قصة قصيرة، أدب نفسي، دراما اجتماعية، واقعية إنسانية، أدب أسري، قصة نفسية رمزية.
بقلم جمال عسكر
أعرف أن أمي مستيقظة عندما ينام الجميع. لا يوقظني صوتها، بل الصمت الذي يسبقه. صمتٌ أعرفه جيدًا؛ يمتد في الطرقة… يتوقف قليلًا أمام باب غرفتي، ثم يقترب.
أفتح عينيّ.
أحدق في الباب المغلق.
كان الباب هو الشيء الوحيد في البيت الذي أستطيع أن أغلقه بلا تفسير.
على المنضدة، بالقرب من النافذة، توجد كرة الثلج الصغيرة.
بيت أبيض صغير داخل كرة زجاجية، وحوله رقائق بيضاء لا تسكن إلا بعد أن تهدأ يدي.
أهداني أبي الكرة وأنا بنت التاسعة.
هزّها أمامي، فضحكت.
قال:
"شايفة البيت ده؟"
هززت رأسي بعفوية.
"جميل، مش كده؟"
ثم أعادها إلى يدي.
لم يقل شيئًا آخر.
كان أبي يعرف متى يقتصد فى الكلمات.
---
أمي لم تكن ترى الباب بالطريقة نفسها.
بالنسبة لها... الباب المغلق ليس بابًا… إنه سؤال.
ماذا تفعلين؟ مع من تتحدثين؟ لماذا أغلقتِ الدرج؟ ولماذا وضعتِ الهاتف مقلوبًا؟
كانت تقول إنها تخاف عليّ.
من الصحبة السيئة... من الأسرار... من الناس.
وكانت تفتش حقيبتي بالطريقة التي ترتب بها ملابسي: بهدوء، وبإحساس كامل بأنها تقوم بواجبها.
لم تكن ترى يدها وهي تدخل إلى حاجاتى. كانت ترى فقط ابنتها. أما أنا فكنت أرى يديها.
---
في ذلك اليوم عدت متعبة من الجامعة.
فتحت باب غرفتي... ثم أغلقته خلفي. توقفت.
هناك فوضى لا يلاحظها إلا صاحبها.
كتابي فوق الرف فى غير موضعه.
كشكول الملاحظات انزلق إلى أسفل.
القلم الذي أتركه دائمًا فوق الكراسة كان داخل الدرج.
والدرج نفسه لم يكن مغلقًا بالطريقة التي أغلقه بها.
اقتربت...فتحته. لم يكن فيه شيء مهم.
قصاصة تذكرة قديمة. صورة صغيرة لأبي.
أوراق كتبت عليها أشياء لا أعرف كيف أقولها.
أغلقت الدرج...وضعت يدي فوقه.
بقيت هكذا برهة.
ثم نظرت إلى كرة الثلج...كانت في مكانها.
مددت يدي وهززتها...فارتفعت الرقائق البيضاء، وسقطت على مهل فوق البيت الصغير.
تمنيت... للحظة... أن أعيش بداخلها.
---
في تلك الليلة أغلقت الدرج بالمفتاح.
وضعت المفتاح تحت وسادتي.
لم يكن في الدرج سر خطير...كان فيه شيء أصعب من الأسرار...شيء يخصني.
أطفأت المصباح...استلقيت على السرير... ظللت أحدق في الظلام.
ثم جاءت الطرقة.
واحدة...انتظرت...ثانية.
ثم انفتح الباب...وقفت أمي عند العتبة.
قالت:
"إنتِ نايمة؟"
"آه."
دخلت...نظرت إلى المكتب. ثم إلى الدرج.
قالت:
"فين مفتاح الدرج؟"
رفعت رأسي.
"ليه؟"
"لقيته مقفول."
"عشان فيه حاجاتى الخاصة."
توقفت.
"الخاصة؟"
لم أجب...اقتربت من المكتب.
قالت:
" يا سلمى إنتِ بنتي."
"أمم"
"يبقى إيه اللي ممكن يكون خاص عني؟"
نظرت إليها.
كانت أريد أن أبوح بكلمات كثيرة.
لكنني لم أقل إلا:
"ماما... لو سمحتي."
مدت يدها نحو الدرج... وفي اللحظة نفسها اصطدم مرفقها برف الكتب.
اهتزت كرة الثلج...رأيتها تسقط.
لم أتحرك.
ارتطمت بالأرض...تحطم الزجاج. واندفع الماء فوق السجادة... وتناثرت الرقائق البيضاء حول البيت الصغير.
ظللت أنظر إليه...بيت أبي...بين شظايا الزجاج.
شعرت بضيق فى صدري.
---
حاولت أن أتنفس.
شهيق.
لم يدخل الهواء...حاولت مرة أخرى.
شهيق.
وضعت يدي على صدري.
كان الهواء موجودًا.
قريبًا.
لكن جسدي لم يعد يعرف كيف يستقبله.
سمعت أمي تقول:
"بنت يسلمى؟"
لم أستطع الرد.
نهضت نصف نهضة، ثم جلست.
ركضت أمي إلى الحقيبة المعلقة خلف الباب.
سمعتها تفتحها بعجلة.
"البخاخ؟"
أشرت بيدي.
وجدته.
جلست أمامي...كانت أصابعها ترتجف.
"خدي... على مهل."
أخذت البخاخ.
حاولت مرة أخرى.
شهيق قصير... زفير.... ثم شهيق آخر.
بدأ صدري يلين. عاد الهواء قليلًا قليلًا.
وبقيت أمي بجانبي... لم تسأل عن المفتاح.
لم تفتح الدرج. لم تقل: "أنا أمك."
ظلت تنظر إلى كرة الثلج المحطمة...ثم إلى الباب المفتوح.
---
بعد أن نام البيت، عدت إلى غرفتي.
جلست على الأرض... جمعت قطع الزجاج واحدة واحدة.
كان البيت الصغير سليمًا تقريبًا.
وجدته بين شظيتين، مبللًا، وحوله بقايا الثلج الأبيض. وضعته في علبة زجاجية صغيرة.
لم أستطع أن أصلحه. لكنني لم أرد أن أرميه.
أخرجت ورقة... كتبت:
الباب المفتوح لا يعني أن حياتي مستباحة.
وضعتها فوق المكتب.
ثم أطفأت المصباح.
---
في الصباح... توقفت أمى أمام الباب المفتوح... قرأت الورقة. ثم نظرت إلى العلبة.
دخلت خطوة... تأملت البيت الصغير. مدت يدها. توقفت قبل أن تلمسه.
بقيت يدها معلقة لحظة... ثم سحبتها.
لم تقل شيئًا.
وأنا أيضًا لم أقل.
خرجت من الغرفة... وتركت الباب مفتوحًا.
جلست على السرير.
تسلل ضوء الصباح من النافذة.
حرك الهواء الفاتر الستارة.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم أشعر بالحاجة إلى إغلاق شيء.