شاي على الشرفة
مسرحية قصيرة من ثلاث مشاهد
مسرحية قصيرة تستعيد ذكرى انتصار أكتوبر من زاوية إنسانية، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في حوار بين جدّ وحفيد.
الشخصيات:
الجد، جندى فى أواخر الثلاثينات استشهد فى حرب أكتوبر ١٩٧٣.
الحفيد، شاب فى الثامن عشر من عمره.
المكان:
شرفة بيت قديم، ليلة السادس من أكتوبر ١٩٧٣. الإضاءة خافتة. راديو خشبي قديم ينبعث منه صوت هامس لأغنية بعيدة. صورة جندى معلقة على الحائط. إبريق شاي نحاسي وكوبان من الزجاج على طاولة صغيرة.
المشهد الأول: ضباب يونيو
(يجلس الحفيد فى الشرفة، محدقا فى الصورة المعلقة على الحائط. يغمر المكان الهمس بعد أن غير محطة الراديو. يشعر أن شخصا ما خلفه فلا يلتفت فورا. فى آخر الشرفة يقف الجد. يرتدي بزته العسكرية القديمة. يبدو كأنه عاد من سفر طويل.
الحفيد: كنت أظن أن هذه الليلة ستمر كغيرها.. مجرد ذكرى أخرى، نسمع فيها نفس الأغانى و نقول نفس الكلام.
الجد: (يبتسم متجها نحو الطاولة) وهل تشابهت الليالي فوق هذا النهر السارى وعلى هذا التراب الساكن؟
(ينظر الجد إلى الإبريق)
صب لي كوبا من الشاى..
الحفيد: شاى؟
الجد: ألم تسمعني؟
(يتردد الحفيد لحظة، ثم يسكب الشاي. الصوت يملأ الفراغ في الشرفة، البخار يتصاعد من الكوبين)
الجد: لم أسمع صوت انسكاب الشاى فى مثل هذا الهدوء منذ زمن.
(يجلس)
الحفيد: (يرمق جده فى تهيب)
يا جدي، يدور فى خلدى سؤالا ثقيلا.
الجد: إسأل.
الحفيد: كيف كان يونيو بالنسبة لكم؟
(صمت)
الحفيد: هل… طاب لكم النوم بعده؟
الجد: (فى غيمة من الصمت، يتحسس حافة الطاولة كأنما عاد إليه ملمس الرمل)
لم يكسرنا الجبن.
(يصمت قليلا)
كسرنا ابتعاد الأرض عن أقدامنا، واستيلاء الصمت على حديثنا. لم يكن الموت هو الأقسى. القسوة الحقيقية كانت السير على رمل لا يشبه رمل الأمس. كانت نظرة الخجل التى تستولي عليك وأنت عائد إلى أمك أو زوجتك أو جارك.
الحفيد: (بنبرة خافضة) وأنت...
(يتردد)
هل بكيت؟
الجد: فى جوف الليل اغرورقت عيناي بدمع أبى ستره الظلام. وفى الصباح…
(يرفع عينيه)
غسل وجهي ندى الفجر البارد، ووقفت فى الصف من جديد.
الحفيد: بهذه السهولة؟
(الجد يبتسم)
لو كانت سهلة لما بقيت محفورة فى الذاكرة حتى اليوم.
المشهد الثانى : العرق الخفي
(الإضاءة أكثر دفئا، يتلاشى صوت الراديو. يمسك الجد كوب الشاي. يرتشف رشفة صغيرة ثم يضعه فى بطء على الطاولة)
الحفيد: كيف تجاوزتم ليل يونيو؟
الجد: بأن جعلنا النهار طويلا.
الحفيد: ماذا تقصد؟
الجد: غسلنا غبار ليل يونيو بالتعب.
(يضع الكوب)
وإعادة التدريب مئة مرة حتى أذاب العرق خوف الجسد.
