١
من هنا، من فوق الجميزة، يبدو البيت مختلفًا.
ليس لأنه أصغر، بل لأنه أخيرًا يصبح بيتًا واحدًا.
أرى أبي يشق الحديقة بخطوات بطيئة، ويداه معقودتان خلف ظهره. يتوقف عند كل شجرة لحظة، يلمس اللحاء بطرف أصابعه، ثم يمضي إلى التي تليها، كأن بينه وبينها حديثًا لا يحتاج إلى كلمات.
أرى أمي عند نافذة المطبخ. تتحرك بين الحوض والموقد في دائرة لا تنتهي؛ تغسل صحنًا، تمسح يديها في طرف مريلتها، ثم تعود إلى الحوض من جديد. لا ترفع رأسها نحو الحديقة أبدًا، كأن الخارج لم يعد يعنيها منذ زمن.
أرى طارق يخرج من الباب الجانبي، يحمل حقيبته على كتف واحدة، ويغلق الباب وراءه بهدوء. لا ينادي أحدًا، ولا يلتفت إذا ناداه أحد. كلما رأيته، خُيّل إليّ أن البيت مجرد مكان يمر به في طريقه إلى مكان آخر.
وأرى هبة تمشي تحت الأشجار ببطء، وعيناها معلقتان بالشاشة الصغيرة بين يديها. تمر كل يوم من هنا، تحت الظل نفسه، دون أن ترفع بصرها إلى الأغصان مرة واحدة، كأنها تحفظ الطريق أكثر مما تراه.
كنت أظن أن أحدًا منهم لا ينظر إليّ.
كان ذلك يقينًا عندي، لا يقل رسوخًا عن يقيني بأن الغصن العريض يحملني، وأن الغصن الرفيع ينحني إن تقدمت عليه خطوة أخرى.
من فوق الشجرة، وحدها، كانوا يجتمعون في صورة واحدة.
أما في الأسفل، فكان كل واحد منهم يعيش في صورة تخصه وحده.
أعرف هذه الجميزة كما يعرف المرء وجهه في المرآة.
أعرف موضع كل عقدة في جذعها، وكل غصن يمتد منها. أعرف أي الأغصان يئن تحت قدمي، وأيها يظل ثابتًا مهما قفزت فوقه.
وأعرف، أكثر من أي شيء، مكان العش.
فوق الغصن الثالث من اليسار، حيث تتشابك الأوراق حتى لا تصل إليه يد، بنى العصفوران بيتهما هذا الربيع. كنت أطمئن إليهما كل صباح قبل أن أبدأ اللعب، كأن وجودهما فوق رأسي يجعل الشجرة كلها أكثر أمانًا.
☾ ☾ ☾
٢
سمعت الكلمة قبل أن أعرف معناها.
كان أبي يتحدث مع رجل عند الباب الخارجي.
قال الرجل وهو يشير إلى الأشجار:
"التاجر هييجي يعاينها الأسبوع الجاي."
لم أسمع ما رد به أبي.
كنت جالسًا عند الدرج أربط رباط حذائي ببطء، وأتظاهر بأن الأمر لا يعنيني، مع أنني كنت أحاول أن ألتقط كل كلمة.
بعدها بأيام، سمعت أبي يتحدث في الهاتف.
لم أعتد أن يرتفع صوته، لكنه ارتفع تلك المرة قليلًا.
قال:
"معلش يا أسطى... اديني كام يوم كمان."
صمت.
ثم قال بصوت أخفض:
"الظروف صعبة شوية..."
وصمت مرة أخرى.
وفي النهاية قال:
"حاضر."
وأغلق الهاتف.
في تلك الليلة لم يخرج إلى الحديقة بعد العشاء.
اعتدت أن أراه كل مساء يتمشى بين الأشجار قبل أن يدخل لينام، لكن الضوء ظل مضاءً في غرفته حتى وقت متأخر، وبقي ظلُّه يتحرك خلف الستارة كلما استيقظت في الليل.
ظننت، للحظة، أن شيئًا ما قد تغيّر، وأن الحديث عن الأشجار انتهى.
لكن في الصباح، بينما كانت أمي تصب الشاي في الكوب، قالت دون أن تنظر إلى أحد:
"الراجل مش هيستنى أكتر من كده."
