القهوة التي لم تشربها
يلتصق الحديد حول معصمها منذ الصباح حتى اعتادت عليه.
تجلس على طرف المقعد الخشبى وبجانبها عسكرى والكلبشة تشد يديهما معا. يدها الأخرى مطبقة فى حجرها، كأنها تحرس شيئا. المقعد فى بداية طرقة طويلة تفوح منها رائحة الفينيك والقهوة والعرق، تغدو وتجيء فيها الأحذية: أحذية العساكر والمتهمين والموظفين السريعة.
أظافرها نظيفة. تحرص على تنظيفها كل صباح بطرف دبوس الشعر، حتى هنا فى هذا الموقف العصيب.
ثوبها الضيق عند الصدر والفخذين. ينبئ كل من يمر بها بتهمتها دون أن يكلف نفسه عناء السؤال.
معدتها صامتة من الأمس، وهذا ما يخيفها. تعوى فى اليوم الأول، وفى الثانى تؤلم أما فى الثالث فتسكت ويختل المكان أمام عينيها كلما رفعت رأسها.
على بعد خطوات، يقف رجل مرتديا بدلة وحذاؤه لامع، يحمل ملفات… تقرأ نظرات الرجال وما بعدها، هذه ليست واحدة منها. إنها نظرة رجل يبحث عن تهمة فلا يجد سوى فتاة.
يقترب خطوتين، ثم يتوقف على مقربة منها حذرا.
– إنت جاية في إيه يا بت؟
تنظر إليه برهة ثم إلى الحائط خلفه. فى عينيها نظرة قرف قديم أصبح عادة.
يلتفت إلى العسكري، فيقولها بملئ فاه:
– دعارة.
– بنت صغيره وحلوه زيك تشتغل فى حاجة زى دى ليه؟ لسه الدنيا واسعة قدامك.
واسعة… تدور الكلمة فى رأسها. الدنيا واسعة… مشت فيها كلها بحثا عن سقف.
– إنت جاي تقلب عليا الهموم؟ سيبنى فى حالى…أنا هفطس من الجوع. مافيش حاجة دخلت بطنى من تلات أيام.
صوتها لا مرتفع ولا منكسر. تقولها كما لو أنها تملى بيانا.
ينادى الرجل على عم ابراهيم من البوفيه. يعطيه ورقة نقدية، ويهمس له بكلمتين. يمضي الساعي، ثم يعود حاملا لفافة من ورق الجرائد بها رغيفين محشوين فول وطعمية.
تفتح اللفافة بيدها الحرة. ترمق الباب الحديدي في آخر الطرقة. ثم تنحني على الطعام.
تأكل بنهم لا يتوافق مع مظهرها. تشعر بنظره على فمها، نظرة مختلفة عن الآخرين: هذه لا ترغب فى شئ. ليس بعد.
– معاكي محامي؟
– لأ. معييش فلوس اجيب حد.
– طب اسمعي… أنا هاعمل معاك اتفاق: أجيبلك براءة، بس تبطلي القرف إلى انتى فيه دا. ممكن يجيلك مرض.
تتوقف عند الكلمة. اتفاق. الاتفاقات التي تعرفها لا تحتاج إلى ورق. إنه إحتياج لأحدهما ويعرف الآخر كيف يجعله يدفع ثمنه.
يصمت.
تراقب وجهه. لا تستعجله. تعرف أن بعض الرجال يحتاجون إلى لحظة لكى يقرروا أي وجه سيظهرونه.
يقول إنه سيكلم أحد معارفه ليجد لها عملا، ثم يمضى إلى آخر الطرقة.
تبقى مع العسكري. تحرك زراعها قليلا، فتشعر بأن نصف الرغيف ما يزال في كمها.
❧ ❧ ❧
فى الجلسة، تحاول فهم كلام المحامى، لا يصلها منه إلا النذير.
ينظر القاضي في الأوراق. العسكرى يقف خلفها. وحين ينطق القاضي "براءة" تنتظر أن يتبعها شرط… لا يتبعها شيء.