الحفيد: هذا أمر ثقيل؟
الجد: ثقيل… هل تسلقت يوما ساترا من الرمل؟
الحفيد: لا
الجد: جرب أن تصعد مئة مرة جدار لا يشبه غيره. يتفتت كلما أمسكته. كلما حاولت تسلقه المرة بعد المئة يتهاوى تحت قدمك .
(ينهض. يتجه إلى طرف الشرفة، كأنه يرى أمامه ساترا رمليا.)
الجد: كنا نعيد الحركة حتى تحفظها أجسادنا.
الحفيد: وفي تلك السنوات… ماذا كنتم تفعلون غير التدريب؟
الجد: كنا ننتظر.
الحفيد: تنتظرون ماذا؟
الجد: أن نحارب.
(يصمت قليلا)
الجد: فى البداية كانت المدافع تشعل ليلنا من الضفة الأخرى. ونحن نجيبها بما نستطيع. كان الماء بيننا وبينهم. وكان التراب أمامنا. كنا نريد أن نثبت لأنفسنا أننا مازلنا هنا.
الحفيد: وماذا كنتم تفعلون في الليل؟
الجد: اعتدنا دوريات الظلام. نزحف إلى الخطر على بطوننا. يسيل العرق على جباهنا فيحرق أعيننا. نحصى أنفاسنا، وخطوات من أمامنا ونكتم شكوانا حتى تكوى جوانحنا. تحملنا أقدامنا فى وهن. ويحمل بعضنا البعض فى صبر.
(يصمت، ثم يبتسم)
تقطع الصمت أحياناً نغمة من فم الجندى سيد.
الحفيد: يغنى فى الحرب؟
الجد: بصوت منخفض. يعزف بفمه موالاً حزينا. فنطلب منه الصمت. ثم نسكت لنسمعه.
(تتسع ابتسامته)
ذات ليلة قال أحدنا: "ألا تخشى أن يسمعك العدو؟"
فيقول: وهل يعرف العدو أن هذا موال بلدنا؟
(تخبو ابتسامته)
الجد: بعدها لم نسمع صوته مرة أخرى.
الحفيد: مات ؟
( صمت.)
الجد: رحل…ولم يرجع.
(صمت طويل)
(يضع الحفيد كوبه المملوء جانبا على الطاولة دون أن يشرب)
الحفيد: ألم تتعبوا؟
الجد: تعبنا. لكن شيئا تغير فينا. تعلمت ما لم أتدرب عليه فى أى ميدان. أن الحزن الذي أثقل كاهلنا وأنقض ظهرنا لا يثقل الخطو ولا يقيد القدم. كنا نحمل أسماء من سقط منا . نتدرب لنحمي أنفسنا ومن سكن فى وجداننا. من ربونا وتربينا معهم.
الحفيد: أنا لا أفهم.
الجد: تفهم حين تفقد شيئا تحبه.
(يصمت)
الحفيد: كنت أعتقد أن الشجاعة لحظة. تكبيرة ثم هجوم.
الجد: لا يا بني. هى أن يضئ لك الفجر يومك فتنهض. وتعرف أن النصر يختبئ بين الكثبان. يتوارى فلا تدركه. ومع ذلك تنهض.
( يعود إلى مقعده)
أتعرف ما هو أصعب يوم. ليس يوم القتال بل اليوم الذي ننتظر فيه القتال. ويتسلل إليك السؤال الأزلى: ماذا لو لم تعبر أبدا؟
الحفيد: وماذا كنت تجيب نفسك؟
(يبتسم)
الجد: كنت أسمع صوت جدتك.
الحفيد: جدتى؟
الجد: كانت تقول لى: "الدنيا بخير… وأنتظر عودتك."
(يصمت)
كنت أرددها فى سري خصوصا الجملة الأخيرة "وأنتظر عودتك" أقولها فيتردد صداها فى صدرى كأنها صلاة أو تسبيحة.