لم يرد أبي.
وحده صوت الملعقة وهي تدور في الكوب ظل يُسمع بوضوح.
لم أفهم كل ما كانوا يتحدثون عنه.
لكنني فهمت أن الأمر يخص الأشجار.
وفي تلك الليلة، صعدت إلى الجميزة بعد أن نام الجميع.
كان القمر عالقًا بين الأغصان، والعش ساكنًا.
اقتربت منه وهمست:
"بكرة... متيجوش."
أخرج أحد العصفورين رأسه قليلًا، ثم عاد إلى الداخل.
في الصباح، حضرا كعادتهما.
طارا فوق الحديقة دورة كاملة، ثم هبط أحدهما يحمل عودًا يابسًا، بينما جاء الآخر بخيط رفيع لا أعرف من أين وجده.
راحا يرتبان العش في هدوء، كأن العالم كله ما زال كما كان.
وقفت أنظر إليهما طويلًا.
وشعرت، لأول مرة، أن الكبار يعرفون أشياء لا تستطيع العصافير أن تصدّقها.
أرى أن المشهدين الثالث والرابع هما قلب القصة؛ لذا ينبغي أن يتقدما بالشخصيات لا بالمعلومات. في الصياغة التالية حافظت على فكرتك، لكن جعلت الأب أكثر صمتًا، وطارق وهبة أكثر حضورًا بالإيماءة لا بالشرح، وربطت كل ذلك بالنهاية التي سيكتشف فيها الطفل أنه لم يكن يرى كل شيء.
☾ ☾ ☾
٣
منذ ذلك اليوم، صرتُ أراقب أبي كما أراقب العصفورين.
كنتُ أعرف مواعيد خروجه وعودته، لكنني لأول مرة صرتُ أنتبه إلى ما يفعله بين الموعدين.
لم يعد يمشي بين الأشجار بالطريقة نفسها.
صار يقف أمامها طويلًا، يرفع رأسه إلى قممها، ثم يطيل النظر إلى الأرض عند جذوعها، كأن المسافة بينهما تخفي شيئًا يحاول تذكره.
وفي ظهيرة يوم قائظ، جاء رجلان.
بدلتان رماديتان، حقيبتان جلديتان، وأوراق كثيرة.
جلسا مع أبي في الصالة، والباب موارب.
لم أسمع معظم الكلام.
سمعت أرقامًا، ومواعيد، وأسماء لا أعرفها.
ثم ساد الصمت.
طال الصمت حتى خلتهم انصرفوا.
بعدها خرج أحد الرجلين إلى الحديقة، ووقف أمام الجميزة. أدار حولها دورة بطيئة، وربّت على الجذع بكفه كما يربّت الجزار على دابة قبل أن يزنها.
تبعته بعيني.
أما أبي، فبقي عند عتبة الباب.
لم يتحرك.
وحين عاد الرجل إلى الداخل، مرّ بجوار أبي دون أن ينظر إليه.
ظل أبي واقفًا مكانه لحظات.
ثم اقترب من الجميزة.
وضع كفه عليها.
لا أكثر.
كأنه كان يتأكد أنها ما زالت هناك.
في المساء، مررت بجوار غرفته.
كان الباب نصف مفتوح.
رأيته جالسًا على حافة السرير، وبين يديه ورقة واحدة.
لم يكن يقرأها.
كان ينظر إليها فقط.
ثم طواها بعناية، ووضعها في الدرج، وأغلقه برفق، كما لو كان يخشى أن يوقظ أحدًا.
في تلك اللحظة، بدا أبي أصغر مما عرفته دائمًا.
ليس أقصر.
ولا أضعف.
بل أصغر...
كأن السنوات التى عشتها وأنا أراه سندًا لنا، كانت تغادره واحدةً بعد أخرى.
انسحبت قبل أن يراني.
ولم أخبر أحدًا بما رأيت.
☾ ☾ ☾
٤
كنتُ أعرف أن الكبار لا يسمعون الأطفال حين يخافون.
لذلك قررتُ أن أحدث الأشجار نفسها.
في صباح اليوم التالي، أخذت قطعة فحم من الموقد، وكتبت على جذع الجميزة اسمي.
