لم يعد أحد يسأل عنها.
الأسئلة انتقلت إلى ما تركته خلفها: كوب من طراز توقّف عن الإنتاج، ومنديل ورقي مطويّ مرتين داخل جيب معطف لم يعد يخرج من الخزانة، وستارة ما زالت تحتفظ برائحة صباحاتٍ لا أعرف كيف بقيت فيها كل هذه السنوات.
غادرت هي، وبقيت الأشياء تؤدي عادتها القديمة: أن تنتظر.
كان هذا مفتاح شقتها الأولى.
بعد سنوات، غيّر المالك الجديد الباب كله، وبقي المفتاح كما هو؛ قطعة معدن تؤمن بباب لم يعد موجودًا.
كانت تحتفظ به في حافظة نقود بالية، ملفوفًا بشريط لاصق اصفرّ حتى صار يبدو جزءًا منه. لم أرها تستعمله يومًا، لكنها كلما انتقلت إلى بيت جديد أخرجته، قلبته بين أصابعها قليلًا، ثم أعادته إلى مكانه.
وجدته لاحقًا في درج يعلق كلما حاولت فتحه. بجواره بطارية ساعة فارغة، وإيصالات باهتة، ومفتاح آخر لا يحمل أي علامة تدل على بابه.
على جدار غرفة النوم بقعة أفتح من بقية الطلاء.
ليست رطوبة، ولا أثر صورة أزيلت.
الشمس هي التي صنعتها، عامًا بعد عام، وهي تعبر الستارة التي كانت تحبها لأنها، كما قالت مرة، "تخفف الضوء ولا تهزمه."
هناك كانت تشرب قهوتها كل صباح.
كانت تترك نصف الملعقة داخل الفنجان، وتنسى قليلًا من السكر في القاع، ثم تقول إن آخر رشفة يجب أن تبقى مُرّة.
حين تميل الشمس في الشتاء، يبدو كأن أحدًا يجلس للحظة في المكان نفسه.
والقطة التي تدخل أحيانًا من الشرفة لا تمر أمام تلك البقعة أبدًا؛ تدور حولها ثم تكمل طريقها.
الكتاب لم يُقرأ حتى نهايته.
بين الصفحة السادسة والثمانين والسابعة والثمانين ورقة نقدية خرجت من التداول منذ سنوات.
لا أعرف لماذا اختارتها علامة.
على الصفحة الأولى إهداء بخطها المائل:
> إلى ذاتٍ أخرى...
> مع الحب.
ظللت أحدق في العبارة طويلًا.
ثم أغلقت الكتاب.
وتركت الورقة في مكانها.
المزهرية كانت مشروخة قبل أن تشتريها.
أتذكر البائع وهو يحاول أن يخفض ثمنها، بينما كانت هي تبتسم وتدفع أكثر مما طلب.
قالت له:
"بعض الأشياء تحتاج أن تكون ناقصة حتى لا نخاف عليها."
لم تضع فيها يومًا باقة كاملة.
وردة واحدة كانت تكفي.
وحين تجف، لا تستبدلها.
كانت تتركها واقفة حتى آخر بتلة.
الوردة التي فيها الآن ما زالت في مكانها، أخف لونًا، لكنها لم تنحنِ.
عندما فتحت علبة الصفيح، لم أجد شيئًا يمكن الاحتفاظ به لسبب معقول.
دبابيس شعر.
زران لا ينتميان إلى القميص نفسه.
قصاصة شريط أزرق.
عملة صغيرة.
إبرة.
ومشبك ورق صدئ.
أغلقتها وهززتها برفق.
صدر منها ذلك الصوت نفسه الذي كنت أسمعه كلما بحثت هي عن شيء لا تتذكر أين وضعته.
لم يكن الهاتف يعمل.
لكن أحدهم استطاع استخراج ما بقي في ذاكرته.
بين الصور وملفات لا تحمل أسماء، كانت هناك ملاحظة صوتية قصيرة.
صمت.
ثم صوتها:
"نسيت اليوم أين وضعت المفتاح..."
سكتت لحظة.
ثم ضحكت، كأنها تضحك من نفسها.
وقالت:
"غدًا سأخصص له مكانًا... إن تذكرت."
وانتهى التسجيل.
بعد أشهر، بقي كل شيء في مكانه.
المفتاح في الدرج.
المزهرية على الرف.
الكتاب عند الصفحة نفسها.
وعلبة الصفيح ما زالت تصدر الصوت الخافت ذاته كلما تحركت.
في إحدى المرات، وجدت الشريط اللاصق حول المفتاح قد لُفَّ من جديد، بعناية لا تشبه عنايتي.
لم أسأل من فعل ذلك.
النوع: قصة قصيرة أدبية.
التصنيف الفرعي: قصة تأملية / أدب الذاكرة / الواقعية النفسية.
الفئة المستهدفة: قراء الأدب الحديث، ومحبو القصص النفسية والتأملية.