شهوة
قصة قصيرة نفسية: قصة نفسية اجتماعية ذات بعد وجودي.
أدب اجتماعي، أدب واقعي، دراما إنسانية، أدب وجودي
***
لم أعرف في حياتي كيف يمكن للإنسان أن يقف عاجزًا إلى هذا الحد.
كانت عائشة ممددة على أرض الغرفة، ووجهها الذي اعتدت أن أراه متحركًا بالضحك والكلام ساكنًا على نحو غريب. بدت أصغر سنًا مما هي عليه، كأن السنوات التي عرفتها بها انزاحت فجأة وتركت ملامح لم أنتبه إليها من قبل.
ركعت إلى جوارها وناديتها.
مرة.
ثم مرة أخرى.
لم تجب.
كانت ساعة الحائط تواصل دقاتها المنتظمة فوق رأسي. الصوت نفسه الذي ملأ هذا البيت سنوات طويلة، لكنه بدا في تلك اللحظة منفصلًا عن كل ما حوله، كأنه ينتمي إلى مساء آخر في بيت آخر.
مددت يدي إلى كتفها وهززتها برفق.
ظل رأسها مائلًا كما هو.
انتظرت.
أن تفتح عينيها.
أن ترفع رأسها.
أن تقول أي شيء.
حتى أن تعترض على الطريقة التي أمسكتها بها.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة وجدت نفسي أمام لحظة لا أعرف ما الذي ينبغي أن يأتي بعدها.
نهضت مترددًا ونظرت نحو الهاتف.
كانت المسافة بيني وبينه قصيرة، ومع ذلك وقفت في مكاني كأنني نسيت سبب وجوده أصلًا.
على المنضدة الصغيرة كان كوبان من الشاي.
أمام مقعدي.
وأمام مقعدها.
وخيط رفيع من البخار ما زال يرتفع من أحدهما، كانا آخر شيء في الغرفة ما يزال يؤدي وظيفته المعتادة.
الساعة تدق.
المطر يطرق الزجاج.
والبخار يرتفع ببطء.
أما عائشة فلم تكن تفعل شيئًا.
في تلك اللحظة أدركت أن ما حدث لم يبدأ بسقوطها.
لقد بدأ قبل ذلك بدقائق.
في صمت المطر خلف النافذة.
في حديث انقطع فجأة.
في المسافة القصيرة بين مقعدين متقابلين.
وفي شيء آخر لم أملك الشجاعة الكافية لكي أسميه.
سمعت حركة في الشقة المجاورة.
بابًا يُفتح.
وآخر يُغلق.
وقع خطوات على السلم.
العالم في الخارج كان يواصل مساءه كالمعتاد.
أما هنا فقد بدا كل شيء متوقفًا عند نقطة لا أستطيع تجاوزها.
وقفت أنظر إليها.
ثم إلى الكوبين.
وبقيت كذلك وقتًا لا أعرف مقداره.
❧ ❧ ❧
بعد ذلك قال الطبيب إنها يمكن أن تكون أزمة قلبية حادة.
وعرفت فيما بعد من التقرير أن الوفاة طبيعية.
وقال الجيران أشياء كثيرة.
أما أنا فلم أقل شيئًا.
ليس لأنني كنت أخفي سرًا لا يعرفه أحد.
بل لأنني كلما حاولت أن أروي ما جرى، وجدت نفسي أبدأ من المكان الخطأ.
فحين أعود الآن إلى تلك الليلة، لا أتذكر سقوط عائشة أولًا.
أتذكر ما سبقه.
الدقائق القليلة التي بدت عادية تمامًا وهي تمضي.
ثم أتذكر نفسي.
أو الرجل الذي ظننته، طوال سنوات طويلة، أعرفه معرفة لا تحتمل الخطأ.
❧ ❧ ❧
كان المنبّه يرن في السادسة إلا خمس دقائق، لكنني لم أكن أحتاج إليه.
أستيقظ قبله دائمًا.
أمد يدي إلى الساعة، أوقف رنينها قبل أن يبدأ، ثم أبقى جالسًا على حافة السرير.
