قبل الخميس: كيف تفكّر الأكاديمية السويدية؟
ثمة خميس واحد في كل خريف يبدو فيه العالم، ولو لساعات قليلة، كأنه ينتظر جملة أدبية واحدة.
في ستوكهولم، خلف أبواب الأكاديمية السويدية، يتجمع الصحفيون، وتتحرك الكاميرات، وتبدأ المواقع الأدبية في تحديث صفحاتها، بينما يجلس ملايين القراء أمام شاشاتهم انتظارًا لاسم واحد. اسم قد يكون مألوفًا منذ عقود، وقد يكون لكاتب لم يكن حضوره يتجاوز دوائر أدبية ضيقة، وقد يكون مفاجأة تجعل معظم قوائم التوقعات تبدو، في لحظة واحدة، بلا قيمة.
كيف تختار جماعة صغيرة في ستوكهولم كاتبًا واحدًا ليحمل لقب نوبل الأدب أمام العالم كله؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يخفي وراءه واحدة من أكثر عمليات الاختيار الأدبي غموضًا في العالم.
في الثامن من أكتوبر، سيُعلن اسم الفائز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026. ومنذ الآن بدأت ماكينة التوقعات في العمل: أسماء تتكرر، وأسواق مراهنة تتحرك، ومقالات تقارن بين القارات واللغات والأجيال، وقارئ يريد أن يعرف قبل الجميع: من سيكون الاسم القادم؟
لكن ربما يكون السؤال الأهم ليس: من سيفوز؟
بل: ما الذي تبحث عنه الأكاديمية أصلًا؟
كيف تفكر الأكاديمية؟
أول ما يلفت في نوبل الأدب أنها ليست جائزة ذات مسار معلن أمام الجمهور، كجوائز تبدأ بقائمة طويلة ثم تختصرها إلى قائمة قصيرة قبل إعلان الفائز. ما يجري داخل الأكاديمية يبقى إلى حد بعيد بعيدًا عن أعين القراء، ولهذا يصبح تاريخ الجائزة وتعليلاتها السابقة من أهم المفاتيح التي يمكن من خلالها محاولة فهم ذائقتها.
ففي السنوات الأخيرة، لم يكن هناك شكل أدبي واحد يحظى بالامتياز دائمًا.
وإذا قرأنا تعليلات هذه الاختيارات، سنجد أن الأكاديمية لا تتعامل مع الأدب باعتباره سباقًا بين الكتب الأكثر مبيعًا، ولا باعتباره مكافأة على رواية ناجحة في عام واحد. إنها تنظر، في الأغلب، إلى مشروع أدبي يمتد عبر الزمن؛ إلى علاقة الكاتب باللغة والذاكرة والتاريخ والإنسان، وإلى قدرته على توسيع إمكانات الأدب أو منح تجربة إنسانية محددة معنى يتجاوز حدودها الأولى.
يكفي، مثلًا، أن نتوقف عند تعليل فوز آني إرنو عام 2022؛ فقد أشادت الأكاديمية بـ«الشجاعة والدقة السريرية» في كشف جذور الذاكرة الشخصية وانفصالاتها وقيودها الجماعية. هنا تتحول السيرة الفردية إلى مادة تتجاوز صاحبها، وتصبح الذاكرة الخاصة نافذة على طبقات اجتماعية وتاريخية أوسع.
ولهذا نجد الشعر إلى جوار الرواية، والمسرح إلى جوار النثر، والذاكرة الشخصية إلى جوار التاريخ الجمعي، والتجريب الشكلي إلى جوار الكتابة التي تبدو أكثر هدوءًا وتقليدية.
وقد يكون هذا أحد أسباب المفاجآت المتكررة في الجائزة.
فالأكاديمية لا تحتاج إلى أن تثبت أنها تستطيع قراءة السوق؛ السوق يقرأ نفسه كل يوم. ما يهمها هو الأدب كما تراه هي، حتى لو جاء اختيارها أحيانًا من منطقة لم تكن تحت الضوء.
