في اللحظة نفسها، هدأ هدوءًا غير طبيعي.
لا صمت موت؛ صمت إصغاء.
يده امتدت إلى الهاتف، توقفت، امتدت.
قبل الرد نظر إلى الورقة كمن يستأذن مقعدًا فارغًا.
ــ نعم…
الصوت هناك بعيد عني.
كتفه نزل مليمترات. فمه استعد لكلمة وأخّرها.
ــ الله يبارك فيك.
شكرًا…
نعم. سمعت.
أنا هنا.
أغلق.
وضع الهاتف بجانب الكشتبان.
لم يقم. لم يفتح النافذة. لم ينظر إلى الساعة الميتة.
قلت بعد ثانية أطول مما ينبغي:
ــ مبروك.
أومأ.
يده انسحبت من الهاتف إلى القلم كعادة أقدم من أي مكالمة.
لم يقل إنه كان يعرف.
جرّ الورقة نحوه وقال فقط:
ــ هذه… لا تنتظر.
كتب كلمة.
شطبها.
أعاد كتابتها بطريقة أخرى.
أصلح نظارته مع أنها لم تكن مائلة.
خارج الشرفة عاد الموج تدريجيًا، لا تصفيقًا؛ كعامل استأنف ورديّته بعد استراحة قصيرة.
قلت وأنا أقف:
ــ أتركك.
رفع رأسه لحظة.
ــ قبل أن تذهب… ذق الشاي.
ربما صار معقولًا.
ذقت.
كان معقولًا.
عند الباب التفت.
لم يكن ينظر إلى الهاتف.
ولا إلى البحر.
ولا إليّ.
كان ينظر إلى الكلمة التي شطبها، ثم إلى أختها التي جاءت بعدها.
شفاهه تتحرك بلا صوت، يزن إيقاعًا كمن يراجع سطرًا سيقرؤه غدًا طفل، أو بحر، أو لا أحد.
خرجت.
وأنا أغلق الباب خلفي، تذكرت أنه حين استقبلني كان يبحث عن نظارته وهي في يده.
ابتسمت.
أدركت أن الليلة كلها كانت تشبه تلك النظارة:
كان الجميع يبحث عن الجائزة،
أما هو فكان يبحث عن الجملة.