فى الشارع تأخذ نفسا عميقا، ثم تلتفت خلفها.
الغرفة التى يعطونها لها في الشركة صغيرة، فى الدور الأرضى. فيها سرير فوقه نافذة مفتاح الغرفة يدور من الداخل. فى الليلة الأولى تفتح به الباب، ثم تديره مرة أخرى. ست مرات، سبعا، حتى تتأكد من أن الباب طوع أمرها.
تجفف الأرضيات دون أن تترك أثرا للماء. تعلمت أيضا كيف تمسح الزجاج حتى لا يبدو عليه شائبة. تتقن ذلك بسرعة. فى الشركة لم تسأل عن ماضيها، ولا أحد يعرف إن كانت قد أكلت قبل أن تأتى.
حين تستلم راتبها الأول في آخر الشهر تدس نصفه فى الدرج، وتظل تفتحه أياما لتتأكد أن المال مازال هناك.
تضع الخبز الجاف الذي تجمعه فى جيب مأزرها فوق ثلاجة صغير متهالكة إلى جوار قطعة صابون لم تفتح.
وهى تمسح زجاج الباب الخارجي، في أحد الأيام، ترى الرجل يعبر الرصيف المقابل. لا ترى وجهه، أولا استرعى انتباهها الحذاء اللامع.
– يا أستاذ!
ينتبه ويلتفت إليها. يتغير وجهه حين يتعرف عليها.
فى لحظة خاطفة، تعبر الشارع، وتمد يدها. يصافحها، ثم يسرع فى سحب يده.
– إزيك يا أستاذ؟ ايه أخبارك؟
– الحمد لله… إنت ما شاء الله، غير الأول خالص.
يتأمل ثيابها ووجهها، كمن يعاين شيئا أنجزه.
– ما تتفضل تشرب قهوة؟
– لأ مش عايز أعطلك.
– دول خمس دقائق.
تدرك نبرة الإلحاح في رأسها، ولا تتوقف لتتسائل من أين جاءها هذا الإلحاح.
تجلسه على الكنبة الجلدية، فى المطبخ الصغير تختار أفضل فنجان، وتغسله على نظافته. تضع السكر بجانب الفنجاز على الصينية، ثم تعيده، ثم تخرجه مرة أخرى. ما إن تسمع صوت الأريكة من تحته حتى تُسرع.
تضع القهوة أمامه.
– تسلمي. وإنت؟ معملتيش قهوة لك ليه؟
تعود إلى المطبخ. تعد فنجانا ثانيا. عادت واختارت طرف المقعد، وتمسك الفنجان دون أن ترتشف منه.
يسألها عما إذا كان الشغل قد راق لها.
– الحمد لله.
يسألها عن السكن.
– كويس جدا.
يسألها عن جودة الطعام.
– كويس جدا والله.
يخاطبها "يابنتى" كلما احتاج إلى اسم. وفى كل مرة تجيبه فيها "نعم" يلين وجهه قليلا. تلاحظ ذلك، فتجيبه مرة أخرى.
لا تطلب منه شيء، لا تسأله عن شيء.
ينظر إلى ساعته وينهض.
– لازم أمشى. بصي يا بنتي، لو احتجتي أي شيء…
يعدل الساعة على معصمه، ثم يكمل:
– أنا ساكن خلف السوبر ماركت، العمارة الصفراء بجانب الجامع الكبير الدور الثالث. اسألي اي حد عن الأستاذ.
– تسلم، كتر خيرك.
تصحبه إلى الباب، وتقف حتى يتوارى عن ناظريها.
ترجع إلى الإستقبال. فنجانه فارغ، وفنجانها ممتلئ وبارد.
تسكب ما فيه فى حوض المطبخ، وتغسل الأثنين وتجففهما وتعيدهما إلى الرف مقلوبين، كما كانا من قبل.
فى رأسها العنوان كان قد حفر كاملا: خلف السوبر ماركت، العمارة الصفراء بجانب الجامع الكبير الدور الثالث.