دقيقة واحدة.
لا أكثر.
لم أفكر يومًا في سبب هذه العادة. ربما لأن بعض الأشياء حين تتكرر طويلًا تفقد حاجتها إلى التفسير.
بعد الدقيقة أنهض.
أفتح النافذة.
أرتب الفراش.
أغسل وجهي.
أصنع الشاي.
وفي السادسة والربع أكون جالسًا إلى المائدة الصغيرة في المطبخ ممسكًا بالكوب نفسه الذي أستعمله منذ سنوات.
لم تكن حياتي جميلة.
لكنها كانت مرتبة.
وكنت أرى أن الترتيب يكفي.
في السابعة إلا عشر دقائق أغادر البيت. أُغلق الباب. أضع المفتاح في الجيب الأيمن للمعطف. أنزل السلم. أعبر الشارع. أصل إلى موقف الحافلات.
حتى الطريق إلى العمل لم أكن أغيّره.
ليس لأن الطريق الآخر أطول.
بل لأن هذا الطريق يعرفني.
بعد سبع سنوات من السير فيه صار بإمكاني أن أقطع نصفه دون أن أنتبه إلى الوجوه التي تمر إلى جواري.
الوجوه تتغير.
المحال تتغير.
الإعلانات تتغير.
أما أنا فكنت أواصل المشي.
كأنني جزء من شيء لا يتغير.
❧ ❧ ❧
في المكتب كان كل شيء في مكانه أيضًا.
المكتب الخشبي.
المروحة القديمة.
الملفات المكدسة.
حتى زملائي.
عرفت وجوههم أكثر مما عرفت حياتهم.
نتبادل التحية.
نتبادل بعض الشكاوى عن العمل.
ثم يعود كل واحد إلى أوراقه.
لم أكن انطوائيًا كما ظن بعضهم.
ولم أكن اجتماعيًا أيضًا.
كنت فقط أفضّل أن تبقى الأشياء واضحة الحدود.
لم يكن لي صديق ازوره بعد العمل، ولا زميل اتصل به في المساء.
❧ ❧ ❧
بعد انتهاء الدوام أعود إلى البيت.
أفتح الباب.
أخلع الحذاء.
أضع المفاتيح فوق المنضدة الصغيرة إلى جوار الهاتف.
ثم أجلسُ لأستريح قليلًا.
بعدها أبدأ بقية اليوم.
في السنوات الأولى بعد وفاة زوجتي كنت أظن أن الحزن سيأخذ شكلًا مختلفًا.
كنت أتصور أنه سيلقي بالأشياء على الأرض.
أو يدفعني إلى البكاء.
أو يجعلني أكره الدنيا.
لكنه لم يفعل شيئًا من هذا.
كل ما فعله أنه ترك فراغًا صغيرًا في البيت.
ظل الفراغ هناك.
لا يكبر.
ولا يختفي.
فقط ينتظر.
في البدايه كنت أفتح باب غرفة النوم وأتوقف. لحظه، كأنني انتظر ان اسمع صوتها.
بعد ذلك صرت ادخل دون أن أتوقف.
كما يتعود الناس صوت الثلاجة في الليل أو ظل خزانة في زاوية الغرفة.
زوجتي ماتت بعد زواج دام اثني عشر عامًا.
ولم ننجب.
في الأشهر الأولى بعد رحيلها كان الجيران يسألونني إن كنت أفكر في الزواج مرة أخرى.
ثم توقفوا.
ربما لأنهم وجدوا الجواب في وجهي.
وربما لأن السنوات بدأت تمر.
وأصبح السؤال نفسه يبدو غريبًا.
أما أنا فلم أفكر في الأمر جديًا.
على الأقل هذا ما كنت أقوله لنفسي.
❧ ❧ ❧
في المساء أقرأ.
ليس دائما لأن الكتاب يشدني احيانا اظل اقلب الصفحات حتى انظر الى الساعه فأجد الليل قد تأخر.
عندها أنهض إلى المطبخ.
أعد كوب شاي جديدًا.
