من سلسلة: ما تبقّى | القصة الثانية
ما تبقّى | 01 | المنديل
بعد كل مريض، كان الدكتور هاشم يفعل الشيء نفسه. يفتح الدرج العلوي، يسحب منديلاً قماشيًا أبيض بثلاثة أصابع من زاويته، ويمسح سطح المكتب بحركة واحدة، من اليسار إلى اليمين، لا تُستأنف ولا تُقصَّر. ثم يطويه من المنتصف مرة واحدة، ويعيده إلى مكانه، وكأن الحركة جزء من الفحص نفسه، لا شيء يليه.
الممرضات الجدد كنّ يتهامسن أنه مهووس بالنظافة. القديمات توقفن عن الملاحظة منذ زمن؛ صار المنديل جزءًا من صوت العيادة، مثل صرير الكرسي، لا يُسأل عنه أحد.
في ذلك اليوم، دخل طفل في الخامسة يبكي من خدش بسيط في ذراعه، أمه تحمل قطعة قماش مضغوطة عليه. وحين رفعتها، سقطت نقطة دم واحدة على حافة المكتب، صغيرة، مستديرة، لامعة تحت الضوء.
توقفت يد هاشم في الهواء، على بعد إصبع من الدرج.
سمع صوتًا. لم يكن متأكدًا أنه سمعه الآن أو أنه يسمعه منذ زمن طويل ولم ينتبه: امرأة تقول "إزاي تسيبها كده" — لا أكثر. لا وجه معها، لا غرفة، لا تاريخ. الجملة وحدها، معلّقة، كأنها جاءت من غرفة مجاورة لا يعرف بابها.
حاول أن يمسكها من طرف، أن يجرّها إلى ما قبلها أو ما بعدها. لم يجد شيئًا. كأن أحدًا اقتطع الجملة من مكانها بمقص، وترك الحواف نظيفة جدًا حتى بدت وكأنها لم تكن يومًا جزءًا من شيء أكبر.
مدّ يده إلى الدرج. لكن الطفل بكى بصوت أعلى، وأمه سألت بقلق إن كان يحتاج غرزًا، وهاشم وجد نفسه ينحني نحو الذراع الصغيرة، يفحص الجرح، ينسى، للمرة الأولى منذ لا يعرف كم من الوقت، أن يمسح شيئًا.
خرجت الأم بطفلها. بقيت نقطة الدم على حافة المكتب، جافّة الآن، صغيرة، لا تلمع كما كانت.
جلس هاشم ينظر إليها دقيقة كاملة. يده على الدرج، لم تفتحه. حاول أن يتذكر صاحبة الصوت، فلم يجد إلا أذنه وهي تسمع، لا عقله وهو يفهم.
ثم دخلت المريضة التالية، وهو لم يكن قد قرر بعد.
من سلسلة "ما تبقّى"
مشروع قصصي يرصد الآثار التي تتركها التجارب الإنسانية في العادات اليومية.
جمال عسكر كاتب وأديب مصرى