ما لا ينتبه إليه الناس
انتبهت، وأنا في طريقي إلى العمل، أنني نسيت سؤالها عن أمر هام بعد أن أمضينا معا نصف ساعة فقط.
لم يكن سؤالا عما تعمل أو تدرس، ولا عن رأيها فى الزواج. كان سؤالا بسيطا، لكنني لم أعرف كيف أصوغه حتى وأنا وحدي: هل اعتراها شعور بأن الوقت مر سريعا؟
أخرجت هاتفي، فتحته، أغلقته، ثم أعدته إلى جيبي.
كان العمل الذى أزاوله وقد جاوزت منتصف العقد الثانى من عمرى يلتهم جل وقتى. أغدو من بيتى مبكرا وأعود إليه قبيل وجبة العشاء وقد اِسْتُنفِدَت طاقتى وأثقل كاهلي التعب والإجهاد. وحين اقترحت أمي أن أتعرف إلى فتاة من معارفها، لم أعارض. قلت لها:
— ماشي يا أمي، ربنا يسهل.
ثم نسيت الأمر حتى ذكرتني بموعد اللقاء.
لم أذهب وفي ذهني صورة معينة للمرأة التي اريدها. ربما كنت أريد أن أبادر فحسب. وأن أكتشف إن كان في حياتي متسع لإنسانة أخري.
وصلت قبل الموعد بدقائق، جلست أترقب قدومها متظاهرا بالانشغال بهاتفي. وحين أقبلت بصحبة والدتها، نهضت بشيء من الارتباك وصافحتهما، ثم جلسنا، وبعد قليل، استأذنت والدتها وانصرفت لقضاء بعض شؤونها، وتركتنا وحدنا.
استرعى انتباهي جمالها، لكنني لا أذكر أيَّ ملامحها استوقفتني أولًا. ما أذكره جيدا أنها، بعد قليل، أخذت زمام الحديث من تلقاء نفسها، فلم أكن مضطرا إلي انتزاع الحديث منها. كانت تنتقل من الجامعة إلى العمل، ومنه إلى خططها المستقبلية، كأنها ترتب أفكارها بصوت مسموع.
سألتها عما تريد أن تفعله في السنوات المقبلة، فقالت أنها تفكر في تعلم التصوير الفوتوغرافي.
— التصوير، ليه؟
أضاءت شفتيها ابتسامة رقيقة وهي تحرك الملعقة فى فنجانها.
— حابه اصور الحاجات اللي الناس بتعدي من جنبها من غير ماتاخد بالها. باب قديم، أو شباك فيه زرع، أو ست قاعده فى البلكونة كل يوم فى نفس الميعاد. بحس إن كل حاجة وراها حكاية، حتى لو محدش سأل عنها.
تحولت ابتسامتها إلي ضحكة ثم أضافت:
— المشكلة إني بقالي سنة بقول هبدأ، ولسه ما اشتريتش الكاميرا.
قلت لها أن الهاتف يكفيها كبدايه، وأنها لا تحتاج إلي انتظار الكاميرا المناسبة. لم أعلم لما قلت ذلك بهذه الحماسة كأنني أدافع عن مشروع يخصني.
قالت:
— أهو دا نفس كلام أمي إلي دايما بتقوله. بس أنا بحب أجل الحاجات اللى نفسى فيها لحد الوقت المناسب.
كدت أخبرها بأنني أفعل نفس الشيء، لكننى ترددت لحظة. انتقلنا إلى موضوع آخر غير أن جملتها ظلت عالقة في ذهني.
لم يكن حديثنا استثنائيا. اختلفنا قليلا، واتفقنا كثيرا، وضحكنا أكثر من مرة. ومع مرور الوقت تبدد التوتر. لم أعد أزن كلماتى قبل أن أنطق بها، ولم يعد يشغلني كثيرا أي إنطباع أتركه لديها.
تملكتني راحة غريبة. وهذا أمر أقلقني فيما بعد.
نظرت إلى الساعة، فتذكرت أنه حان موعد العمل. اعتذرت، فقالت:
— ولا يهمك، أكيد.
لملمت أشيائي، وانتهى اللقاء كما تنتهي كل اللقاءات العادية: تحية فابتسامة فوعد بلقاء آخر وحديث لاحق إذا تم الإتفاق.
فى الحقيقة كنت أود البقاء أكثر.
كان يمكنني أن أختلق عذرا للبقاء، لكنني خشيت أن أبدو متلهفا. غادرت، وأنا أقول لنفسي إن الوقت لم يكن كافيا على أي حال.