ومن هنا أيضًا تأتي صعوبة التنبؤ. فالقارئ الذي يبحث عن «اسم كبير» قد يغفل عن كاتب تكمن قوته في مشروع أدبي كامل، بينما القارئ الذي يتابع أسواق المراهنة قد يخلط بين تكرار اسم ما وبين وجود مؤشرات حقيقية من داخل الأكاديمية.
والحقيقة أن لا أحد خارج الدائرة الضيقة لصنع القرار يستطيع أن يعرف ما يحدث هناك الآن.
الأسماء المتداولة هذا العام
مع اقتراب الإعلان، تتكرر مجموعة من الأسماء في الصحافة الأدبية وأسواق التوقع. لكن من المهم أن نتذكر أن هذه الأسماء ليست قائمة رسمية للمرشحين؛ فالأكاديمية لا تنشر مرشحيها المعاصرين، وتظل وثائق الترشيح سرية لعقود طويلة.
ومن بين الأسماء التي تتردد هذا العام كان شيويه،
هاروكي موراكامي،
أمِيتاف غوش،
آن كارسون،
مارغريت أتوود، ميرتشا كارتاريسكو، جيرالد مورنان، كريستينا ريفيرا غارثا، سيزار أيرا، سلمان رشدي، إلى جانب أسماء أخرى تختلف باختلاف مصدر التوقع والسوق الذي تُقاس فيه.
كان شيويه تمثل، بالنسبة لكثير من قراء نوبل، نموذج الكاتب الذي لا يدخل الأدب من أبوابه التقليدية. كتابتها التجريبية، ذات العالم الغرائبي والخيال المنفلت من القواعد الواقعية المعتادة، تجعلها من الأسماء التي يصعب تجاهلها حين يدور الحديث عن التجديد في السرد.
أما هاروكي موراكامي، فيمثل حالة مختلفة تمامًا. فهو أحد أكثر الأسماء حضورًا في الوعي العالمي، وترجمت أعماله إلى لغات كثيرة، وظل اسمه يتكرر في توقعات نوبل عامًا بعد عام. لكن تكرار الاسم لا يعني بالضرورة اقتراب الاختيار؛ وربما تكشف استمرارية وجوده في القوائم شيئًا عن توقعات الجمهور أكثر مما تكشفه عن الأكاديمية.
أمِيتاف غوش يأتي من منطقة أخرى: الأدب الذي يلتقي فيه التاريخ بالاستعمار والهجرة والمناخ والذاكرة. مشروعه الروائي يتجاوز الجغرافيا المحلية، ويجعل من المحيطات والهجرات وتحولات العالم مادة أدبية واسعة.
وهناك أسماء مثل آن كارسون ومارغريت أتوود، اللتين تمثلان مسارين مختلفين داخل الأدب الإنجليزي المعاصر؛ الأولى عند الحدود بين الشعر والترجمة والدراما والتأمل، والثانية صاحبة مشروع أدبي طويل يمتد من الرواية إلى الشعر والمذكرات والنقد.
وإلى جانب هذه الأسماء، يظل أدب مناطق ولغات أخرى حاضرًا في المشهد، وهو ما يجعل قائمة التوقعات نفسها أقرب إلى خريطة لما يتوقعه القراء والنقاد والأسواق من الأكاديمية، لا إلى خريطة لما تفكر فيه الأكاديمية فعلًا.
لذلك تبدو القراءة أجدى من التنبؤ كلما اقترب الموعد.
السؤال العربي
منذ فوز
نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الأدب عام 1988، لم يحصل كاتب عربي آخر على الجائزة.
وقد جعل هذا الغياب السؤال يتكرر كل عام: لماذا لا يعود الأدب العربي إلى منصة نوبل؟
لكن السؤال يصبح أكثر فائدة إذا خرج من منطقة الشكوى ودخل منطقة التحليل.
هناك أولًا مشكلة الترجمة.
النص العربي لا يصل إلى القارئ العالمي بلغته الأصلية. إنه يعبر من خلال مترجم، ومحرر، وناشر، وسوق، وأحيانًا منظومة كاملة من التوقعات حول ما ينبغي أن يكون عليه «الأدب العربي».