تحفظه كما تحفظ شيئا عزيزا عليها.
❧ ❧ ❧
يوم الجمعة "الجرد الإسبوعي" تفتح الدرج وتعد ما فيه، ثم تفصل منه ورقتين.
ترتدي أنظف ما لديها وتطول وقفتها أمام المرآة. تفحص ياقتها، وتنظف أظافرها بالفرشاة الصغيرة، وتنظف بقعة متوارية عن الأنظار.
فى الطريق، تشتري علبة صغيرة من الحلويات مزينة بشريط أنيق. تمسكها بحرص من الطرفين.
وصلت إلى العمارة الصفراء كما وصفها… على السلم رائحة بصل محمر، صوت تلفزيون يتسرب من أحد الطوابق، و ضحكة طفلة تلهو فوق الدرجات.
فى الدور الثالث ثلاثة أبواب. أمام أحدها حذاءان صغيران ورديان، أحدهما مقلوب.
تتوقف عند هذا الباب ثم تضغط الجرس.
لا تجهز حديثها، اعتادت أن تأتيها الكلمات حين ترى الوجه.
يفتح الباب على سيدة فى منتصف الثلاثينات، شعرها كستنائى مربوط إلى الخلف على عجل، ترتدي مريلة مطبخ بلاستيكية ذات ورد مزركش.
وبصوت ناعم رخيم قالت:
– أيوه؟ مين حضرتك؟
تطل طفلة باسمة ملقية نظرة على العلبة ذات الشريط من عينين واسعتين. ويأتي صوت من الداخل:
– مين يا نسمة؟
تعرف الصوت قبل أن ترى صاحبه.
تقترب الخطوات ومن خلف كتف زوجته يظهر المحامى، مرتديا فانلة وبنطلون رياضي، وفوطة على كتفه. يتجمد فى منتصف الخطوة. ينسحب الدم من وجهه، ثم يعود دفعة واحدة. يكاد أن ينطق فلا يأتى ببنت شفه. تتشبث يده بحافة الباب فوق رأس نسمة.
– حضرتك عاوزه الأستاذ؟
تسأل نسمة بفضول مهذب، وتنتظر. ثانيتان، ثلاث…
ينظر الرجل إلى الأرض، إلى الباب إلى أى شيء إلا هي. فمه لا يطاوعه.
هذا الصمت تعرفه، وتعرف ما يجب عليها فعله فيه.
أطلقت ابتسامة خجلي لمن يقف بينها وبين الباب.
– لأ، معلش أنا غلطانة في العنوان.
ترتخي كتفاه قليلا، وينفرج من صدره نفسا كان محبوسا.
– ولا يهمك يا حبيبتي.
تغلق نسمة الباب برفق.
تهبط الدرج ببطء. فى الطابق الثاني، تضع العلبة من يدها فى حقيبتها. وعند الأول، تتوقف لتربط حزام الحقيبة.
تقف فى مواجهة الشمس فى وسط الشارع، تنظر يمنة ويسرة قبل أن تمضي.
حينما تصل الغرفة، تضع العلبة دون أن تفتحها بين الخبز اليابس وقطعة الصابون.
❧ ❧ ❧
فى السابعة صباحا، تغسل يديها، وتنظف أظافرها بعد تشذيبها، وتتفحص ملابسها أمام المرآة.
تجفف الأرضيات بعناية حتى لا يبقى أثر لماء. وتمسح الزجاج كما اعتادت. تمر بالمطبخ، دون أن تنظر إلى الرف.
وعندما تحين الإستراحة، تجلس إلى المنضدة التي ترى منها الباب، وتضع الطبق إلى جانب يدها اليمني.
تضحك زميلتها:
– يابنتى هو فى حد هيخطف منك الأكل؟
تبتسم ولا ترد.
تدس قطعة خبز فى جيب مئزرها، رغم وفرة الطعام. ثم ترفع الملعقة. تأكل وعيناها على الباب.
تمت