«تعالي... تعالي، أنا هنا.»
لم تلتفت فورًا. ظنّت أن النداء يخصّ امرأة أخرى. لكن النبرة جاءت واثقة أكثر مما ينبغي، كأنها تعرف مسبقًا أنها ستدير رأسها.
على الرصيف المقابل كانت سيارةٌ مركونة، بابها مفتوح. جلس هو في مقعد السائق، وقد أخرج ساقيه خارج السيارة، يتأرجح بهما في هدوءٍ لا يليق بشارعٍ مزدحم ولا برجلٍ ينادي امرأة لا تعرفه إلا قليلًا.
توقفت.
نسيت، للحظة، إلى أين كانت تتجه.
رفع يده مشيرًا إليها.
ـ تعالي.
لم تتحرك.
قالت، من مكانها:
ـ إن كنت تريد شيئًا... تفضّل أنت.
نهض ببطء، وأغلق باب السيارة دون أن يرفعه إلى آخره، ثم عبر الشارع كأن بينهما موعدًا تأخر دقائق فحسب.
توقف على مسافةٍ أقرب مما ينبغي.
ـ إيه اللي جابك هنا؟
ـ شغلي.
أومأ برأسه، ثم ابتسم.
ـ ممكن أعرف... حظرتِني ليه؟
ـ جاوبتك قبل كده.
ـ لا... عايز أعرف دلوقتي.
ـ دلوقتي؟
ـ أيوه... دلوقتي.
لم تختفِ الابتسامة عن وجهه.
كانت حقيبتها تتدلى من كتفٍ واحد. لم تنتبه إليها إلا عندما حاولت أن تُعدّلها، فاكتشفت أن يدها لا تستجيب كما اعتادت.
قال بعد لحظة:
ـ أنا بس عايز أفهم.
سكت.
ثم أضاف، بالنبرة نفسها، كأنه يسأل سؤالًا بديهيًا:
ـ أنا ما غلطتش في حقك... صح؟
لم تُجبه.
نظرت إلى الجهة الأخرى من الشارع، ثم قالت:
ـ ممكن أمشي؟
ابتعد نصف خطوة، مفسحًا لها الطريق.
ـ اتفضلي.
مرت بجواره دون أن ترفع عينيها إليه.
ولما ابتعدت خطواتٍ قليلة، سمعته ينادي خلفها:
ـ هيرن دلوقتي.
لم تلتفت.
بعد ثوانٍ، اهتز الهاتف في يدها.
رقمٌ لا تعرفه.
ظلّ يرنّ حتى انقطع.
❧ ❧ ❧
لم يكن ذلك الرنين هو الأول.
قبل أيام، كانت قد حظرته.
عادت إلى شقتها تلك الليلة، وجلست أمام صديقتها تحكي ما حدث. لم تفهم لماذا أغضبه أن يراها عائدة برفقة شخصٍ لا يعرفه، ولماذا تصرّف كأن عليها أن تبرر له ما لا يخصّه. كانت تتكلم، ثم تتوقف، ثم تعود إلى الكلام، كأنها تبحث عن جملة تجعل ما حدث يبدو معقولًا ولا تجدها.
قبل أن تنام، ضغطت زر الحظر.
ظنت أن الأمر انتهى.
لكن الهاتف بدأ يرنّ بأرقامٍ لا تعرفها.
رقم.
ثم آخر.
ثم آخر.
كانت تنظر إلى الشاشة حتى ينقطع الرنين، ثم تحظر الرقم كما حظرت سابقه. بدا الأمر كأن الهاتف يتعلم في كل مرة وجهًا جديدًا.
وفي ظهيرة أحد الأيام، طلبت طعامًا من أحد التطبيقات. حين رنّ الهاتف، أجابت قبل أن تنظر إلى الرقم.
ساد صمت قصير.
ثم جاء صوته.
