الضوء هنا أبيض… قاسٍ.
لا يضيء، بل يحفر.
ينزل في رأسي ببطء، كإبرة تعرف طريقها.
أنظر إلى يديّ فوق الخشب.
ساكنتان… مربوطتان.
لا أثق بهما.
كأنهما فعلتا شيئًا… ثم تركتاني أواجهه وحدي.
صوتٌ أمامي يتحرك.
شفاه تفتح وتغلق.
لكن لا شيء يصل.
فقط طنين… كأن صدري امتلأ بحشرة لا تموت.
يسألون.
عن الزجاج.
عن ما انكسر.
كيف أقول لهم…
إنني لم أرَ الكسر؟
كانت ضوءًا.
خفيفًا… قريبًا.
هبط دون خوف، كأن العالم لا يؤذي.
لم أطاردها.
هكذا أتمسك بالحكاية.
كانت هي من اقتربت…
أو هكذا أردت أن أصدق.
كنت فقط جائعًا لشيءٍ دافئ.
شيءٍ لا يهرب.
شيءٍ يبقى.
مددت يدي.
وهنا…
يتشقق كل شيء.
صورتها تعود.
لا كضوء.
بل كاتساعٍ مفاجئ في العينين.
ذلك الاتساع…
لم يكن دهشة.
كان خوفًا.
خوفًا رأيته.
وعرفته.
ولم أتوقف.
الصمت يثقل الهواء.
وجهي الذي أعرفه يتراجع.
الوقار… الصوت… الأسماء التي نادوني بها.
كلها تنفصل عني،
كجلدٍ لم يعد يخصني.
يبقى شيء آخر.
أقرب.
أصدق… بشكلٍ لا يُحتمل.
ليس وحشًا.
بل إنسان…
رأى، وفهم،
واختار أن يكمل.
أبتلع ريقي.
طعمه مرّ، كأنني أبتلع الحقيقة نفسها.
وفي الداخل…
هدوء غريب.
أسود… لكنه ثابت.
كأنني تعبت من الكذب على نفسي.
أرفع رأسي قليلًا.
لا أنظر إليه… بل إلى فراغٍ خلفه.
وتخرج الكلمات، ببطءٍ شديد:
"ما كنتش شايف غير النور…"
صمت.
ثم...بصوتٍ أخفض، يكاد ينكسر:
"بس أنا… كنت عارف."
"وعلشان كده… اتحرقت."
جمال عسكر
ومضات / أدب نفسي / سرد داخلي
سجّل دخولك للمشاركة في النقاش