وتحته كتبت كلمة:
"العش."
ثم رسمت بينهما خطًا طويلًا، كأن الخط يستطيع أن يمنع شيئًا من الانقطاع.
وقفت أتأمل ما صنعت.
بدت الكتابة صغيرة جدًا.
أما الجذع، فلم يتغير فيه شيء.
بعد الظهر، وجدت فأسًا تركها أحد العمال قرب السور.
حملتها بصعوبة، وخبأتها خلف خزان المياه.
فرحت كثيرًا.
لكن في الصباح جاء الرجل نفسه، يحمل فأسًا أخرى، وكأن الفؤوس لا تنتهي.
جلست تحت الشجرة أفكر طويلًا.
ثم خطر لي أن أطلب المساعدة.
رأيت طارق يهم بالخروج.
جريت إليه.
قلت:
"لو الشجرة راحت... العش هيروح."
نظر إليّ.
ثم رفع بصره إلى الأغصان.
للحظة قصيرة جدًا، نسي هاتفه في يده.
مد كفه، ولمس الجذع بأطراف أصابعه.
ظل هكذا ثانية أو ثانيتين.
ثم سحب يده، وعدّل حقيبته على كتفه، ومضى.
لم أفهم يومها لماذا لمسها.
لكنني لم أنسَ تلك الحركة أبدًا.
في العصر، حاولت مع هبة.
قلت لها وأنا أشير إلى أعلى:
"تعالي... فيه عش."
رفعت رأسها.
لم تنظر إلى العش.
بل ظلت تحدق بين الأغصان، كأنها تبحث عن شيء آخر.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة لم أعرف سببها.
وقالت:
"كنت فاكرة المرجيحة لسه موجودة."
ومشت.
بقيت أحدق في المكان الذي نظرت إليه.
لم تكن هناك مرجيحة.
أو ربما كانت هناك، قبل أن أولد.
قبل الغروب بقليل، ربطت حبلًا بين الجميزة والشجرة التي تجاورها.
شددته بكل قوتي.
كنت أظن أن الشجرتين، إذا ارتبطتا ببعضهما، فلن يستطيع أحد أن يفصل بينهما.
في الليل هبت ريح خفيفة.
وفي الصباح، وجدت الحبل ملقى على الأرض.
كان ما يزال معقودًا من الطرفين.
لكن الغصنين اللذين ربطته بهما كانا قد انحنيا قليلًا، ثم أفلتاه، وعادا كلٌ إلى مكانه.
وقفت أنظر إليه طويلًا.
ثم حملته، ولففته حول ذراعي، وصعدت إلى الشجرة مرة أخرى.
كانت العصافير ترتب العش في هدوء، كأنها لا تعرف أن بعض البيوت قد يسقط، حتى وهو ما يزال قائمًا.
☾ ☾ ☾
٥
جاء الرجال مع أول ضوء.
ثلاثة رجال، ملابسهم الزرقاء باهتة من كثرة الغبار، وعلى كتفي أحدهم منشار طويل يلمع كلما أصابه الضوء.
لم يكن في الحديقة صوت سوى وقع أحذيتهم.
خرج أبي قبلهم بدقائق.
وقف عند أول شجرة، ثم ابتعد عنها خطوة، كأنه يفسح لها الطريق، لا لهم.
خرجت أمي بعده.
لم تتجه إلى العمال، بل وقفت عند نافذة المطبخ، ساكنة.
كانت تنظر إلى الفراغ بين الجميزة والشجرة المجاورة، لا إلى الأشجار نفسها.
بقيت هكذا طويلًا.
ثم قالت، كأنها تحدث نفسها:
"هنا... نشف أول فستان دخلت بيه البيت."
لم يلتفت أحد.
لكنها بقيت تنظر إلى المكان نفسه حتى بدأ المنشار يدور.
كان الصوت في البداية خافتًا.
أشبه بسعالٍ يخرج على استحياء.
ثم أخذ يعلو شيئًا فشيئًا، حتى صار يملأ الحديقة.
تطاير نشار الخشب في الهواء، وراحت الأوراق ترتجف، لا من الريح، بل من ارتعاش الجذع نفسه.
لم أبكِ.
