البيان وحده لا يكفي
ليس كلُّ من أحسن الكلام أجاد التعبير عن المعنى، وليس كلُّ من أصغى أحسن الفهم. وقد أدرك الجاحظ، منذ قرون، أن البيان والتبيين شراكة بين مَن يُفصح عمّا في نفسه، ومَن يستطيع أن ينفذ إلى مراده؛ فالكلمات لا تبلغ غايتها حين تُقال فحسب، بل حين تجد عقلًا يفهمها وقلبًا يُحسن تلقّيها.
من كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ:
«والمفهوم لك، والمفهِم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهوم أفضل من المتفهِّم، وكذلك المعلِّم والمتعلِّم».
الجاحظ (159–255 هـ / 776–868م تقريبًا) (1)
أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني البصري، المعروف بالجاحظ، أديب ومفكر عربي من أبرز أعلام العصر العباسي. وُلد في البصرة، ونشأ محبًّا للقراءة والبحث، حتى أصبح من أكثر كتّاب عصره موسوعيةً وتنوعًا في المعرفة. تميّز بأسلوبه الذي يجمع بين عمق الفكرة وخفة الظل، واعتمد الملاحظة والتحليل والحجاج في تناول قضايا الأدب واللغة والمجتمع والطبيعة.
ترك الجاحظ مؤلفات بارزة، من أشهرها «البيان والتبيين» الذي تناول فيه فنون القول والبلاغة والخطابة، و «البخلاء» الذي صوّر فيه جوانب من الحياة الاجتماعية بأسلوب ساخر، و «كتاب الحيوان» الذي جمع فيه أخبار الحيوان وملاحظاته وتأملاته. ويظل الجاحظ أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل النثر العربي وتطوير أساليبه.