
كانت يداه تعرف الطريق قبل أن تعرفه عيناه.
تمتد في الظلام، تلمس الجدران، تبحث عن شيء تمسك به، وتجد دائمًا ما يُسقطها لا ما يُنقذها.
لم يكن أحد يراه.
أو ربما كان الجميع يرونه، ولم يكن هو من يرى نفسه.
في الداخل، كان هناك صوت.
صوت يشبه طفلًا صغيرًا يجلس على عتبة باب مفتوح، ينتظر أن يعود أحد.
لا يبكي بصوت عالٍ.
يكتفي بأن يحدّق في الطريق.
أن ينتظر.
أن يؤمن أن القادم القادم سيكون له.
لكنّه، هو، لم يكن يحتمل أن يسمع ذلك الصوت.
ففعل ما يفعله كل من يخشى أن يسمع نفسه:
أشعل ما يكفي من الضجيج ليغرق ما يكفي من الصمت.
لم يكن إسرافه ترفًا.
لم يكن نزوة من يملك الكثير فيُبدّده.
كان هربًا.
هربًا من رجل يقف كل صباح أمام مرآة،
ينظر إليه،
ولا يجد ما يقوله له.
فكان يُسرع بالمغادرة قبل أن تبدأ المرآة بالكلام.
ملأ الفراغ بفراغ أوسع.
أغرق الصوت بأصوات أعلى.
وحين توقف عن الشعور بأي شيء، ظنّ أن هذا هو النجاة.
ثم جاءت تلك الليلة.
لم تكن مختلفة.
نفس الغرفة، نفس الظلام، نفس الثقل الذي لا اسم له.
لكنه في تلك الليلة، ولسبب لم يفهمه، لم يُشعل شيئًا.
جلس فقط.
وفي الصمت الذي كان يهرب منه طوال تلك السنوات، سمع شيئًا.
لم يكن صوتًا خارجيًا.
كان أعمق من ذلك.
كان كمن يضع يده على كتفك في عتمة كاملة، فتعرف أنك لستَ وحدك قبل أن ترى وجهه.
"يا عبادي..."
توقف عند تلك الكلمة.
"عبادي".
لم تكن تسأل أين كنت.
لم تكن تُحصي ما فات.
لم تكن تفتح السجلات وتضع الأصابع على الأسطر.
كانت فقط... تعرفه.
تعرف اسمه.
تعدّه شيئًا.
وهذا، هذا بالذات، كان ما لم يتوقعه.
أن يُعدَّ شيئًا، بعد كل ما صار.
فهم حينها أن الباب الذي ظنه محترقًا
لم يكن مُوصَدًا من الأصل.
لم يكن هناك قفل يحتاج مفتاحًا.
لم يكن هناك حارس يسأل عن الماضي.
كان مفتوحًا.
كان مفتوحًا طوال الوقت الذي كان هو يحترق خارجه.
عاد.
لا كالمنتصر الذي وطئ ذنبه وتجاوزه.
بل كالمكسور الذي وقف أمام رحمة أكبر مما يستطيع أن يحمله نظره.
جاء بركبتين ترتجفان لا من الخوف، بل من ثقل كل تلك السنوات التي حملها واقفًا.
جاء بقلب يعرف طعم الحريق، ولهذا بالذات، صدق حين وضع جبهته على الأرض.
لم يقل كلامًا كثيرًا.
لم يُعدّ ما اقترف، ولم يعتذر بخطب منمقة.
قال فقط، بكل ما تبقى فيه:
"أنا هنا."
وكان هذا كافيًا.
لأن من كان ينتظره لم يكن يريد أكثر من ذلك.
أن يعود.
أن يكون هنا.
سجّل دخولك للمشاركة في النقاش