ارتب اشياء مرتبه اصلا.
أمسح غبارلا أراه.
ثم أعود إلي مقعدي.
احيانا اشغل التلفاز ولا اتابع ما يعرضه.
❧ ❧ ❧
قبل النوم أطفئ المصباح.
وأستلقي على ظهري.
وأحدّق لحظةً في السقف.
بعدها أغمض عيني.
وفي الصباح يبدأ كل شيء من جديد.
بالترتيب نفسه.
وبالهدوء نفسه.
حتى أصبحت الأيام متشابهة إلى درجة أنني لو سألني أحد بعد شهر ماذا فعلت يوم الثلاثاء قبل ثلاثة أسابيع، لما استطعت الإجابة.
فالثلاثاء يشبه الأربعاء.
والأربعاء يشبه الخميس.
وأغلب السنوات تشبه بعضها أيضًا.
❧ ❧ ❧
لذلك انتبهت إلى عائشة متأخرًا.
كانت تسكن الشقة المقابلة منذ أكثر من عام حين بدأت ألاحظ وجودها فعلًا.
ليس لأنها جميلة.
كان هناك نساء جميلات كثيرات مررن في حياتي دون أن يتركن أثرًا.
لكن عائشة كانت مختلفة بطريقة لم أفهمها أول الأمر.
كانت تتحدث مع الناس كما لو أنهم أصدقاء قدامى.
تضحك بسهولة.
وتسأل كثيرًا.
وتتذكر شذرات صغيرة لم أعِ يومًا أنني أفصحت عنها.
في المرة الأولى التي توقفت فيها لتحدثني على السلم، ظننت أن الأمر مصادفة.
وفي الثانية ظننته مجاملة.
وفي الثالثة بدأت أستشعر أنها تفعل ذلك عمدًا.
لم يزعجني الأمر.
لكنه أربكني قليلًا.
كانت تسألني عن العمل.
عمّا أحب أن أفعله في يومي.
عن رأيي في أخبار لا أهتم بها.
ثم تضحك حين تكتشف أنني لا أملك رأيًا أصلًا.
❧ ❧ ❧
ذات مساء أعادت إليّ طبقًا كانت قد استعارته من إحدى الجارات.
لماذا طرقَت بابي بدلًا من باب صاحبة الطبق؟
ربما أخطأت.
وربما لم تخطئ.
وقفت على العتبة تشرح الموقف وهي تبتسم.
وأنا أستمع إليها.
وحين غادرت وأغلقت الباب، نظرت إلى الساعة المعلقة فوق الهاتف.
كانت تشير إلى السادسة وسبع دقائق.
ظللت أحدق فيها لحظة.
ثم جلست لحظةً على الكرسي.
لكنني، للمرة الأولى منذ سنوات، وجدتني أفكر في الوقت الذي قضته عائشة واقفة أمام بابي.
لم يكن أكثر من دقائق قليلة.
ومع ذلك، بدا لي أن المساء صار أطول مما ينبغي.
❧ ❧ ❧
في الأسبوع التالي بدأت أسمع خطوات عائشة على السلم قبل أن أراها.
لم أكن أعرف كيف أميز خطواتها من بين عشرات الخطوات التي تصعد وتهبط كل يوم، لكنني كنت أفعل. ثلاث درجات سريعة، ثم وقفة قصيرة عند المنعطف، ثم بقية السلم بالوتيرة نفسها.
اكتشفت ذلك مصادفة.
أو هكذا أقنعت نفسي.
كنت عائدًا من العمل والمفتاح بين أصابعي. وقفت أمام الباب لحظة أبحث في جيبي الآخر عن ورقة نسيتها، أو ربما لم أنسها. سمعت وقع الخطوات يقترب من الأسفل، فبقيت واقفًا.
ظهرت عائشة عند آخر درجات السلم.
ابتسمت.
قالت:
"مساء الخير يا أستاذ أمين."
أجبتها:
"مساء النور."
ثم دخلت شقتها.
ودخلت أنا شقتي.
أغلقت الباب، وضعت المفتاح فوق المنضدة الصغيرة إلى جوار الهاتف، ووقفت في مكاني.