وقفت عند الباب، وكل ما أفعله أنني أراقب.
رأيت هبة تخرج إلى الشرفة.
أغلقت هاتفها.
أسندت ذراعيها إلى السور، وبقيت صامتة.
ورأيت طارق يخرج مسرعًا، كأنه تذكر شيئًا نسيه.
وقف عند الجميزة.
وحين بدأت تميل، مد يده، ووضع كفه على الجذع لحظة قصيرة.
ثم سحبها قبل أن يراه أحد.
مالت الشجرة ببطء.
توقفت لحظة، كأنها تتردد.
ثم انحنت بكل ثقلها.
وحين ارتطم الجذع بالأرض، شعرت أن شيئًا ارتطم بداخلي أنا أيضًا.
ساد صمت غريب.
صمت لم أعرفه من قبل.
لم يعد شيء يحجب الجهة الأخرى من الحديقة.
ولأول مرة، رأيت نافذة غرفة أبي كاملة.
كان الكرسي ملاصقًا لها.
أمامه منفضة سجائر امتلأت بأعقاب قديمة، وكوب شاي جف نصفه، ونظارة موضوعة فوق كتاب مفتوح، كأن صاحبها قام منه منذ لحظة وسيعود.
ظل أبي ينظر إلى النافذة.
ثم اتجه إليها ببطء.
رفع الكوب، تأمله قليلًا، وأعاده إلى مكانه.
مرر أصابعه على ظهر الكرسي.
ولم يقل شيئًا.
عندها فقط، عرفت لماذا كانت النافذة دائمًا مغلقة من جهتي.
حلّق العصفوران فوق المكان مرات متتابعة.
دائرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
كل مرة يهبطان قليلًا، ثم يعودان إلى السماء، كأنهما لا يصدقان أن الغصن اختفى.
وأخيرًا، استقرا فوق سور الحديقة.
لأول مرة.
☾ ☾ ☾
٦
كنت قد قلت، في أول الحكاية، إن أحدًا منهم لم يكن يرفع رأسه إليّ.
ولم أكن أكذب.
كنت أرى من فوق...
لكنني لم أكن أرى كل شيء.
بعد أن انصرف الرجال، بقيت الحديقة أوسع مما عرفتها يومًا.
كانت الشمس تصل إلى أماكن لم تكن تصل إليها من قبل.
وبدا البيت، للمرة الأولى، مكشوفًا.
جلست على الأرض.
في المكان الذي كنت أعرفه ظلًا.
مددت يدي إلى التراب، فوجدته دافئًا.
لم أسمع خطوات أبي وهو يقترب.
شعرت به يجلس إلى جواري.
لم ينظر إليّ.
ولم أنظر إليه.
بقينا ننظر إلى المكان الذي كانت تقوم فيه الجميزة.
بعد قليل، مد يده.
وضعتها في يده دون أن أفكر.
كانت خشنة، ورائحتها تشبه الخشب والتراب.
في تلك اللحظة، هبط أحد العصفورين إلى السور، يحمل في منقاره عودًا صغيرًا.
تلفت طويلًا.
ثم وضعه إلى جواره.
ولحقه الآخر بعد لحظات، يحمل عودًا ثانيًا.
راقبتهما وهما يبدآن، فوق السور هذه المرة، ما كانا قد بدآه من قبل فوق الغصن.
لم أقل شيئًا.
ولم يقل أبي شيئًا.
لكنني، للمرة الأولى، لم أشعر أن السماء أصبحت أكبر لأن الأشجار رحلت...
بل لأنني رفعت رأسي، ورأيت ما لم أكن أراه.
❖ ❖ ❖
بعد سنوات
كلما فتحت نافذة غرفتي، أحاول أن أحدد المكان الذي كان يبدأ منه الغصن الذي قضيت فوقه نصف طفولتي.
أحيانًا أظنه يمر الآن في سقف الغرفة.
وأحيانًا أتخيله يخرج من خلف خزانة الملابس.
ثم أبتسم.
فالبيت الذي أسكنه اليوم بُني فوق الحديقة نفسها.
البيوت تحفظ أماكن الجدران بدقة...
أما أماكن الأشجار، فلا يحتفظ بها إلا من صعد إليها يومًا.