(تتبدل الإضاءة رويدا: تبدو الشرفة للحظة كأنها خيمة، يزحف الرمل إلى أرضيتها. نسمع صوت ريح خفيف)
الجد: وفى الشتاء تعلمنا أن نبنى بأيدينا. نحفر، ونثبت على الرمل قواعد لكل شئ. كل ساتر وكل ممر كل خندق وكل دشمة كنا نشيدها كانت كما كان يقول قائدنا " لا اريد بطولة، أريد دقة. البطولة ليست نجم لامع فى الأفق نرنو إليه، إنها حساب خطواتك على الرمال" .
الحفيد: (يهمس لنفسه) وأنا من كان يبحث عن ملحمة.
الجد: الملاحم تعاش أولاً. لا ندركها فى حينها بل نصنعها فيكتبها من يجنى ثمارها. كنا ندرك فقط أن علينا أن نحفر خندقا آخر قبل أن يسدل الظلام ستره.
(يصمت ينظر إلى كفيه فى تأمل)
الجد: لم يكن يشتك أحد حينما كانت أكفنا تتشقق. كان أحد الجنود يكتب على الجدار " لا تزال أرضنا" لا أعلم إن كان يصدق هذا. لكني تيقنت أن ما يخطه هو شكل من أشكال الصمود.
الحفيد: وصدقتها أنت؟
الجد: بعد زمن طويل.
الحفيد: كم بقيتم هكذا؟
الجد: لم نكن نحسب الأيام. كنا نحسب ما علينا أن ننجزه قبل حلول الظلام. بعد ذلك عرفنا أنها ست سنوات. عبرنا فيها رمال الخوف والانتظار. حتى جاء اليوم الذي لم يعد فيه الانتظار ذو معنى.
(ينظر الجد إلى كوبه فيجده فارغا.)
الحفيد: (يصب له الشاي.) ست سنوات وتقولها كأنها أسبوع.
الجد: هل جربت أن تحمل حجرا ثقيلا؟ فى اليوم الأول يؤلمك. في الأسبوع الأول تتذمر. بعد شهر تعتاد ثقله وبعد سنة…
(يرفع الكوب)
يصير جزءا من يدك.
(يصل إليهم همس الراديو، صوت مذيع لا تتبين كلماته. وكأنما سمع الجد اسمه، التفت نحوه)
الجد: ألم تقترب الساعة؟
الحفيد: (بتردد) أى ساعة؟
(يبتسم الجد)
الجد: التى كنا ننتظرها.
(يصمت)
تلك الأيام لم تكن إلا تمهيدا للحظات معدودة. وحين تأتى اللحظة الموعودة التى عشت من أجلها طويلا… لا تشعر أنها غريبة. كأنك رأيتها من قبل…عرفتها وعشتها وتدربت عليها قبل ذلك مرارا.
(الإضاءة تميل إلى الأزرق)
المشهد الثالث: العبور والوصية
(الإضاءة زرقاء خافتة، كأنها انعكاس مياة القناة قبل الفجر. ينهض الجد ويستند إلى سور الشرفة. يأخذ نفسا عميقا.)
الجد: أتعرف.. أول ما أدركته لحظة العبور؟
الحفيد: ماذا؟
الجد: الرائحة.
الحفيد: الرائحة؟
الجد: أجل. رائحة الماء حين يلتقى بتراب الأرض العطشى. رائحة الماء حين يمتزج بعرق الرجال.
(يصمت)
لم أكن أسمع صوت المدافع ولا القنابل ولا الهتاف، كنت أسمع أنفاسنا كأنها امتزجت معا و خرجت من صدر واحد.
(ينظر إلى الحفيد)
الحفيد: (بصوت خافت) وهل كنت تعرف أنك قد لا تعود...
الجد: (يقاطعه برفق) لا تكمل.