ـ أنا بس عايز أفهم... أنا عملتلك إيه؟
أبعدت الهاتف عن أذنها لحظة، كأنها تريد أن تتأكد أن الصوت خرج فعلًا منه.
قال، بعد صمتها:
ـ ومش هتصل تاني.
لم تعرف لماذا شعرت أنها مطالبة بالدفاع عن نفسها.
ـ شكرًا على مساعدتك... بس حضرتك اتماديت. وأنا... كنت خايفة.
سكت لحظة.
ثم كرر الكلمة ببطء:
ـ خايفة؟
لم تكن تعرف لماذا بدت الكلمة، حين خرجت من فمه، أقل يقينًا مما كانت عليه قبل ثوانٍ.
قال بهدوء:
ـ تمام. مش هزعجك تاني. مع السلامة.
وانقطع الخط.
لم يرنّ الهاتف بقية ذلك اليوم.
ولا الذي يليه.
وبدأ الصمت، شيئًا فشيئًا، يبدو مقنعًا.
حتى لمحته مرةً في الشارع، وهي تمشي مع أمها وأختها.
خفضت رأسها، ومضت.
«مجرد صدفة»، قالت في نفسها.
ثم صدقتها.
❧ ❧ ❧
لم يكن ذلك الرنين هو الأول.
بدأ الأمر بعد الليلة التي حظرته فيها.
عادت إلى شقتها يومها وهي تحمل إحساسًا ثقيلًا لم تستطع أن تمنحه اسمًا. جلست أمام صديقتها تحكي ما حدث؛ كيف انقلبت مساعدته المفاجئة إلى أسئلة لا تفهم سببها، وكيف بدا منزعجًا لأنها عادت برفقة رجلٍ لا يعرفه، كأن عليه أن يعرف، أو كأن عليها أن تشرح.
قالت صديقتها، ببساطة:
ـ اعملي له بلوك.
فعلت.
وفي اليوم التالي، رنّ الهاتف من رقمٍ لا تعرفه.
تركته حتى انقطع.
بعد ساعة، رنّ من رقمٍ آخر.
ثم في المساء، من رقمٍ ثالث.
لم ترد على أي منها.
كانت تضغط زر الحظر كل مرة، حتى صار الأمر أقرب إلى عادةٍ يومية؛ رنين، نظرة سريعة إلى الشاشة، حظر، ثم تعود لما كانت تفعله، كأن شيئًا لم يحدث.
لكن شيئًا كان يحدث.
بعد أربعة أيام، طلبت غداءً من أحد التطبيقات. وحين ظهر رقمٌ غريب على الشاشة، أجابت قبل أن تنظر إليه.
ساد صمتٌ قصير.
ثم جاء صوته، هادئًا على نحوٍ أربكها أكثر مما لو كان غاضبًا.
ـ أنا بس عايز أفهم... أنا عملتلك إيه؟
لم تقل شيئًا.
أبعدت الهاتف عن أذنها، ثم أعادته ببطء، كأن الصوت قد يتغير إذا انتظرت.
قال:
ـ أوعدك... دي آخر مرة هكلمك فيها.
لم تكن تعرف لماذا شعرت أنها هي المطالبة بالتبرير.
ـ شكرًا على اللي عملته... بس حضرتك اتماديت. أنا اتخضيت.
كرر الكلمة كأنه يسمعها لأول مرة:
ـ مني؟
ثم سكت لحظة.
ـ تمام... مش هزعجك تاني.
أغلق الخط.
مرّ اليوم التالي بلا مكالمات.
ثم الذي بعده.
وبدأ الصمت يبدو حقيقيًا.
وفي نهاية الأسبوع، رأته صدفةً.
كانت تمشي بين أمها وأختها في شارعٍ مزدحم. لمحها، أو هكذا خُيّل إليها. لم يقترب، ولم ينادها، ولم يلتفت إليها مرةً أخرى.
أقنعت نفسها أن الأمر لا يتجاوز مصادفةً ثقيلة.