بعد دقائق أدركت أنني لم أكن أبحث عن ورقة.
كنت أنتظرها.
❧ ❧ ❧
في الأيام التالية بدأت المصادفات تتكاثر.
أو لعلني أنا الذي بدأت ألاحظها.
ألتقيها صباحًا عند باب العمارة.
في المساء وهي تصعد الدرج.
أحيانًا عند البقال في آخر الشارع.
كانت تتحدث بسهولة تجعل الصمت يبدو عيبًا لا ضرورة.
تسأل عن العمل.
عن كتاب في يدي.
عن الطقس.
عن أشياء لا تستحق الحديث عادة، لكنها كانت تمنحها حياة لا أفهم سرها.
أما أنا فكنت أجيب باقتضاب كعادتي.
لكن شيئًا آخر كان يحدث من الداخل.
كنت اعود الى البيت وأتذكر الحديث.
لا الكلمات.
مجرد أنها كانت هناك.
❧ ❧ ❧
في مساء خريفي طرقت بابي.
فتحت.
وجدتها تحمل طبقًا مغطى بمنشفة صغيرة.
قالت:
"صنعت طعامًا أكثر مما أحتاج. قلت لنفسي إن الجار الصالح أولى به."
أخذت الطبق مرتبكًا.
شكرتها.
كان ينبغي أن ينتهي الأمر عند هذا الحد.
لكنه لم ينتهِ.
وقفت هي على العتبة.
ووقفت أنا في الداخل.
وبيننا لحظة قصيرة لم يعرف أي منا كيف يغادرها.
قالت:
"هل صحيح أنك لا تخرج إلا للعمل؟"
ابتسمت لأول مرة منذ بداية الحديث.
ابتسامة خفيفة بالكاد شعرت بها.
"أخرج أحيانًا."
رفعت حاجبيها.
"إلى أين؟"
فكرت قليلًا.
ثم اكتشفت أنني لا أملك جوابًا واضحًا.
فضحكت.
ضحكة قصيرة.
ثم اعتذرت وانصرفت.
أغلقت الباب.
وللمرة الأولى منذ سنوات، بقيت واقفًا خلفه أستمع إلى خطوات شخص يبتعد.
❧ ❧ ❧
بعد ذلك بأيام عاد مدير الإدارة إلى البيت قبل موعد الانصراف بسبب عطل مفاجئ في الكهرباء. خرج الموظفون مبكرين كمن حصلوا على إجازة غير منتظرة.
كنت أسير في الشارع وأفكر في الساعات الإضافية التي ربحتها.
فجأة وجدت نفسي أبطئ خطواتي كلما اقتربت من العمارة.
لا أسرعها.
أبطئها.
وعندما دخلت العمارة وصعدت الدرج ورأيت باب شقة عائشة مغلقًا شعرت بخيبة صغيرة لم أفهمها في البداية.
فتحت باب شقتي، دخلت.
خلعت حذائي.
وضعت المفاتيح مكانها.
ثم جلست دقيقة.
لكن الدقيقة كانت ممتلئة بشيء جديد.
شيء جعل الغرفة تبدو أوسع مما ينبغي.
حينها فقط أدركت أنني لم أكن متعجلًا للعودة إلى البيت.
كنت متعجلًا لشيء آخر.
شيء يقيم خارج بابي مباشرة.
❧ ❧ ❧
عرفت بعد ذلك أن زوجها توفي قبل أربع سنوات.
لم تخبرني بذلك في جلسة اعتراف أو حديث طويل.
قالته مرة كما تُقال حقيقة عادية.
كنا نقف أمام العمارة بعد انقطاع الكهرباء عن الحي كله.
الجيران في الشرفات.
الأطفال في الشارع.
والظلام يهبط ببطء.
قالت:
"كان زوجي يكره انقطاع الكهرباء."
ثم سكتت.
انتظرت أن تضيف شيئًا.
لم تفعل.
بعد لحظة قالت:
"البيت يصبح أكبر مما يحتمل."
هززت رأسي.