(صمت)
كنت على يقين أنني قد أموت. لكننى لم أذهب إلى هناك لأموت.
الحفيد: إذن لماذا؟
الجد: لأننى كنت أحب الحياة.
(يقترب منه)
كنت مقبلا على الحياة أحبها، أعيش فيها مع كوب من الشاى، أضحك لنكتة، ويطربني موال، ويسعدنى وجه جدتك وهي تضحك فى صحن الدار.
(يصمت)
اخترت أن ألبي نداء الواجب لأننى أحببتهم وأحببت الحياة، لا لأنى زهدت فيها.
(الجد يقترب ويضع يده مربتاً على كتف الحفيد. تهتز إضاءة الشرفة قليلا وبدفء)
الجد: لا تجعلني فى ذاكرتك مجرد صورة معلقة على الحائط.
الحفيد: وما ذاك أفعل غير ذلك؟
الجد: تذكرنى وأنا أشرب الشاي.
( يبتسم)
وتذكر أن الذين ذهبوا للحرب كانوا أناسا مثلى ومثلك. يخافون، يشتاقون، ويتعبون. لكنهم كانوا يعرفون أن ثمة لحظة يجب أن يقوم المرء فيها بما يجب عليه فعله.
( الحفيد يصمت طويلا)
الحفيد: وأنا يا جدى؟
الجد: ماذا بك؟
الحفيد: أنا لم أحارب. لم أعبر، ليس لدى عدو أواجهه.
(ينظر إلى الأرض)
ومع هذا أشعر بطعم الهزيمة.
الجد: في ماذا؟
الحفيد: فى أشياء كثيرة. الدراسة… المستقبل… نفسي.
(يصمت)
لا أكمل شيئا للنهاية … كلما فشلت، أشعر أن النجاح بعيدا. كنت أظن أن أكتوبر يحدث للآخرين. لمن يتحلون بالشجاعة.
(ينظر إلى جده)
أما أنا…
الجد: ومن قال أن أكتوبر يحدث للآخرين؟
(يقترب منه)
اسمعنى… قد يصيبك يونيو فى عملك، فى حلمك، فى حبك، فى نفسك. وقد تفيق. لكن لا تنتظر أن يأتيك أكتوبر من السماء.
الحفيد: وماذا أصنع؟
الجد: خذه بقوة… ابنه. كما أخذناه وبنيناه نحن. يوما بعد يوم. خطوة تلو أخرى.
(صمت)
لا تنشد البطولة… فقط ابحث عن الخطوة التي عليك أن تخطوها.
الحفيد: وإن حاصرنى التعب يا جدى؟
(ينظر إلى الجد طويلا)
إذا تعبت… أنت على الطريق الصحيح.
( يرتشف الجد رشفة أخيرة من الشاي باستمتاع) يضع الكوب على الطاولة. ثم يتجه ببطء نحو حافة الشرفة.
الحفيد: جدي…
(يتوقف الجد دون أن يلتفت)
الحفيد: هل أنت هنا فعلا؟
(يصمت الجد لحظة)
الجد: (دون أن يلتفت) ألم أقل لك إن جدتك فى انتظارى؟
(يبتسم. ثم يختفي تدريجيا فى الظلام.)
يلتفت الحفيد فلا يجد أحد. ينظر إلى الكوب الثانى. البخار لا يزال يتصاعد. يمد يده إلى صورة جده. يعدل إطارها المائل ثم يجلس. يتأمل الكوب قليلا. يدير مفتاح الراديو. يعلو الصوت على أغنية "وأنا على الربابة بغنى "الحفيد لا يتحرك. الضوء مسلط على الكوبين ثم يخفت بالتدريج)
ستار
خاتمة
حكاية عن الخوف والصبر والعبور، وعن النصر الذي لا ينتهي بانتهاء المعركة، بل يمتد أثره إلى الأجيال التالية.
جمال عسكر
كاتب وأديب مصرى