لكنها، منذ ذلك اليوم، صارت تلتفت خلفها كلما شعرت أن أحدًا يبطئ خطواته خلفها.
ولم تكن تعرف: هل تغيّر الشارع...
أم أنها هي التي تغيّرت؟
❧ ❧ ❧
بعد أسبوع، رأته مرةً أخرى.
كانت أمها إلى جوارها، وأختها على الجانب الآخر. لمحته واقفًا على الرصيف المقابل، يتحدث إلى رجلٍ آخر. لم يلتفت إليها، أو لعلها لم تجرؤ على التأكد.
خفضت رأسها، ومضت.
حين وصلت إلى البيت، بدا لها خوفها أثقل من الموقف نفسه. لم يتصل منذ أيام، ولم يحاول الوصول إليها مرة أخرى. قالت في نفسها إن المدينة صغيرة، وإن الناس لا يختفون لمجرد أننا لا نريد أن نراهم.
وصدّقت ذلك.
❧ ❧ ❧
بعد أيام، خرجت من العمل في موعدها المعتاد.
كانت تبحث في حقيبتها عن سماعاتها حين سمعت:
«تعالي... تعالي، أنا هنا.»
توقفت.
أغلقت الحقيبة ببطء، ثم رفعت رأسها.
على الجانب الآخر من الشارع كانت سيارةٌ متوقفة، بابها مفتوح، وهو جالس في مقعد السائق، ساقاه خارج السيارة تتأرجحان في هدوء.
رفع يده.
ـ تعالي.
لم تتحرك.
نهض.
أغلق الباب بظهره، ثم عبر الشارع بخطوات هادئة، كأن الطريق بينهما محفوظٌ عن ظهر قلب.
توقف قريبًا منها.
أقرب مما ينبغي.
قال:
ـ إيه اللي جابك هنا؟
ـ شغلي.
هزّ رأسه.
ـ ممكن أعرف... حظرتِني ليه؟
ـ قلتلك قبل كده.
ـ لا.
سكت لحظة.
ـ عايز أعرف دلوقتي.
مرّت سيارة بينهما وبين الرصيف، ثم انساب ضجيجها مبتعدًا.
قالت:
ـ ممكن أمشي؟
ظل ينظر إليها.
ـ أنا بس عايز أفهم.
طال الصمت.
ـ شكرًا... على اللي عملته...
توقفت.
ابتلعت ريقها.
ـ بس حضرتك اتماديت.
سألها، بالنبرة نفسها:
ـ مني؟
لم تُجبه.
أشاحت بوجهها.
ومرّت إلى جواره.
جاءها صوته من الخلف، هادئًا، كأنه يذكّرها بموعدٍ نسيته:
ـ هيرن دلوقتي.
بعد خطوات قليلة، اهتز الهاتف في يدها.
لم تنظر إليه.
أطبقت أصابعها عليه حتى انقطع الرنين وحده.
في الأيام التالية، لم يرنّ الهاتف.
مرّ يوم.
ثم آخر.
وفي اليوم الرابع، انتبهت أنها كانت تنتظر الرنين.
❧ ❧ ❧
خرجت من العمل في موعدها المعتاد.
سارت وهي تفكر في أشياء لا تتذكرها بعد ذلك.
عبرت شارعًا.
ثم آخر.
وحين رفعت رأسها، توقفت.
المكان لا يشبه الطريق الذي تعرفه.
لا المخبز.
ولا الصيدلية.
ولا شجرة الفيكس التي اعتادت أن تستريح عينها عليها قبل أن تنعطف إلى شارعها.
التفتت حولها ببطء.
ثم عادت أدراجها.
ولم تعرف، بعد ذلك، عند أي تقاطع غيّرت طريقها.
❧ ❧ ❧
بعد أيام، دخلت متجرًا صغيرًا لتشتري زجاجة ماء.
رنّ جرس الباب خلفها.