ولم أعرف لماذا شعرت أنني أفهمها.
فهمًا كاملًا.
❧ ❧ ❧
بعد أيام أخرى وجدتها جالسة على الدرجة الأخيرة من السلم.
كانت تحمل كوب شاي.
جلست على بعد درجات منها.
نتحدث.
لا أذكر في ماذا.
أشياء صغيرة.
متفرقة.
عن الحي.
وعن الأسعار.
وعن كتاب كانت تحاول قراءته ولم تفهمه.
ثم قالت فجأة:
"أتعرف؟"
"ماذا؟"
"أحيانًا أترك المذياع مفتوحًا وأنا نائمة."
ابتسمت.
"لا أحب البرامج أصلًا."
"ولماذا إذًا؟"
نظرت إلى المدخل المظلم أسفلنا.
وقالت بهدوء:
"أحب أن أسمع صوتًا في البيت."
لم أعرف ما أقول.
لأنني في تلك اللحظة تذكرت عدد المرات التي أبقيت فيها التلفاز مفتوحًا دون أن أتابع ما يعرضه.
وتذكرت عدد الكتب التي قرأتها هربًا من الصمت لا حبًا في القراءة.
❧ ❧ ❧
مع اقتراب الشتاء أصبحت لقاءاتنا أكثر طولًا.
وأقل وضوحًا.
لا موعد لها.
ولا سبب محددًا.
لكنها كانت تحدث.
ذات مساء تعطلت ماسورة المياه في شقتها.
جاءت تسألني إن كنت أعرف سباكًا قريبًا.
قلت إنني لا أعرف.
ثم وجدت نفسي أساعدها في محاولة عبثية لإصلاح العطل.
استغرقت المحاولة كلها أقل من نصف ساعة.
كانت المرة الأولى التي أدخل فيها شقتها.
أو تدخل هي عالمي على هذا النحو.
حين انتهينا قدمت لي كوب شاي.
جلست.
جلست هي أيضًا.
والحديث الذي كان يمكن أن ينتهي بعد دقائق استمر.
مرة عن الجيران.
ومرة عن طفولتنا.
ومرة عن سنوات مرت وانتهت.
كانت الساعة فوق الهاتف.
أراها كلما رفعت رأسي.
مرتين.
ثلاثًا.
أربعًا.
لكنني لم أسأل نفسي كم مضى من الوقت.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، تركت الوقت يمر دون أن أعرفه.
حين انتبهت أخيرًا كان الليل قد تأخر.
نهضت مرتبكًا.
نظرت إلى الساعة.
ثم إليها.
فابتسمت كأنها فهمت شيئًا لم أفهمه أنا بعد.
❧ ❧ ❧
تلك الليلة لم أستطع القراءة.
فتحت الكتاب.
أغلقت الكتاب.
أعددت كوب شاي.
ثم آخر.
وحين حان وقت النوم جلست على حافة السرير.
وقتا بدا أطول من المعتاد.
وكان وجه عائشة يعبرها من حين إلى آخر.
❧ ❧ ❧
بدأت ابتعد عنها.
وكلما ابتعدت، وجدتني ابحث عنها بعيني حين أدخل العماره.
عندها بدأت أسأل نفسي:
هل كنت اعيش كما اريد…
ام كما اعتدت فقط.
❧ ❧ ❧
في مساء ممطر من أوائل الشتاء، طرقت عائشة بابي.
فتحت.
كانت تحمل كتابًا أعرتُه لها منذ أسابيع، وقد علقت قطرات المطر بطرف معطفها الداكن.
رفعت الكتاب قليلًا وقالت:
"جئت قبل أن تتهمني بسرقته."
ابتسمت.
أو ربما حاولت أن أفعل.
ثم تنحيت جانبًا.
دخلت.
وأغلقت الباب خلفها.
وقفت لحظة تنفض المطر عن كمّيها، ثم وضعت الكتاب فوق الطاولة الصغيرة.
كان يمكن أن تضع الكتاب وتنصرف.
وكان يمكن أن أشكرها وينتهي الأمر عند هذا الحد.
