في الأزمنة التي يضيق فيها العالم، لا تضيق الخرائط وحدها، بل تضيق القلوب أيضًا.
تتشابه الحكايات حين تتكاثر القوى، وتختلف الأسماء بينما يبقى الألم واحدًا، صامتًا، لا يحتاج إلى تعريف.
هذه ليست حكاية مكان بعينه، ولا زمن محدد.
هي حكاية وادٍ يشبه كل الأودية التي عاشت طويلًا على هامش العاصفة، حتى صارت العاصفة قدرها.
هنا، لا أحد يملك الحقيقة كاملة، ولا أحد ينجو تمامًا.
لكن ثمة دائمًا من يبقى… ليحكي، أو ليحاول أن يُبقي شيئًا حيًا، ولو كان شجرة.
كان الوادي ضيقاً كزفرة محبوسة في صدرِ متعب، تقبض عليه الجبال من جانبيه وكأنها تخشى هروبه. هناك، حيث لا تشرق الشمس إلا لتودع، عاش «أهل الظلال». لم يكونوا يوماً أسياداً للأرض، لكنهم كانوا أبناءها البارين. يغرسون أرواحهم في جذور الزيتون اليانع، ويتفيؤون بكروم التين التي تتسلق الجدران الطينية المتهالكة، ويقتسمون ماء جدولٍ خجول مع ماعزهم الهزيل. لم يعرفوا يوماً بريق السيوف، جلّ ما تمنوه هو موسم حصادٍ هادئ قبل أن تعصف بهم الريح.
لكن الريح في هذا الوادي لا تهب من الطبيعة، بل من قمم الجبال.
على القمة الشرقية، حيث الغيوم تتلبد بلون الدخان، كان يتوسد السحابَ «العمُّ العظيم». رجلٌ قادم من خلف محيطات بعيدة، يفترش السماء بأجنحة من حديدٍ بارد. كان يقول دائما "هذا ثمن الأمان" وكان ظله ثقيلاً يحجب النور، لكن عينيه لم تكونا تنظران إلى الوادي، بل إلى سفح الجبل الغربي، حيث يربض قصرٌ صغيرٌ يقطنه «الولد المدلل».
كان الولد يصفق حين يسقط شيء بعيد. كان لديه يدان صغيرتان لا تكلّان عن العبث. كلما شعر بالملل، بنى سوراً جديداً حول حديقته، وكلما ارتفع السور وتمدد، ابتلع قطعةً من الوادي، وخنق أنفاس أهل الظلال. وحين كانوا يرفعون رؤوسهم شاكين، كان صدى ضحكة العم العظيم يرجّ الوادي: «دعوه يلعب.. إنه طفلي الحبيب!».
وخلف الجبل الشرقي، في امتداد الصحراء الذهبية، نُصبت خيامٌ من حريرٍ خالص للتجار الأغنياء. كانت أيديهم ناعمة كأنها لم تلمس طينًا قط، ومع ذلك كانت مفاتيح الماء والذهب تتدلّى من أصابعهم. كانوا يتسللون في عتمة الليل، يقبّلون أطراف أجنحة العم العظيم، ويهمسون في أذنه بخشية: «احمِ خيامنا، وسنملأ جيوبك بما تشتهي». خافوا على الذهب من غبار الوادي، فباعوا الظلال ليحفظوا البريق.
وفي الجانب الآخر من المشهد، حيث الجبال الوعرة تلامس السماء، كان يتربع «الأسد الوحيد». لم يكن يملك أجنحة معدنية، لكنه كان يمتلك صبراً مخيفاً وأظافر طويلة يحدّها على صخور الجبل. كان يمد مخالبه في العتمة نحو الوديان، يوزع ابتساماته على الفلاحين ويهمس لهم مع نسيم الليل: «أنا من طينتكم، لست غريباً كصاحب الأجنحة. قفوا في ظلي وسأمنحكم الخلاص».
كان الوادي يغلي بصمت، كقدرٍ محكم الإغلاق، حتى جاءت تلك الليلة.
شعر الولد المدلل بالملل من حديقته الواسعة، فقرر أن «يدافع» عنها. التقط حجارة ضخمة وبدأ يقذفها نحو الجبل المقابل. لم يتأخر الأسد في الرد؛ زأر زأرةً شقت عنان السماء، وردّ بمخالب من نارٍ تستعر.
وهنا، اهتزت السماء، وصرخ العم العظيم بصوت معدني: «سأحمي طفلي!». بسط أجنحته الحديدية، وانقضّ.
لكن المفارقة الموجعة كانت هناك؛ الحجارة لم تكسر جدران القصر، والنار لم تحرق خيام التجار، والأجنحة الحديدية لم تخدش كبرياء الأسد. كل ذلك الغضب، كل تلك النار والحديد، تساقطت كالمطر الأسود على الوادي الضيق.
اشتعل الزيتون حتى صار رماداً يبكي، وجفّ الجدول حتى تشققت شفاه الأرض، وتناثرت دماء الماعز على بقايا الجدران. وكلما اشتدّ «اللعب» بين الكبار -العم، الولد، التجار، والأسد- ازداد سواد الليل خنقاً لأهل الظلال.
وسط هذا الخراب العبثي، وتحت سماءٍ تمطر موتاً، كان يقف «ياسر».
طفلٌ لم يتجاوز العاشرة، يحمل جرة ماءٍ فخارية مشروخة. كان وجهه الصغير مغطىً بالسخام، وعيناه الواسعتان تراقبان الجنون من حوله. لم يكن يفهم تلك الأسماء الكبيرة، ولا أطماع الأسود، ولا وعود الحديد. كان يسمع شيئاً واحداً فقط يتردد في رأسه، صوتاً ثقيلاً ككابوس:
«شقّ.. وشقّ..»
كان صوت رحى عملاقة تدور ببطء، وأدرك بحدس طفولته الموجع، أن هذه الرحى لا تطحن القمح لتطعمهم، بل تطحن عظام من يقف بين شقّيها.
مشى ياسر بخطوات واهنة متجاوزاً الجثث المحترقة وأحلام لم تُكمل عمرها، حتى وصل إلى شجرة تين صغيرة متفحمة نصفها، لكن غصناً واحداً فيها كان لا يزال ينبض بشيء من الحياة.
جثا على ركبتيه المخدوشتين، وأمال الجرة المشروخة ببطء. سقطت قطرات الماء القليلة على الجذر العطش، ورافقتها دمعة ساخنة انزلقت من عينه لتختلط بتراب الوادي.
وضع جبهته الصغيرة على الجذع المحترق، وأغمض عينيه، وهمس بصوتٍ ابتلعته أصوات الانفجارات، لكنه كان أصدق ما قيل في الوادي ذلك اليوم:
«لو كنتُ كبيراً... لكسرتُ الرحى.
لكنني صغير... فأنا أروي ما تبقى… منك».
> "إلى كل وادٍ لم يختر أن يكون ساحة."
سجّل دخولك للمشاركة في النقاش