في الصباح، وقبل أن تفيق الشمس تمامًا، كان عزت منحنيًا على طبق الفول.
لم يكن الانحناء جديدًا عليه. تعلّمه ببطء، على مدى سنوات، مثلما يتعلم الإنسان أن يُقلّص نَفَسه في غرفة ضيقة. جسده يعرف الانحناء. ركبتاه تعرفانه. حتى عنقه صار يميل من تلقاء نفسه، كأن العضلات نسيت أن ثمة اتجاهًا آخر.
رفع رأسه قليلًا ونظر إلى الحائط المقابل.
ما زالت صورة قديمة معلقة هناك. صورة باهتة التقطها قبل خمسة عشر عامًا في يوم نزهة مع زملاء الجامعة. كان واقفًا في منتصف المجموعة، يضحك بفم مفتوح ورأس مرفوع إلى السماء. كلما نظر إليها شعر أن الرجل في الصورة يعرف شيئًا لا يعرفه هو.
ثم جاءت الطقّة.
خافتة. أقل من صوت. مجرد إحساس، كأن شيئًا اتخذ قراره أخيرًا.
لم يؤلمه. هذا ما أزعجه. الألم كان سيكون طبيعيًا. أما هذه الخفة المفاجئة فلم يثق بها أبدًا.
الفقرة السابعة من عنقه كانت هناك، على البلاط البارد، بيضاء وصغيرة كسنّة البرجل.
حدق فيها طويلًا.
تذكر كيف كان يحب الرسم الهندسي في المدرسة، وكيف أخبر المدرس أباه يومًا أن الصبي يملك يدًا دقيقة وقد يصبح مهندسًا. ضحك الأب وقتها وقال إن الأحلام لا تطعم خبزًا.
قبل أن تمتد يده إليها، تدحرجت الفقرة مبتعدة.
عبرت أرضية المطبخ واتجهت نحو الباب.
في الشارع، كان ثمة طابور.
قطع دومينو بيضاء، كل واحدة تحمل على ظهرها رقمًا محفورًا بعمق، كأن الرقم لم يُكتب بل انطبع. كانت تسير بخطوات قصيرة متساوية، وتحت كل واحدة ظل ضيق لا يتجاوز حجمها.
بحث بعينيه عن قطعته.
ولم يجدها.
ربما لأنها لم تعد قطعته.
وربما لأن القطع المتشابهة لا تحتاج أسماء.
أغلق الباب بهدوء وعاد إلى المائدة.
أكمل فول الصباح وحده.
✦ ✦ ✦
في العمل، كان الدرج يقاومه منذ أشهر.
اليوم قاومه بشكل شخصي، كأنه يعرفه.
شدّه بكلتا يديه، وفي اللحظة التي انفتح فيها بعنف، شعر بالتمزق في منتصف ظهره.
ليس صوتًا بالضبط.
أكثر من ذلك وأقل.
إحساس بشيء يُسلّم نفسه.
نظر إلى الأرض.
الفقرة السادسة الصدرية كانت هناك.
لكنها لم تعد فقرة.
كانت برغيًا ضخمًا لامعًا، باردًا كأنه جزء من آلة قديمة.
ظل ينظر إليه.
في الدرج المفتوح أمامه كان ملف أصفر مهترئ. ملف مشروع اقترحه قبل سنوات. يومها سهر ليالي كاملة يخطط له، ورسم جداول وملاحظات على عشرات الأوراق. المدير قال إنه مشروع جيد. ثم وضعه في الدرج.
بقي هناك.
كل سنة يُنقل الملف من درج إلى درج، ومن مكتب إلى مكتب، بينما يزداد الورق اصفرارًا.
أما عزت فكان يزداد صمتًا.
تدحرج البرغي ببطء حتى وصل إلى مبرد المياه في الزاوية.
الماكينة التي لا أحد يصلحها لأن أحدًا لا يملك الوقت ولا الصلاحية ولا الميزانية.
رآه عامل النظافة.
انحنى.
التقطه.
ثبّته تحت رجل الماكينة المكسورة.
استقرت الماكينة فورًا.
وأصبح صوتها أقل إزعاجًا.
جلس عزت على كرسيه.
وأحس بجذعه ينخفض قليلًا، كبناية تفقد عمودًا دون أن تنهار فورًا، وتظل واقفة من باب التعود.