والترجمة ليست نقل الكلمات فقط. إنها نقل الإيقاع والصوت والإيحاء والسياق والذاكرة الثقافية. وقد يخسر النص في رحلته بعض ما يجعله متفردًا، أو يصل إلى قارئه في صورة مختلفة عن الصورة التي كان يعيش بها داخل لغته الأولى.
وهناك، في المقابل، مشكلة حضور الأدب العربي في دوائر النشر العالمية.
ليس كافيًا أن يكون لدينا أدب قوي. يجب أن توجد منظومة قادرة على حمل هذا الأدب إلى الخارج: مترجمون كبار، ناشرون يؤمنون بالمشروع، وكلاء أدبيون، حقوق ترجمة، مهرجانات، نقد عالمي، ومؤسسات تستطيع تقديم الكاتب إلى القارئ الأجنبي من دون اختزاله في صورة جاهزة عن المنطقة العربية.
ومع ذلك، فإن الأدب العربي نفسه لا يبدو في حالة انتظار خامل.
يكفي أن ننظر إلى فوز الرواية الجزائرية «
أغالب مجرى النهر» للروائي
سعيد خطيبي بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2026، بعد منافسة بين 137 رواية، لندرك أن الحيوية داخل الأدب العربي المعاصر ليست موضع شك. الجائزة، في هذه الحالة، لا تثبت أن الأدب العربي يحتاج إلى اعتراف خارجي كي يكون حيًا، لكنها تذكّرنا بأن هناك حركة روائية واسعة تستحق أن تعبر إلى لغات أخرى وإلى دوائر قراءة أوسع.
ثم هناك أسماء عربية ظلت حاضرة طويلًا في أحاديث نوبل، وفي مقدمتها الشاعر أدونيس، الذي تكرر اسمه لعقود في قوائم التوقعات والنقاشات حول الجائزة. لكن استمرار الاسم في دائرة التوقع لا ينبغي أن يتحول إلى دليل على قرب الجائزة؛ فالتاريخ نفسه يبين أن التنبؤات حول نوبل الأدب كثيرًا ما أخطأت.
ربما يكون السؤال إذن أقل ارتباطًا بغياب الموهبة، وأكثر ارتباطًا بالمسافة بين اللغة العربية والعالم.
وهذه المسافة لا يستطيع الكاتب وحده أن يقطعها.
ما الذي يبقى بعد الإعلان؟
في الثامن من أكتوبر، ستقال الجملة المنتظرة.
سيظهر اسم واحد.
قد يكون اسمًا عرفناه منذ سنوات، وقد يكون اسمًا لم يكن حاضرًا إلا في هوامش التوقعات. ستبدأ المقالات، وستظهر الترجمات القديمة والجديدة، وسترتفع مبيعات الكتب، وسيتحول الكاتب خلال ساعات من اسم أدبي إلى خبر عالمي.
ثم تهدأ الضجة.
ويبقى الكتاب.
وهنا تكمن المفارقة الأجمل في نوبل الأدب: الجائزة تستطيع أن تلفت العالم إلى كاتب، لكنها لا تستطيع أن تكتب له سطرًا واحدًا.
هي تمنح الضوء، لكنها لا تصنع النص.
قد تجعلنا نذهب إلى مكتبة ونبحث عن رواية لكاتب لم نسمع به من قبل، وقد تدفع ناشرًا إلى إعادة ترجمة أعماله، وقد تجعل قارئًا في القاهرة أو الرباط أو بغداد أو باريس يفتح كتابًا لم يكن ليصل إليه لولا ذلك الإعلان.
لكن القيمة الأدبية الحقيقية تبدأ بعد انطفاء الكاميرات، عندما يجلس القارئ وحده أمام الصفحة.
لذلك ربما يكون السؤال الأجدى في الخميس المنتظر ليس: هل توقعتَ الفائز؟
بل:
هل ستقرأه؟
فالتوقعات تنتهي عند الواحدة ظهرًا.
أما الأدب، فيبدأ بعدها.
جمال عسكر
كاتب وأديب مصرى معاصر
تطبيق وموقع السراد الأدبى