١. قبل أن يصل الصوت
الساندويتش كان فيه طماطم. قال لا يريد طماطم. قالت خذه أو اتركه. أخذه. مضغ ببطء وعيناه في البقعة الصفراء على الحائط - تشبه أرنباً اليوم، بالأمس كانت تشبه قلباً، الأسبوع الماضي لم يعرف ما هي. المشبك الأزرق في ضفيرة أمّه ظلّ يلمع خلف رأسها وهي تغسل.
لم يكن يعرف أنه يحفظ المشبك.
لم يكن يعرف أنه يحفظ أي شيء.
٢. البوم
الصوت لم يأتِ من مكان. أتى من كل مكان في لحظة واحدة.
يد شدّته، قماش وتعرّق وسجائر، واقف خارجاً والغبار يخرج من الفتحة في الحائط كدخان أبيض ثقيل، والشمس عليه بالضبط فتحوّل الغبار لنقاط ضوء معلّقة في الهواء. جميلة.
كره أنها جميلة. البيت يمكن أن ينكسر. هذه كانت معلومة جديدة في الدنيا.
وجه الرجل الذي حمله كان فارغاً، لا قسوة، فراغ. لم يرَ طفلاً. رأى شيئاً في طريقه. أمّه جاءت وأمسكته، يدها ترتجف من الأسفل، بعيداً عن الجلد، في العظم.
٣. الأيام الخطأ
الأيام لم تكن لها أسماء.
غرفة عند خالته ورائحة ملابس مبلولة وأصوات من تحت الباب ليلاً، أناس يتكلمون بصوت خفيض كأنهم يحملون شيئاً ثقيلاً ولا يريدون إسقاطه.
أمّه كفّت عن الوقوف أمام النار. عن الوقوف في أي مكان طويلاً. كانت تجلس على حافة السرير وعيناها في الحائط، لا في شيء عليه، في الحائط نفسه، كأنها ترى ما وراءه لا ما فيه.
مرة قال لها: "ماما." قالت: "ماذا." لم تتحرك.
قال: "لستُ بحاجة إلى شيء." وخرج.
طلب منها أن تلعب الورق. رفعت عيناً واحدة، مُرهَقة جداً. قام شيءٌ في صدره كأن شيئاً يحترق ببطء. أمسك أوراق اللعب. أراد أن يكسرها. لم يفعل.
٤. الشارع
الشمس في وجهه.
مشيا على الرصيف، هي أمامه بخطوة. يداها على جانبيها، فارغتان.
هذا لم يحدث من قبل.
في الشارع يدها كانت دائماً تمسك يده أو تمسك أطراف ثوبه. دائماً. هذا كان قانوناً من قبل أن يفهم معنى القوانين.
تباعد بينهما خطوة. خطوتان.
في بطنه شيء تحرّك، سابق للألم، سابق للكلام. شيء يشبه اللحظة في الحلم قبل السقوط مباشرة، حين الجسم يعرف والدماغ لم يصل بعد.
يدها فارغة.
أمّه تمشي. أمتار تتسع. هي لا تلتفت. لا يفهم، لكن جسمه بدأ يفهم، من غوص في معدته، من برودة فجأة في رجليه.
في رأسه في ثانية واحدة، مضغوطة كحجر: الغبار الأبيض من الحائط المكسور. صوت الشباك يرتجّ. رائحة التعرق في قماش الرجل الذي حمله. وقف.
رآها تمشي.
من بعيد، بوق سيارة قصير. ضحكة امرأة لا يعرفها. الشارع يعيش حياته كأن شيئاً لا يحدث.
رجلاه تحرّكتا قبل أن يأمرهما. أمسك ثوبها من الخلف بأصابع لا تعرف كيف تخفّف.
وقفت.
التفتت.
في وجهها، دهشة. كأنها نسيت وتتذكر الآن.
بكى، بكاء ضيّق وساخن في الحلق، ذلك النوع الذي يأتي من الخوف لا من الحزن. وبين البكاء، خرج منه:
"أريد أن أعود إلى البيت."
نزلت يدها على رأسه. ثقيلة. غير مستقرة. موجودة.
٥. لاحقًا
الرصيف.
جلسا. كتفه في كتفها. لا كلام.
لمست أصابعه ضفيرتها من الخلف، عرضاً، لا قصداً. المشبك الأزرق كان لا يزال هناك، بارداً قليلاً، في مكانه.
في الهواء رائحة تراب وشيء آخر، قريب من رائحة الغسيل على الأسطح، الرائحة التي كانت دائماً مصاحبة للشباك.
الشمس أخذت لوناً آخر. والمشبك الأزرق ظل في مكانه. أشياء كثيرة غيره لم تفعل.
جمال عسكر - كاتب وأديب