لكن أياً منا لم يتحرك.
قلت:
"تحبي تشربي شاي؟"
رفعت رأسها نحوي.
"لو مش هعطلك."
قلت:
"مش هتعطليني."
خرجت الجملة أسرع مما ينبغي.
أسرع من عادتي.
وأسرع مما توقعت.
نظرت إليّ لحظة قصيرة، ثم ابتسمت.
أما أنا فاتجهت إلى المطبخ.
وضعت الغلاية فوق النار.
وبينما كنت أستمع إلى صوت الماء وهو يبدأ بالغليان، وجدتني أرتب الملاعق على الرخامة ثم أعيد ترتيبها من جديد.
❧ ❧ ❧
عدت من المطبخ أحمل صينية صغيرة عليها كوبان من الشاي.
وضعت أحدهما أمام عائشة وجلست في مقعدي.
في الخارج كان المطر يضرب زجاج النافذة بإيقاع متواصل، حتى بدا الشارع كله غارقًا خلف ستارة رمادية باهتة. أما داخل الغرفة فكان كل شيء هادئًا على نحو غريب؛ الضوء الأصفر المنسكب من المصباح، البخار الصاعد من الشاي، والكتاب الذي وضعته عائشة فوق الطاولة بعد أن أعادته إليّ.
كان شعرها ما يزال رطبًا من المطر، ومرّت في الغرفة رائحة خفيفة لم أعرف إن كانت من معطفها أم شعرها.
تحدثنا أولًا عن الكتاب.
ثم عن كاتب نعرفه.
ثم عن فيلم قديم شاهدته قبل سنوات ونسيته هي، أو شاهدته هي ونسيتُه أنا.
موضوعات صغيرة لا تترك أثرًا في العادة.
ومع ذلك لم يكن أحد منا مستعجلًا لإنهائها.
كانت تتكلم أحيانًا ثم تصمت.
فألتقط أنا الخيط وأضيف جملة أو اثنتين.
ثم يعود الصمت من جديد.
والغريب أن الصمت، للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يكن ثقيلًا.
❧ ❧ ❧
قالت وهي تنظر إلى المطر:
"الغريب إن الإنسان ممكن يتعود على أي حاجة."
لم أجب.
فأكملت:
"حتى الوحدة."
حركت الكوب بين يدي دون أن أرفع عيني إليها.
قالت بعد لحظة:
"في الأول الواحد بيخاف منها. بعد كده يكتشف إنه بيعمل لها مكان في حياته."
وسكتت.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"وبعدين تبقى هي صاحبة البيت."
ظللت أنظر إلى الشاي.
لم أكن بحاجة إلى أن تشرح أكثر.
ولا أظنها كانت تريد ذلك أصلًا.
❧ ❧ ❧
رفعت بصري إلى الساعة.
كانت التاسعة والنصف تقريبًا.
عرفت أن الوقت تأخر.
وعرفت أن عليّ أن أقول شيئًا.
أي جملة عادية تنهي السهرة كما تنتهي كل السهرات.
أن أقول إن المطر خف.
أو إن الوقت صار متأخرًا.
أو إن لديّ عملًا في الصباح.
لكن الجملة لم تأت.
عدت إلى كوب الشاي.
واستمر الحديث.
❧ ❧ ❧
بعد قليل رفعت رأسي مرة أخرى.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة إلا ربعًا.
قلت في نفسي إنها يجب أن تذهب.
لكن الفكرة بقيت في رأسي.
ولم تخرج.
❧ ❧ ❧
لا أذكر متى انتهى الكلام.
أذكر فقط أن الغرفة أصبحت أكثر هدوءًا.
وأن صوت المطر صار أبعد.
وأن الساعة فوق الحائط لم تعد تستدعي انتباهي كما كانت تفعل دائمًا.
كانت عائشة جالسة أمامي.
صامتة.
تنظر إليّ.
ثم مدّت يدها.
ووضعتها فوق يدي.
ببساطة كاملة.
كأنها تفعل شيئًا تأخر كثيرًا.
ثبتُّ بصري على أصابعها.