في آخر النهار مرّ أحد الموظفين وقال وهو يملأ كوبه:
— أخيرًا الماكينة اتظبطت.
لم يعرف أحد كيف.
ولم يقل عزت شيئًا.
✦ ✦ ✦
في الليل، كان السقف مشقوقًا كعادته.
الشقوق قديمة، يعرفها عن ظهر قلب.
هذه تبدأ من الزاوية الشمالية الغربية وتنتهي فوق رأسه.
وتلك تتفرع إلى ثلاثة خطوط دقيقة.
كل ليلة ينظر إليها.
ثم يغمض عينيه.
على المنضدة الصغيرة بجوار السرير كان دفتر رسم قديم.
آخر ما تبقى من زمن آخر.
مدّ يده إليه.
قلب بعض الصفحات.
مبانٍ عالية.
جسور.
حدائق.
بيوت ذات شرفات واسعة.
رسومات لرجل ظن يومًا أنه سيبني شيئًا يبقى بعده.
ابتسم ابتسامة قصيرة.
ثم وقع الانفصال الأعنف.
الفقرة القطنية الرابعة انشطرت إلى نصفين بصمت تام.
كأنها كانت تنتظر لحظة لا أحد فيها يرى.
تحول نصفها إلى زورق ورقي.
وتحول النصف الآخر إلى دمعة.
راقب الزورق وهو ينزلق ببطء نحو الحمام.
كان يشبه القوارب التي صنعها في طفولته أيام المطر.
كان يتركها في مياه الشارع ويجري خلفها ضاحكًا.
أما الآن فلم يتحرك.
سقط الزورق في البالوعة.
وسمع الماء يبتلعه.
الدمعة تبخرت قبل أن تصل إلى أي مكان.
ظل عزت مستلقيًا.
السقف فوقه بشقوقه القديمة.
وجسده تحته أخف مما ينبغي.
وفجأة خطر له أنه لا يتذكر آخر مرة ضحك فيها كما كان يضحك في الصورة المعلقة على الحائط.
حاول أن يتذكر.
ولم يستطع.
أغمض عينيه.
ولم يكن واضحًا له إن كان ينام أم يتلاشى.
✦ ✦ ✦
جاء الأصدقاء بعد يومين.
ليس لأنهم حدسوا شيئًا.
بل لأن الشقة لم تفتح بابها.
وصاحب العمارة لم يتحمل المسؤولية القانونية.
على السرير لم يجدوا عزت.
وجدوا:
قطعة دومينو عاجية تحمل رقمًا لا يُقرأ.
وبرغيًا حديديًا أصدأ بسرعة مريبة.
وزورقًا ورقيًا مبللًا على حافة المصرف.
وذرات بيضاء ناعمة، كالملح أو الجير أو ما تبقى من عظم فقد صبره.
وجدوا أيضًا دفتر الرسم.
تصفح أحدهم صفحاته بصمت.
حدائق.
جسور.
مبانٍ شاهقة.
وأحلام مرسومة بعناية شخص كان يظن أن العمر ما زال طويلًا.
أغلق الدفتر.
ووضعه جانبًا.
حاولوا أن يجمعوا الأشياء فوق الغطاء.
رتبوا القطع بجوار بعضها.
لكنها لم تتماسك.
تركوها.
وحين سألهم أحد الواقفيـن عند الباب:
— هو فين؟
ساد الصمت لحظة.
ثم قال أكبرهم سنًا:
— عزت؟
نظر إلى الدفتر المغلق.
ثم إلى الأشياء المبعثرة.
وقال بصوت خافت:
— صار أشياء.
خرجوا.
وفي الدرج، أحس أحدهم بطقّة خافتة في رقبته.
فتوقف لحظة.
ورفع يده إليها.
ثم أمسك الدرابزين وأكمل النزول.
☾ ☾ ☾ ☾ ☾ ☾ ☾ ☾ ☾
قصة قصيرة
بقلم جمال عسكر كاتب وأديب مصرى
الواقعية السحرية / الغرائبية الوجودية
الاغتراب الإنساني، الاستنزاف اليومي، فقدان الهوية، تشيؤ الإنسان، العزلة
سرد رمزي مكثف، نفسي، معاصر