ثم بدأت المشكلة. لم يراودني ذلك الشعور الذي كان ينتابني قديما.
قبل سنوات، أسرتني فتاة بحبها حتى ظننت أن الحب لا يكون إلا على تلك الصورة من الهيام: أن ينتظر المرء رسالة فيفسد الانتظار يومه، وأن يستعيد كلمات قيلت فى لقاء، باحثا عن معنى لم ينتبه إليه وقتها، وأن يرقص قلبه فرحا بإشارة صغيرة حتى يكاد يصدق أن الحياة تفتح له زراعيها.
بعد شهور من الصمت بيننا، عادت تسألني عن حالي، كأن شيئًا لم يكن. تحدثنا قليلًا، فوجدتني أنصت إلى نبرة صوتها، وأتوقف عند كلماتها، وأبحث عمّا لم تقله. كنت أظن أنني تجاوزت الأمر، لكنني اكتشفت أن بعض المشاعر لا تنتهي حين تنتهي العلاقات. أغلقت الهاتف، وظل سؤال واحد يلحّ عليّ: تُرى، هل تغيّرت حقًّا، أم أنني ما زلت أريد أن أصدّق ذلك؟
اليوم أكاد أقول بأن العلاقة أنتهت، لكني بقيت بعدها مختل التوازن، كأنني لم أستعد نفسي تماما.
لا أحب الحديث عن تلك الأيام. ليس لأنني نسيتها، بل لأنني لا أريد أن أحياها مجددا كلما مرت بذاكرتي. احتجت إلى وقت كي أستعيد نفسي. وإلى أن أعترف بصراحة بأنني تألمت أكثر مما توقعت. ثم مضيت في حياتي، شغلتني الحياة والعمل واكتشفت في نفسي أشياء لم أكن أعرفها وسلكت دروبا ما كنت لأسلكها لو جرت الأمور كما تمنيت.
في إحدى الليالي، كنت جالسًا وحدي، نصف حي، حين تهادت إلى سمعي من المقهى أسفل البيت أغنية سيد درويش «أنا هويت وانتهيت». تسللت النغمات إلى شيء ظننته قد خمد في داخلي، فأطلّت عليَّ ضحكتها، وطريقتها في مناداتي وهي تعاتبني. ظللت أحدّق في هاتفي لحظات، ثم أشحت بوجهي عنه وعدت إلى ما كنت أفعله.
حينما عدت إلى البيت بعد لقائي بالفتاة الجديدة، وجدتني أقارن بين شعورين لا يتشابهان.
أين اللهفة؟ أين الرغبة فى لقائها من جديد، فى أقرب وقت؟ لماذا لم أستعيد كل كلمة قالتها عند عودتى للبيت، ولماذا لم أبنى فى خيالي حياة كاملة تأثرا بذلك اللقاء القصير؟
أعجبت بها بلا شك، هذا واضح. أردت أن أعرفها أكثر، أحببت طريقة كلامها. ووجدتني أفكر فى الصور والحكايات التي يلتفت إليها أحد.
ومع ذلك لم أكن مضطربا.
في البيت، مررت بالمطبخ. كانت أمي تعد الشاي.
سألتني من غير أن تلتفت:
— ها، عملتوا ايه؟
خرجت من المطبخ، وجلست قبالتي إلى مائدة الطعام.
— كويس، اتكلمنا كتير.
— عجبتك؟
— آه
وضعت كوب الشاي أمامي ونظرت إلي.
— أمال مالك؟
لم أكن أعرف إن كان قد ظهر عليَّ شيء، لكنني ضحكت وقلت:
— مفيش، عادي يعني.
قالت وهي تعود إلى المطبخ:
— طيب، ربنا يقدم اللي فيه الخير.
كان بوسعي أن أكتفي بذلك لكنني سألتها بعد قليل:
— حد تواصل معك من أهلها؟
— عرفت إنها ارتاحت فى الكلام معاك، بس محتاجة كام يوم تفكر.
هززت رأسي.
— حقها طبعا.
قلتها دون تظاهر، فمن حقها أن تفكر، ومن حقي أن أيضا. وما بيننا لم يكن قد تجاوز بذرته الأولى، ولم تتضح ملامحه بعد.