التفتت.
رجلٌ لا تعرفه.
تناولت زجاجة من الثلاجة.
ظلت تقرأ الملصق المثبت عليها، سطرًا بعد سطر، حتى انتهت الكلمات.
ثم أعادت الزجاجة إلى مكانها.
أخذت أخرى.
وقرأت ملصقها أيضًا.
وحين سمعت جرس الباب من جديد، التفتت.
كان الرجل قد خرج.
دفعت ثمن زجاجة الماء، وغادرت.
❧ ❧ ❧
وفي مساء ذلك اليوم، وصلت إلى باب شقتها.
أدخلت المفتاح.
أدارته.
دفعت الباب.
دخلت.
أغلقته خلفها.
خطت خطوتين.
ثم استدارت.
عادت إلى الباب.
وشدّت المقبض مرةً أخرى.
كانت تنتظر عند الإشارة الضوئية، حقيبتها على كتفها، وعيناها على الطريق المقابل.
مرّت سيارة.
ثم أخرى.
وبين الزحام، مرّ رجل.
كانت خطوته مألوفة أكثر مما ينبغي.
لم يبطئ.
ولم يلتفت.
مضى بين الناس كما يمضي أي عابر، حتى ابتلعه الرصيف.
وقفت كما هي.
لا تُثبّت نظرها عليه.
ولا تُشيحه عنه.
بين رغبةٍ في أن تراه بوضوح، ورغبةٍ أكبر في ألا تراه.
تحوّل الضوء إلى الأخضر.
عبر الناس.
وبقيت هي مكانها لحظةً أخرى، تنظر إلى الفراغ الذي تركه المارّة خلفهم.
ثم عبرت مع الموجة الثانية.
ولم تلتفت إلى الخلف.
❧ ❧ ❧
بعد أيام، دخلت صيدلية قريبة من بيتها لتشتري دواءً للصداع.
وقفت أمام الرف الأخير.
سمعت جرس الباب.
ثم وقع خطوات.
لم تلتفت.
تناولت علبة دواء.
أعادتها إلى مكانها.
تناولت أخرى.
وقرأت اسمها ببطء.
جاءها صوت الصيدلي يجيب عن سؤالٍ لم تميّز كلماته.
ثم رنّ جرس الباب مرةً ثانية.
دفعت ثمن الدواء.
وخرجت.
كان الشارع ممتدًا كما تركته.
سيارات تعبر.
ورجل يحمل كيس خبز.
وامرأة تجر طفلًا من يده.
وقفت لحظة.
ثم مشت.
❧ ❧ ❧
ومنذ ذلك اليوم...
لم تره.
لا عند باب سيارة.
ولا على رصيفٍ مقابل.
ولا بين المارة.
❧ ❧ ❧
بعد أشهر، لم يعد اسمه يمر في خاطرها إلا نادرًا.
كانت قد عادت تسلك طريقها المعتاد دون أن تنتبه لذلك، وتردّ على الأرقام الجديدة، وتخرج من المتاجر فور أن تنتهي مما جاءت من أجله.
وفي مساءٍ عادي، اهتز الهاتف على الطاولة.
رقمٌ مجهول.
نظرت إليه.
ظل يرنّ.
واحد...
اثنان...
ثلاثة...
أربعة...
ثم انقطع.
ظل الهاتف ساكنًا.
مدّت يدها إليه.
فتحت سجل المكالمات.
حذفت الرقم.
أغلقت الشاشة.
أعادت الهاتف إلى مكانه.
وبقيت تنظر إليه.
بعد لحظة، تناولته مرةً أخرى.
فتحت سجل المكالمات.
كانت تعرف أنه لن يكون هناك.
ومع ذلك، ظلّت تقلّب القائمة ببطء، حتى وصلت إلى آخرها.
ثم أغلقت الشاشة.
وأبعدت الهاتف عنها.
لكنها لم تعد إلى ما كانت تفعله.