لم أسحب يدي.
ولم أقترب.
تركتها حيث استقرت.
مرت لحظة.
أو أكثر.
لا أعرف.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة لم أكن أقيس الوقت.
ولم أفكر فيه.
شعرت بحرارة يدها.
وتذكرت، دون سبب واضح، أن الكرسي المقابل لي ظل فارغًا سنوات كاملة.
بقيت صامتًا.
وبقيت هي صامتة.
وكان يكفيني في تلك اللحظة ألا تسحب يدها.
رفعت عائشة عينيها نحوي.
وكان في عينيها شيء لم أستطع أن أسميه.
فتحت فمي.
كأنني سأقول شيئًا.
أي شيء.
لكن الكلمات لم تخرج.
وفي اللحظة نفسها وضعت يدها الأخرى على صدرها.
تغير وجهها فجأة.
اختفت الابتسامة.
وشهقت.
مال جسدها إلى الأمام.
ثم سقطت على الأرض.
❧ ❧ ❧
قفزت من مكاني حتى انقلب الكرسي خلفي.
"عائشة!"
لم تجب.
ركعت إلى جوارها.
هززت كتفها.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ظل رأسها مائلًا كما هو.
"عائشة..."
خرج صوتي غريبًا.
كأنه لا يخصني.
أمسكت معصمها.
تركتُه.
ثم عدت إليه.
حاولت أن أتذكر شيئًا.
أي شيء.
رقم الإسعاف.
إجراءً قرأت عنه يومًا.
نصيحة سمعتها في التلفزيون.
لكن رأسي كان فارغًا بصورة لم أعرفها من قبل.
نهضت متجهًا إلى الهاتف.
ثم عدت إليها.
ثم وقفت بين الاثنين عاجزًا.
كأنني لا أعرف أي اتجاه أختار.
وكان المطر ما يزال يضرب النافذة.
وساعة الحائط ما تزال تدق.
بالانتظام نفسه.
❧ ❧ ❧
بعد ذلك جاءت الأصوات.
طرق على الباب.
خطوات مسرعة.
وجوه.
أسئلة.
الطبيب.
الجيران.
والرجل الذي حمل حقيبة سوداء ووضعها إلى جوارها.
لكن كل شيء في ذاكرتي يبدو الآن ضبابيًا.
كأنني كنت واقفًا بعيدًا أراقب ما يحدث لشخص آخر.
❧ ❧ ❧
قال الطبيب إن قلبها توقف قبل أن يصل إليها.
وطلب أحدهم من الجيران أن يوقّع شاهدًا على المحضر.
وسألني رجل لا أذكر ملامحه إن كان لها أقارب يجب إبلاغهم.
كانت الأصوات تدور حولي.
أما أنا فلم أكن أرى سوى الكوبين فوق الطاولة.
كوبها.
وكوبي.
والبخار الذي اختفى من كليهما.
❧ ❧ ❧
مرت الأسابيع.
ثم الشهور.
واستأجر ساكن جديد الشقة المقابلة.
اختفى اسم عائشة من صندوق البريد.
واختفى صوتها من السلم.
وعادت العمارة إلى حياتها المعتادة.
أما أنا فعدت إلى عملي.
وعُدت إلى طريقي اليومي.
وعُدت إلى مواعيدي القديمة.
كأن شيئًا لم يتغير.
لكن شيئًا لم يعد كما كان.
❧ ❧ ❧
وفي صباح بارد بعد شهرين وقفت عند النافذة أراقب الساكن الجديد وهو ينقل بعض الأثاث إلى الشقة المقابلة.
كرسي.
طاولة.
صندوق كتب.
أشياء تبدأ بها حياة جديدة.
ثم وقعت عيناي على الساعة المعلقة فوق الحائط.
كانت تشير إلى السابعة تمامًا.
موعد خروجي اليومي إلى العمل.
ظللت واقفًا.
أراقب العقربين.
دقيقة.
ثم أخرى.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة لم أتحرك.
تركت العقربين يواصلان دورتهما وحدهما.
**تمت**.