من سلسلة: ما تبقّى | القصة الثانية
المقبض
في الدور الثالث، كان مكتب الأستاذ عماد آخر باب في الممر.
كل صباح، يصل قبل الجميع تقريبًا.
يضع حقيبته على الأرض.
يمسك مقبض الباب بيده اليمنى.
يتركه.
ثم يمسكه باليسرى.
بعدها فقط يفتح الباب.
يفعل ذلك كل يوم.
منذ سنوات طويلة.
---
الموظفون القدامى لم يعودوا يرونه.
صار جزءًا من المكان.
مثل صوت المروحة القديمة.
ورائحة الملفات.
---
في آخر شهر قبل انتقال الإدارة إلى المبنى الجديد، بدأ العمال يفكون الخزائن.
وينقلون الكراسي.
ويكتبون أرقام الغرف على الكراتين.
أما عماد، فكان يدخل ويخرج كعادته.
لا يزيد شيئًا.
ولا ينقص.
---
قال له موظف شاب وهو يحمل صندوقًا:
ـ أول مرة أشوف حد يسلّم على الباب بإيدين.
ابتسم عماد.
كأنه سمع الجملة من بعيد.
ثم دخل.
---
مجرد لمسة.
يد أكبر من يده.
وبرودة معدن.
وصوت يسأل:
"هتفتح... ولا لأ؟"
ثم ينطفئ كل شيء.
---
جاء صباح الانتقال.
خرج الموظفون من المبنى القديم.
لم يلتفت معظمهم وراءه.
كان المبنى بالنسبة إليهم عنوانًا سيتغير.
لا أكثر.
---
في المدخل الجديد، وقف عماد لحظة.
واجهة زجاجية واسعة.
وأبواب تنفتح وحدها.
اقترب.
فانفرج الباب بصمت.
رفع يده اليمنى تلقائيًا.
بحثت أصابعه عن المقبض.
لامست الزجاج فقط.
باردًا.
أملس.
ثم انفتح الباب أكثر.
عبر الناس من حوله.
دخل بعضهم.
وخرج آخرون.
أما هو، فظل واقفًا لحظة قصيرة، وكأن جسده وصل قبل ذاكرته.
أنزل يده.
ودخل.
---
في اليوم التالي...
فتح الباب الزجاجي كما فتحه الجميع.
لكن يده اليمنى، قبل أن تهبط إلى جانب جسده، مرّت بخفة على حافة الباب التي لا تُمسك.
كما لو أنها تحيي شيئًا...
لم يعد هناك.
من سلسلة "ما تبقّى"
مشروع قصصي يرصد الآثار التي تتركها التجارب الإنسانية في العادات اليومية.