لاحقًا، كلما حاول أن يتذكر، وجد النار أولًا.
لا البداية. ولا الطفل. ولا نفسه.
النار.
كأنها كانت موجودة قبله، تنتظره في مكان ما، منذ سنوات طويلة.
كان هناك باب.
يعرف ذلك.
ومقبض.
ويد امتدت نحوه.
لكن اليد تبدو له الآن كأنها يد شخص آخر. لا يتذكر أنه أمرها. ولا يتذكر أنه وافق.
فقط المعدن المحموم يلتصق بالجلد.
ورائحة مفاجئة.
رائحة لحم.
ثم الباب.
ثم النار.
الدخان. لا. ليس دخانًا.
جدار. شيء كثيف له وزن. يدخل الفم. يمتلئ به الصدر. يتحول النفس إلى عمل شاق. إلى قرار. إلى معركة صغيرة.
ثم فجأة لم يعد يعرف إن كان يسير إلى الأمام أم أن النار هي التي تتحرك نحوه.
أبوه. مرة أخرى.
واقف في المطبخ. يضغط على رأس عود الثقاب. الشرارة تشتعل. الضوء الصغير ينعكس في عينيه لثانية — ثم يطفئه بسرعة، أسرع من اللازم دائمًا.
كان يظنها عادة.
الآن، وسط اللهب، رأى ما لم يره من قبل: لم يكن أبوه يطفئ النار. كان يحييها. تحية من يعرف ما في يده ويمضي. رجل خائف يفعل ما يجب بيدين ترتجفان من الداخل، لا من الخارج.
لم يكن أبوه أقل خوفًا منه.
كان فقط يمشي وهو يخاف. ولا يخبر أحدًا.
وها هو الآن — يمشي.
أين الطفل؟
كان هناك طفل. يعرف ذلك. أو ربما سمع كلمة "طفل". امرأة تصرخ. صوت من بعيد. نافذة. لا. زجاج. يدان صغيرتان على الزجاج.
الكلب.
نعم. الكلب أولًا.
لماذا الكلب؟ لماذا لا يتذكر الوجه؟
كلما حاول استعادة اللحظة ظهر الكلب الكرتوني وحده. أذنان طويلتان. عينان دائريتان. وأصفر. أصفر على نحو فاضح وسط البرتقالي والأسود.
بقعة حياة في مكان لا يريد الحياة.
خطوة. ثم أخرى.
الألم وصل. لا. هذا ليس صحيحًا. الألم كان موجودًا من البداية. لكنه كان بعيدًا. خلف زجاج ما. والآن فقط كسر الزجاج. صعد من اليد. إلى الذراع. إلى الكتف. كأنه يبحث عن مكان يستقر فيه.
توقف. أو ظن أنه توقف.
الزمن أصبح شيئًا آخر. ثانية واحدة تتمدد حتى تصير شارعًا كاملًا. ثم يختفي الشارع كله في رمشة.
صوت. بكاء. حقيقي هذه المرة.
ليس ذكرى. ولا خيالًا.
طفل. هناك طفل.
ورآه. أخيرًا.
خلف الزجاج. وجه صغير متسخ بالسخام. فم مفتوح. دموع. رعب خالص. الرعب قبل أن يتعلم الإنسان الكلمات. قبل أن يتعلم الكبرياء. قبل أن يتعلم الكذب.
وفي تلك اللحظة حدث شيء غريب. شيء لم يفهمه.
لأن الطفل لم يعد طفلًا. أو لم يعد طفلًا فقط.
لثانية واحدة، وربما أقل، رأى نفسه. ليس كما هو الآن. بل كما كان. واقفًا في مكان بعيد. ينتظر. لا يعرف ماذا ينتظر. لكن ينتظر.
وجاءه يقين خاطف، غير منطقي، مستحيل التفسير:
إذا ترك هذا الطفل هنا - سيترك شيئًا من نفسه معه.
السقف يتشقق. صوت هائل. لكن الصوت يأتي من بعيد. كأن أذنيه تحت الماء.
وللمرة الأولى يشعر بالرغبة في الحياة. لا كفكرة. لا كقيمة. بل كجوع. عنيف. بدائي.
أن يتنفس فقط.
أن يلمس مقبض باب دون أن يحترق.
أشياء كانت موجودة دائمًا حتى صارت مهددة بالاختفاء.
وعندها بالذات، مد يده.
لم يفهم هذا أبدًا. حتى الآن.
كل شيء فيه كان يريد النجاة. وكل شيء فيه كان يتجه نحو الطفل.
كأن الرغبتين شيء واحد. كأن الحياة نفسها كانت هناك. خلف الزجاج. ترتجف. وتبكي.
حين حمله، التصق الطفل به فورًا.
شعر بقلبه. صغيرًا. مجنونًا. يضرب داخل صدره كطائر مذعور.
وكان حيًا.
هذه هي الكلمة.
حيًا. بصورة لا تحتمل.
استدار. أو دارت الدنيا حوله. لا يعرف.
الدخان. الحرارة. السقف. الضوء البعيد. كلها امتزجت.
ولم يبقَ إلا ذلك القلب الصغير قرب صدره.
يدق. يدق. يدق.
كأنه يقوده.
بعد ذلك هناك فراغ.
مساحات كاملة مفقودة. لا يتذكر الخروج. لا يتذكر الشارع. لا يتذكر من أخذ الطفل من ذراعيه.
كأن النار احتفظت بتلك الدقائق لنفسها.
بعد ساعة كان جالسًا على عتبة سيارة الإسعاف.
يداه ملفوفتان بالشاش. الطفل على الجانب الآخر. داخل بطانية رمادية.
حي.
هذه الكلمة مرة أخرى.
حي.
حاول أن يفهم.
هل كان شجاعًا؟ لم يشعر بالشجاعة.
هل تغلب على خوفه؟ لا يتذكر أنه واجهه أصلًا.
هل أنقذ الطفل؟ ربما. لكن هذه أيضًا لم تبدُ له الحقيقة كاملة.
ظل ينظر إلى الضمادات. ثم إلى الطفل. ثم إلى الفراغ بينهما.
وكانت الفكرة الوحيدة التي بقيت معه، أكثر إيلامًا من الحروق نفسها:
أنه دخل النار وهو لا يعرف نفسه.
وخرج منها - ولا يزال لا يعرفها.