شغلني الأمر وظللت أدور فى فلكه:
أتراني غدوت أكثر نضجا مما كنت؟ أم أنني تعلمت أن احتفظ بركن فى أعماق نفسي لا أسمح لأحد ببلوغه مهما اقترب مني؟
تذكرت كيف كنت في علاقتي القديمة متلهفا للإجابات. وكيف كنت أريد أن أعرف نهاية الطريق من أول خطوة، كأن معرفة النهاية تخفف من آلامها إن كانت سيئة. أما الآن، فقد جلست مع فتاة أعجبتني، وعدت إلى عملي وحياتي ولم يتوقف شيء.
طمأنني ذلك حقا. لكنه اطمئنان يشوبه خوف خفي.
فى اليوم الثاني، بينما كنت في وقت الغذاء فى العمل، وجدتني أفتح الهاتف، أبحث عن رسالة لم ترسلها. أغلقته، ثم فتحته بعد قليل، كأنني أنتظر شيئا ما.
سخرت من نفسي.
لم أكن أنتظر منها وعدا. كنت أريد أن أعرف ثمرة اللقاء، إن كان قد أثر فى نفسها كما أثر في نفسي. سؤال بدا لي أنه بلا إجابة بعض الوقت، لكنه لم يفسد علي يومي.
وحينما مر باص العمل بمنزل قديم، تجلس في شرفته سيدة عجوز، تذكرت كلامها عن التصوير. تخيلتها وهي تقترب من المنزل وترفع هاتفها نحو الشرفة ثم ترجع إلى الخلف خطوة لتلتقط الصورة من زاوية أفضل. لا أعرف لماذا استطعت تخيل المشهد بهذه السهولة.
ربما أنني أحببت فيها تلك الرغبة الصغيرة في رؤية ما لا يراه الآخرون.
وربما لأنني كنت أود أن أرى ما وراء تلك الكلمات، أن أعرف كيف تبدو حين تكون بمفردها، وكيف تتصرف حين تتعامل مع الآخرين.
أدركت أنني لا أعرفها بعد.
كانت جلسة خاطفة، على قصرها منحتني شيئا من الراحة، لكنها انقضت قبل أن أرتوي من الحديث معها.
وحين جلسنا لتناول العشاء، سألت أمي إن كانت قد تحدثت إليها. قالت لم تفعل، وأنها ستترك لها الوقت الذي طلبته. لم أسألها ثانية.
بعدها خلوت إلى نفسي فى غرفتي، فتحت الهاتف على محادثة قديمة مع من كنت أحبها يوما، قرأت بعض الكلمات التي كنت أظنها عصية على النسيان، ثم أغلقت الهاتف، كأنني أطبق بابا علي حياة لم أعد أنتمي إليها.
لم ينتابني غضب، ولم يغالبني الحنين الذي كنت أخشاه. شعرت فقط بأنني انسلخت عن جلد قديم بال، لم يعد يتسع لما صرت عليه.
أدركت أنني لم أعد أريد أن أقيس ما أشعر به بمقاييس الأمس، ولا أن أعد هدوئي عجزا عن الحب.
مرت أيام قليلة، ولم يصلني رد بعد.
واصلت عملي، والتقيت بأصدقائي في يوم العطلة، تبادلنا الحديث في أمور شتى ليس من بينها الحب. وحينما كانت تخطر على بالي، لم أكن أحاول تفسير مشاعري، كنت أتركها تمضي على مهل دون أن أفتش في نفسي عن تفسير، أو أتساءل إن كانت مشاعري نحوها تكفي أم لا.
كنت أرغب في رؤيتها مرة أخرى. هذا كل ما في الأمر.
وحينما نلتقي، سأعرف عنها أكثر. وإذا لم نتوافق سيخالط نفسي حزن لشيء بدأته برغبة صادقة، لكن حزني لن يبلغ مبلغ خوفي مما قد تؤول إليه هذه التجربة
لم أطلب من أمي أن تستعجلها. أكتفيت بيقين واحد: لو عاد بي الزمن إلى تلك المقابلة، لما نظرت للساعة بهذه السرعة، ولما غادرت المكان.
كنت أتمنى لو بسط لنا القدر فسحةً كافية من الزمن؛ لا لأعرف إن كنت أهواها، ولا لأتأكد أنها تبادلني الحب، بل لأستمتع بحديثها العذب، وأصغي إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي تمرّ بين كلماتها ولا ينتبه إليها أحد.
دقائق قليلة فقط…
كان قلبي قديما يريد العمر كله قبل أن يعرف إن كان قادرا على احتمال يوم واحدا. أما الآن فصرت أقتنع بدقائق، وأترك للأيام أن تكشف لي ما لا تستطيع البدايات أن تظهره.
ولا أدري إن كان هذا نضجا، أم خوفا صار أكثر تهذيبا.
تمت