كان يهبط على السقف الصفيحي فوق البيت الصغير بإيقاع ثابت، كأنه أصابع لا تملّ الطرق على بابٍ مغلق.
جلست الحاجة زينب في الصالة الضيقة، وإلى جوارها مجمرة صغيرة لا تدفئ إلا ما يجاورها مباشرة.
أمامها صورة حسن معلقة على الجدار.
الصورة نفسها منذ سنوات، لكن ملامحه فيها بدت أكثر حياة مما تتذكره في أيامه الأخيرة.
ارتفعت الريح فجأة، فارتجفت النافذة.
التفتت إليها.
وفي اللحظة نفسها سمعت الهمسة. خافتة. بعيدة. كأنها جاءت من آخر البيت.
"زينب..."
انعقدت أصابعها فوق ذراع المقعد. أصغت.
لم يتكرر شيء. فقط المطر.
عادت تنظر إلى الصورة.
حسن.
مر عام على رحيله، وما زالت تجد صعوبة في استخدام هذه الكلمة: الرحيل.
كأن الرجل خرج لقضاء أمر ما، وتأخر قليلًا. هكذا فقط.
ثم جاءت الهمسة مرة أخرى. أوضح هذه المرة:
"زينب..."
رفعت رأسها ببطء. لم يكن أحد ينطق اسمها بالطريقة نفسها.
الأب كان ينطقه جافًا كأمر.
والأم على عجل، بين عمل وآخر.
أما حسن... فكان الاسم يخرج من فمه وكأنه شيء يخصه وحده.
نهضت مستندة إلى عصاها.
"مين؟"
خرج صوتها أضعف مما أرادت. لم يجبها أحد.
دفعت باب الحجرة.
السرير مرتب. الغطاء مطوي.
لا شيء.
عادت إلى الصالة.
جلست.
وحاولت أن تقنع نفسها بأن ما سمعته ليس إلا لعبة من ألعاب الذاكرة.
لكن الذاكرة لا تقلد الأصوات هكذا.
أو لعلها تفعل.
من يدري؟
عندما يطول الغياب، تصبح الأشياء أقل يقينًا.
خارج النافذة، لمع البرق للحظة.
فرأت انعكاسها على الزجاج:
امرأة نحيلة.
كتفان منحدران.
وشعر أبيض جمعته بإهمال.
لم تتعرف إلى نفسها فورًا.
ثم ابتسمت ابتسامة قصيرة.
كانت تعرف امرأة أخرى وقفت عند هذه النافذة سنوات طويلة، تنتظر عودة زوجها من العمل.
سمعت صوته في رأسها:
"اعملي شاي يا زينب... الجو ده ما ينفعش يعدي من غير شاي."
أغمضت عينيها.
فجاءتها صورة بعيدة:
هو جالس على المقعد الخشبي.
كوب الشاي بين يديه.
والمطر يملأ الدنيا.
يومها قالت له مازحة:
"إنت بتحب المطر أكتر مني."
فضحك حتى دمعت عيناه.
ثم قال:
"المطر بيجيبك قربي."
فتحت عينيها.
واختفت الصورة.
كما تختفي دائمًا.
عند الباب الخارجي صدر صوت خافت.
ثم آخر.
ثم مواء متقطع كاد يضيع وسط الريح.
ظلّت ساكنة.
أنصتت.
عاد الصوت.
اقتربت من الباب.
وضعت يدها على المقبض.
وترددت.
لسبب لم تفهمه، شعرت بالخوف.
لم تكن تخاف الأشباح.
كانت تخاف الأمل.
فتحت الباب.
اندفع الهواء البارد إلى الداخل.
وعلى العتبة كانت قطة صغيرة، مبتلة بالمطر، تضم أطرافها إلى جسدها المرتجف.
رفعت رأسها.
وأطلقت مواءً ضعيفًا.
ظلّت زينب تحدق فيها لحظة.
ثم انحنت بصعوبة وحملتها.
أغلقت الباب.
وجففت فراءها بمنشفة قديمة.
كانت القطة ساكنة على غير عادة القطط، كأنها أدركت أنها وصلت أخيرًا إلى مكان آمن.
وضعتها على الأرض.
فمشت ببطء عبر الصالة.
ثم قفزت فوق المقعد الخشبي.
مقعد حسن.
التفت حول نفسها مرة.
ومرة أخرى.
واستقرت هناك.
رفعت زينب عينيها نحو الصورة.
بقيت تنظر. طويلًا.
ثم قالت في همس:
"لسّه فاكرني يا حسن؟"
لم يجبها أحد.
لكن شيئًا ما في صدرها خفّ قليلًا.
ذهبت إلى المطبخ.
وعادت بطبق صغير من الحليب.
وضعته قرب المقعد.
اقتربت القطة منه في حذر.
ثم بدأت تشرب.
جلست زينب في مكانها.
أمامها الصورة.
والمقعد.
والقطة.
وفي الخارج كان المطر يواصل هبوطه الهادئ على الزجاج.
أما في الداخل، فلم يكن يُسمع سوى خرخرة صغيرة متقطعة، وامرأة عجوز تجلس منصتة.